بوتين كفيل بإنزال أردوغان عن شجرة التصعيد في شمال سوريا

تشي المواقف الصادرة من موسكو وأنقرة بأن العلاقات الروسية -التركية تمر بأزمة حادة، ربطاً بتطورات الشمال السوري الأخيرة، وبأن الطرفين على بعد خطوة أو اثنتين من صدام عسكري، ومع ذلك فإن ثمة عوامل كثيرة تدفع باتجاه القول إننا أمام مشهد تصعيد من أجل التهدئة.

مع قرب انتهاء العد العكسي الذي حدده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لانسحاب الجيش السوري من محيط نقاط المراقبة التركية في شمال سوريا، بحلول نهاية شهر شباط/فبراير، تتكثف الاتصالات الدبلوماسية على خط انقرة – موسكو في ظل تصعيد كلامي متبادل يلامس مستوى التصعيد الذي شهدته العلاقات بين الطرفين مع بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا في العام 2015، ولا سيما بعد إسقاط الأتراك طائرة سوخوي 24 في خريف العام نفسه.

وبالرغم من تأكيد روسيا وتركيا، غداة الجولة الاخيرة للمشاورات الثنائية حول سوريا، على الالتزام المتبادل بالاتفاقيات القائمة، فإن المواقف الصادرة عن كل من الطرفين تشي بوجود أزمة كبيرة تثير المخاوف من تعقد المشهد في الشمال السوري على نحو دراماتيكي.

في انقرة، يواصل أردوغان التصعيد الخطابي الذي اتهم فيه روسيا بتوفير الدعم الكامل لـ”النظام الدموي” لبشار الأسد، وقد طالب علناً الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتماد سياسة أكثر تشدداً في الاتجاه السوري، محاولاً، في الوقت ذاته، الحصول على دعم حلف شمال الأطلسي في معركته السورية، وكل ذلك بالتوازي مع استمراره في إطلاق التهديدات لدمشق، في الوقت الذي يجاهر فيه الجيش التركي بييانات عسكرية تعلن عن “تحييد” عشرات الجنود السوريين.

في الجهة المقابلة، يبدو ان موسكو، التي ظلت ملتزمة بسياسة ضبط النفس في الملفات الشائكة مع تركيا، قد نفد صبرها، حيث بدأ الجيش الروسي يتهم صراحة انقرة، بتزويد الارهابيين في ادلب بالمعدات العسكرية وتوفير الغطاء المدفعي لبعض عملياتهم، في وقت تحدث السفير الروسي في تركيا أندريه يرخوف عن تهديدات أمنية يتلقاها،  على نحو يعيد الى الأذهان واقعة اغتيال سلفه أندريه كارلوف في كانون الأول/ديسمبر 2016.

ومع اشتداد الحرب الكلامية، ثمة من يرى أن الوضع الحالي في العلاقات الروسية-التركية يقترب مما كانت عليه الحال في نهاية عام 2015، عندما انهارت العلاقات الثنائية حين اسقطت القوات التركية مقاتلة السوخوي عند الحدود مع سوريا، ما ادى الى مقتل الطيار أوليغ بيشكوف.

لكن ثمة اختلافاً اساسياً واحداً بين ما يجري اليوم وازمة العام 2015، وهو أن تركيا وروسيا باتتا مرتبطتين بمشاريع استراتيجية مشتركة، لا سيما في مجالي الغاز والطاقة النووية، فضلاً عن الاتفاقات العسكرية التي افضت الى حصول تركيا على منظومة “إس – 400” للدفاع الجوي، في صفقة أصر رجب طيب أردوغان على إتمامها مخاطراً بعلاقاته مع الولايات المتحدة.

انطلاقاً من ذلك، ثمة في موسكو من ينظر إلى التحركات الاخيرة لأردوغان باعتبارها أحد أشكال “المفاوضات على الطريقة الشرقية” القائمة على المبالغة في التصعيد قدر الإمكان للوصول في نهاية المطاف إلى “صفقة ما”.

ولم يعد خافياً أن الرئيس التركي يحاول اليوم من خلال التصعيد في الملف السوري أن يواجه تحديات المعارضة الداخلية المتصاعدة، والتي بدأت تحاصره منذ فترة، وذلك عبر تبنيه خطابا متشددا في السياسة الخارجية، يسعى من خلاله إلى الحفاظ على صورة “الرجل القوي” الذي لا يخاف من دونالد ترامب أو فلاديمير بوتين، والذي لا يقبل بالتحدث إلى الآخرين إلا من موقع قوة.

بذلك يحاول أردوغان مرة اخرى تجديد خطاب عثماني الهوى يحاول من خلاله تحقيق طموحات تركيا بأن تصبح قوة إقليمية عظمى يمكنها الحصول على دعم حلف شمال الأطلسي في مغامرته في شمال سوريا، أو الحصول على مكاسب استراتيجية في إدلب التي استثمر فيها على مدار سنوات الحرب السورية لتصبح نقطة ارتكاز للنفوذ التركي في سوريا في حال نجاح التسوية السياسية للأزمة، أو حتى الضغط في السياسة لاستعادة حلم انقلب وهماً في حلب، التي لا تزال في اللاوعي التركي مُلكاً خاصاً لامبراطورية زائلة كانت فيها المدينة السورية ثاني أكبر مدن السلطنة العثمانية بعد القسطنطينية.

كافة الاطراف تتعامل مع “مهلة شباط” الاردوغانية باعتبارها مجرد قنبلة صوتية لا يمكن أن تُحدث مفعولاً مباشراً في الميدان، فالتهديد بغزو عسكري واسع النطاق لسوريا دونه عقبات كثيرة

لكن حين تتحول الأقوال إلى الأفعال، سيتضح أن أردوغان بعيد كل البعد عن التحكم الكامل بمجريات الصراع في الشمال السوري. يبدو ذلك جلياً في تجاهل الجيش السوري لـ”انذار نهاية شباط/فبراير”، ومضيه قدماً في اتمام كل المهمات الممهدة لمعركة إدلب، فضلاً عن الانجازات الأخرى التي تحققت خلال اليومين الماضيين على المحور الآخر من الجبهة، بعد استعادة السيطرة على طوق حلب وصولاً إلى إعادة تشغيل مطار حلب.

انطلاقاً من ذلك، يبدو أن كافة الاطراف تتعامل مع “مهلة شباط” الاردوغانية باعتبارها مجرد قنبلة صوتية لا يمكن أن تُحدث مفعولاً مباشراً في الميدان، فالتهديد بغزو عسكري واسع النطاق لسوريا دونه عقبات كثيرة.

أولى تلك العقبات، أن الشعب التركي، ولا سيما الجزء المعارض منه، سيشكل عامل كبح جدي هذه المرة في مواجهة رئيس مأزوم يسعى لكسب نقاط داخلية بمغامرة خارجية.

ثاني العقبات يتمثل في ان ثمة قناعة راسخة أن بشار الاسد لن يتراجع أمام التهديد التركي، وبأنه سيقاتل حتى النهاية في حال اختار  أردوغان المضي قدماً في التصعيد العسكري.

وأما ثالث العقبات، فهو حلف شمال الاطلسي الذي لا يبدو متحمساً لأن يقدم لأردوغان أكثر من دعم معنوي، لا بل أن بعض الدول الاطلسية، بما في ذلك الولايات المتحدة، قد تجد في المأزق الحالي فرصة لتسوية حساباتها مع اردوغان نتيجة خياراته السابقة بالابتعاد عن المحور الغربي والتقارب الاستراتيجي مع روسيا.

يمكن ان نفترض، امام واقع كهذا، أن هامش المناورة الذي يحاول اردوغان الاستفادة منه الى اقصى حد ليس بالاتساع الكافي لدفع العلاقات مع روسيا الى المستوى الذي كانت عليه في أزمة العام 2015، ولذلك فقد يجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً للاعتراف بواقع أن لا ملاذ له سوى فلاديمير بوتين، سواء لتحقيق مكاسب معينة في سوريا أو ربما للخروج من المأزق الذي يمكن أن يولّده التصعيد التركي الاخير.

ولا شك في أن اردوغان يدرك جيداً بأن باب الخروج من الأزمات مع روسيا يبقى مفتوحاً في كل الحالات – إذا لم يحدث تطور دراماتيكي غير محسوب على شاكلة اسقاط طائرة روسية أو مقتل عسكريين روس بقصف تركي – فهو على ثقة بأن العلاقات الروسية – التركية مهمة للكرملين بما فيه الكفاية، على الرغم من انخفاضها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.

ثمة حاجة روسية الى المواءمة بين مصالح دمشق وانقرة كأساس لتسوية يفترض ان يتم اخراجها بشكل اتفاقية جديدة تحفظ ماء وجه الجميع، ولا سيما أردوغان الذي ذهب بعيداً في تهديداته، وصار لزاماً عليه أن ينزل سريعاً عن شجرة التصعيد

وعلى الأرجح فإن التحرك الاردوغاني يبقى محكوماً بالرغبة المشتركة بين تركيا وروسيا بعدم دفع العلاقات الثنائية الى حافة الهاوية، خصوصاً في ظل الأزمة الإقتصادية التي تواجهها تركيا، الأمر الذي يجعلها تعول كثيراً على مردود العلاقات الدافئة مع روسيا، علما أن إجمالي الاتفاقيات الاقتصادية الروسية ـ التركية لم يتجاوز سقف الـ 14 مليار دولار، ويقدّر الجانبان أن يصل إلى سقف المئة مليار دولار في العام 2030، فضلا عن أن الليرة التركية لا تحتمل أية هزات في هذه المرحلة، كما أن السياحة التركية عانت كثيرا في أعقاب أزمة العام 2015، بين أنقرة وموسكو.

كل هذه المعطيات السياسية والإقتصادية، تجعل الحل في الشمال السوري روسياً بامتياز، وهي حقيقة يمكن لتركيا أن تتجاوزها،  ولكنها تبقى محكومة بحقيقة اخرى لا يمكن لروسيا أن تنكرها وهي أن الحل نفسه لا يمكن أن يتم من دون التوافق مع الأتراك.

ويبدو أن الموقف الروسي يقوم على الموازنة بين الإدراك الواضح لنقاط الضعف التركية من جهة، والمخاطر المترتبة على الحاق الهزيمة بـ”الصديق” التركي من جهة ثانية، والرغبة في عدم تحول الوضع في سوريا الى صراع واسع النطاق من جهة ثالثة.

على هذا الأساس، قد يتعين على كل من تركيا وسوريا وروسيا التعامل مع الحقائق الجديدة: بالنسبة الى اردوغان ثمة حاجة الى الاعتراف بأن المغامرات العسكرية دونها عواقب كارثية في ظل وجود غطاء روسي ثابت للقيادة السورية؛ وبالنسبة الأسد، ثمة حاجة إلى الإقرار باستحالة تحقيق السيطرة الكاملة على الأرض عسكرياً من دون تفاهمات مباشرة او غير مباشرة مع تركيا؛ واما بالنسبة الى روسيا، فثمة حاجة الى المواءمة بين مصالح دمشق وانقرة كأساس لتسوية يفترض ان يتم اخراجها بشكل اتفاقية جديدة تحفظ ماء وجه الجميع، ولا سيما أردوغان الذي ذهب بعيداً في تهديداته، وصار لزاماً عليه أن ينزل سريعاً عن شجرة التصعيد.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course