حرب اليمن بسنتها الخامسة: الحل بدولة اتحادية من إقليمين

كانت المملكة العربية السعودية تعتقد في العام 2015 انها قادرة على الانتصار في الحرب على اليمن خلال خمسة اسابيع أو خمسة اشهر في ابعد تقدير، فاذا بها تتأهب للدخول سريعاً في العام الخامس، في حين ينفتح افق الحرب على احتمالات لا تتيح للرياض خروجاً مشرفاً منها وان كان الافق نفسه لا ينطوي على انهيار النظام السعودي او حتى على خلع ولي العهد من منصبه، كما توقع كثيرون، ناهيك عن انهيار اقتصادي او ثورة داخلية على غرار ثورات الربيع العربي.

علينا الا ننسى ان هناك من قرر في السعودية قتل المواطن السعودي الصحافي جمال خاشقجي في ذروة الحرب مع اليمن، وهي تحاول خنق قطر على هامش هذه الحرب، بل اخرجتها من الحرب اليمنية ورمتها في احضان تركيا، وعلينا ان نتذكر انها اعتقلت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وكبار النافذين الماليين في المملكة وسحبت اموالهم من دون ان يهتز النظام.

وتخوض السعودية، اليوم، مواجهة مفتوحة مع انقرة وطهران بزخم لم يهتز بعد ولم تظهر عليه بوادر تراجع، بل تتجرأ بالبحث عن تعاون مع اسرائيل شبه علني دون الخوف من ردود فعل داخلية، وعلينا ان نتذكر ايضا ان ضرب ارامكو كان مؤذيا للاقتصاد السعودي لكنه لم يمنع المملكة من طرح نسبة من اسهم الشركة في البورصة.. كل هذه الاحداث المهمة وغيرها وقعت خلال الحرب على اليمن وعلى هامش الصعوبات التي تعترضها في تلك الحرب، الامر الذي يستدعي سؤال الحرب نفسها على  ابواب سنتها الخامسة؟

المدهش في هذه الحرب الاستباقية ان السعودية لم تتعظ من دروس الحروب الخارجية الفاشلة على اليمن منذ هزيمة الاتراك مرتين في هذا البلد في القرنين السابع عشر والتاسع عشر، وهزيمة الاستعمار البريطاني في الجنوب في القرن العشرين، الى حربها هي ما قبل الاخيرة على الحوثيين عام 2009 التي انتهت بهدنة واتفاق عدم اعتداء بين المملكة وانصار الله.

زجت المملكة في تلك الحرب كل أسلحتها واستعانت بالخبرات الغربية وكان يساندها على الارض الجيش اليمني في عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وكان جيشا محترفا ويقاتل بجدارة، ومع ذلك تعذر عليها قهر الحوثيين لتعاود الكرة عام 2015 على رأس تحالف بات اليوم اشبه بالهيكل العظمي.

هكذا دخلت المملكة العربية السعودية حرب اليمن على الضد من خبرتها ومعرفتها بحال هذا البلد. اعتقدت انها ستستدرك بالغارات التدميرية والانتقامية دعما ايرانيا حاشدا لليمن بعد توقيع الاتفاق النووي الايراني مع واشنطن والدول الغربية. اعتقدت انها ستطيح بالبنية التحتية اليمنية التي تستقبل الدعم الخارجي. اعتقدت انها قد تستدرج واشنطن الى هذه الحرب وهي التي تهم بالخروج من الشرق الاوسط بعد حروبها الفاشلة. اعتقدت انها يمكن ان تعبئ العالم العربي والعالم الاسلامي السني ضد فريق صغير من الحوثيين الزيديين الشيعة. اعتقدت ان انصار الله يمكن ان يرتدعوا ويهبوا لطلب وقف النار امام اجتماع العالم ضدهم. اعتقدت ان ضربهم يحرر جنوب اليمن ويتيح تنظيم حرب داخلية جنوبية شمالية وهو ما وقع حقا لكنه لم يكن فعالا. واعتقدت ـ ولعل هذا هو الاهم ـ ان الحرب على هذا البلد ستتيح حصول المملكة على خطوط نفطية برية مرورا بأراضي حضرموت وصولا الى بحر العرب ومنها الى المحيط الهندي والعالم، وهو الخط نفسه الذي رفض علي عبدالله صالح منحه للسعوديين اثناء فترة حكمه. ان هذا الخط يتيح للمملكة أضعاف الاثر الإستراتيجي لمضيق هرمز وتهميش باب المندب بوصفه ممرا نفطيا.

على ابوابها الخامسة، لم تحمل الحرب السعودية على اليمن النتائج المرجوة، بل بوسعنا الجزم ان الحرب قد تحولت الى مستنقع تبحث الرياض عن سبل الخروج منه بما يضمن هيبتها وما يحول دون انعكاس هزيمتها على النظام السعودي نفسه.

ان خطوط القتال السعودية – اليمنية في الحرب غير قابلة للتعديل في ضوء ميزان القوى الراهن. هذا الستاتيكو مرشح للبقاء في المدى المنظور وبالقياس الى وسائل القتال المستخدمة واللاعبين الاساسيين في الصراع

يملي ما سبق تسليط الضوء على مساري الحرب والسلم واحتمالاتها في الافق المنظور.

لقد وصلت الحرب على اليمن الى حدود عسكرية بات من الصعب تجاوزها اذ تمكن الحوثيون من الدفاع عن الحديدة وتهامة عموما امام كل الحشود العسكرية التي جمعها السعوديون مع الاماراتيين لإسقاط المدينة التي تعتبر محطة اساسية على طريق حصار وسقوط  صنعاء، ناهيك عن ابعاد الحوثيين عن باب المندب.

وكانت الحرب بين الطرفين قد استقرت في تعز على خطوط ثابتة ايضا لأسباب معقدة، بينها ان المدينة تعد معقلا للأخوان المسلمين الذين يتمتعون بتسامح السعودية وليس بثقتها المطلقة ولا يريد الإماراتيون ذكرا لهم .اما لجهة الحدود السعودية اليمنية، فقد حقق الحوثيون انتصاراً مدوياً على المجموعات اليمنية المقاتلة على تلك الحدود مع السعوديين وقد عرضت قناة “المسيرة” اليمنية التي تبث من بيروت صوراً لآلاف المعتقلين الذين استسلموا دون قتال يذكر وبذلك يكون من الصعب على المملكة حصار صنعاء عبر حدودها مع حجة او صعدة فهذه المنطقة هي المعقل التأسيسي لانصار الله الذين دافعوا عنها ببسالة وما زالوا يبرهنون على اصرارهم على الموت دفاعا عن قراهم وبلداتهم.

لقد إستخدمت السعودية كل الاسلحة الحديثة وكل الخبرات الغربية في هذه الحرب دون التمكن من تغيير خطوط القتال التي استقرت بعد سقوط معظم المناطق الجنوبية صيف العام 2015 بيد التحالف السعودي. وبقي المجال الجوي عنصر السيطرة المطلق للتحالف السعودي في الحرب الا انه بدأ يتراجع مع احراز الحوثيين هجمات جوية داخل الاراضي السعودية وابرزها ضرب ارامكو عملاق النفط السعودي وتهديد معظم مطارات المملكة ومواقعها الاستراتيجية ناهيك عن عمليات قنص للطيران السعودي المسير، فضلا عن اسقاط طائرة حربية من طراز “تورنيدو” البريطانية الصنع في الايام الاخيرة بصاروخ ارض جو في سماء منطقة الجوف.

ان خطوط القتال السعودية – اليمنية في الحرب غير قابلة للتعديل في ضوء ميزان القوى الراهن. هذا الستاتيكو مرشح للبقاء في المدى المنظور وبالقياس الى وسائل القتال المستخدمة واللاعبين الاساسيين في الصراع. ولعل استقرار القتال عند هذه الحدود، يسمح للسعوديين بإعادة تجميع انصارهم في الجنوب اليمني مع شرعية عبد ربه منصور هادي، وان تم لهم ذلك، فانهم يدخلون الى طاولة مفاوضات انهاء الحرب مع الورقة الجنوبية. لقد دخلوا الحرب مع يمن موحد وهم اليوم يحافظون على ستاتيكو مع ورقة جنوبية قوية يراهنون من خلالها على ان تكون لهم الكلمة الفاصلة في مصير الدولة اليمنية لما بعد الحرب.

اما عن الافق السياسي لهذه الحرب التي تسببت بمجازر يمنية غير مسبوقة وبأعمال قتل بالسلاح والمرض والجوع، فهو غير مرشح لفرص حل مرتقبة او لمساومة بين الطرفين. ويبدو ان الامر سيكون اكثر تعقيدا بعد دخول ايران العلني على خط الحرب، وبالتالي استقبالها سفيرا مقيما للحوثيين، ودعمهم علنا في المحافل الدولية، وتنظيم لقاءات بينهم وبين ممثلين اوروبيين في طهران كما حصل في الصيف الماضي. ولعل اختيار ابراهيم الديلمي عضو المكتب السياسي لانصار الله لهذه المهمة يتناسب مع خبرته المكتسبة في العلاقة مع حزب الله في لبنان. وقد شوهد مرارا في الصفوف الاولى في المهرجانات الخطابية التي يتحدث فيها الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله.

تبقى اشارة الى ان الطرفين المتصارعين كانا قد اتفقا من قبل على ان تخرج اليمن من الحرب نحو دولة اتحادية من اقليمين، بعد فشل نظام الاقاليم الستة الذي لم تتمكن الرياض من فرضه على اليمنيين لا بالمساومة قبل الحرب ولا بهزيمتهم بواسطة الحرب.

ان دولة اتحادية من اقليمين هو الحل المرسوم في الافق لليمن حتى الان، لكنه ليس مرشحا للتنفيذ. ذلك ان الحرب لم تلفظ انفاسها بعد، وقد لا تلفظ انفاسها في مدى قريب، كي يصبح بإمكان السعودية ان تخرج بنصف هزيمة من خلال دولة يمنية تتحكم بقسم اساسي منها، وان يخرج الحوثيون بنصف انتصار عبر تسلمهم حكم الشمال وتحولهم الى طرف اساسي في محور المقاومة الذي يتشكل في المنطقة.

 (*) باحث في الشؤون اليمنية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free