البرهان وحميدتي: مواجهة مؤجلة

تدرك الطبقة السياسية في السودان أن لقاء رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، هذا الشهر، في عنتيبي (أوغندا)، لن يكون له أي تأثير في قضايا السودان الملحة حالياً، مثلما لن يكون له أي تأثير إيجابي مفيد لصالح إسرائيل سوى الكسب السياسي السريع الذي يأمل نتنياهو الحصول عليه داخل الليكود وتعزيز شعبيته بالحصول على المزيد من دعم اليمين في انتخابات الكنيست في شهر آذار/مارس المقبل. سعادة غامرة أبداها نتنياهو والإعلام الإسرائيلي بلقاء الرئيس السوداني (الفعلي) مقابل فتور رسمي سوداني وتجاهل شعبي من المواطنين ما يكشف أن العلاقات مع الدولة العبرية (وهي علاقات باهتة وقائمة على أي حال على صعد مختلفة منذ عقود) لا تحتل أي حيز في قائمة الأولويات هنا.

تريد إسرائيل، بشكل أساسي، مساعدة السودان في استعادة بضعة آلاف من اللاجئين الأفارقة الذين يقيمون بشكل غير شرعي فيها، تحت زعم انهم سودانيون يعانون ويلات الحرب في بلادهم، ويبحثون عن دفء السلام في بلد هو في حالة حرب معلنة مع جيرانه، منذ تأسيسه قبل ما يقارب السبعة عقود.

لدى المخابرات السودانية منذ سنوات قسم ذي موارد مالية جيدة يعتني بقضية السودانيين المقيمين في إسرائيل، وكثيراً ما يتم التحري عنهم، بوسائل مختلفة، تتراوح ما بين اللطف الشديد والاستقبال الحسن غير الرسمي للحصول على أكبر قدر من المعلومات، سواء عبر الحكي الحر، أو الإعتقال والتعامل القاسي في أحيان أخرى.

ويعاني السودانيون المقيمون في إسرائيل من متاعب شديدة والكثيرون منهم يرغبون في العودة، لكنهم يخشون من تعامل السلطات والمجتمع، فيما لا يملك اللاجئون الإثيوبيون والإرتريون خيارات جيدة ترغبهم في العودة إلى السودان، حيث كانوا يعيشون قبل مغامرة السفر الى إسرائيل.

نجحت إسرائيل بعد تطبيع علاقاتها مع جمهورية جنوب السودان في تحقيق هدفها الرئيسي من العلاقة الرسمية، بإعادة مواطني الجنوب الى جوبا، وهو ما تحقق بشكل كبير عقب صدور حكم قضائي في العام 2012 بنزع صفة طالب اللجوء من أي لاجئ من جنوب السودان، وموافقة الرئيس سلفاكير ميارديت على استقبالهم مقابل مكاسب، غير معلن عنها بطبيعة الحال، لكن يشاع على نطاق واسع في أوساط المراقبين أنها كانت فرصاً للتدريب العسكري والتسليح.

***

لا تريد إسرائيل الآن من لقائها مع الجنرال البرهان سوى التكسب الإعلامي من اللقاء، بإعتبار أنه اختراق جديد في بلد تميل كفة السياسة فيه الى اليمين، تحت سطوة من الشعارات العروبية والإسلاموية، وإضافة لإختراقاتها في القارة الأفريقية، وهي اختراقات أثبتت التجربة أنها بلا جدوى أو مكاسب على الصعيد السياسي أو التجاري.

نجحت إسرائيل في الإقتراب خلال العقدين الماضيين من عدد من الدول الأفريقية مثل إرتريا التي انهارت الصداقة الناشئة معها بعد مساندة الدولة العبرية لإثيوبيا خلال حرب الأعوام 1998-2000 الطاحنة بين البلدين، إضافة الى الإستقلالية الكبيرة التي يتمتع بها نظام حكم الرئيس إسياس أفورقي والتي تجعل من الصعب على السياسة الخارجية الإسرائيلية المحدودة الدوافع (في تصفية القضية الفلسطينية) أن تكسبها إلى جانبها.

لا تريد إسرائيل الآن من لقائها مع الجنرال البرهان سوى التكسب الإعلامي

***

وحول التطبيع مع تشاد البلد ذي الغالبية المسلمة والأثر الثقافي العربي الكبير ، فقد قام الرئيس إدريس ديبي بزيارة غير مسبوقة للدولة العبرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 لأسباب متعلقة بسحب البساط من المعارضة، التي يقودها تحالف من القبائل العربية المناهضة لقبيلة الرئيس (الزغاوة) والتي يعيش الآلاف من أنصارها المحتملين في إسرائيل نفسها، تحت ستار لاجئين سودانيين.

يحكم ديبي بلاده بحزمة دقيقة من التحالفات القبلية، والعلاقات الدولية المعقدة مع فرنسا والولايات المتحدة، ويسيطر على مفاصل مهمة من العمل الدبلوماسي للاتحاد الأفريقي الذي يتولى رئاسة مفوضيته حليفه المقرب ومدير مكتبه السابق موسى فكي محمد بدعم عربي خليجي سافر جاء عبر السودان. من الصعب جداً على الرئيس ديبي الإقتراب بشكل كبير من إسرائيل، وفيما عدا تلك الزيارة وما تحقق من تحييد لأطراف أخرى من مناوئيه كانت تريد لعب البطاقة الإسرائيلية في الصراع الدائر على السلطة هناك، فإن أي خطوات إضافية لتدفئة العلاقات مع تل أبيب قد تنعكس عليه سلباً.

يتمتع الرئيس ديبي ومخابراته بحضور واسع في المشهد السوداني، ولا يستبعد أن يكون قد لعب دوراً في دفع الجنرال عبدالفتاح البرهان للعب البطاقة الإسرائيلية لأسباب عدة هامة بالنسبة لمصالح النظام التشادي، الذي يتوجس من تزايد نفوذ القبائل العربية في إقليم دارفور في السلطة في الخرطوم من خلال قوات الدعم السريع، القوة العسكرية الضاربة والتي كان لها دور حاسم في إسقاط نظام الدكتاتور السابق عمر البشير والتي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي نفذ شق الإنقلاب العسكري من عملية الثورة يوم 11 نيسان/أبريل 2019 وقام بعدة عمليات لإعادة تشكيل المجلس العسكري الحاكم عبر استخدام تحالفات سرية وضغوط علنية لعدد من الإقالات داخل الجيش السوداني، ثم فرض نفسه نائباً لرئيس مجلس السيادة دون قرار رسمي أو توافق بين جنرالات المؤسسات العسكرية وحلفائها في القوى المدنية.

***

هنا مربط الفرس! يشكل نفوذ الفريق حميدتي الطارئ في الساحة السياسية والحديث نسبياً في الساحة العسكرية إضافة جديدة في معطيات قراءة الأحوال في السودان. يقود الفريق حميدتي جيشاً ضخماً من المشاة ذوي الانتماءات القبلية المرتبطة بفرع قبيلته (الرزيقات) وتحالفاتهم في مناطق غرب السودان والحزام الأفريقي جنوب الصحراء. وقد سيطرت قواته على مناطق دارفور بعد هزيمتها لتمرد قبائل الفور والزغاوة وتدميرهم لقوات الشيخ موسى هلال (من قبيلة الرزيقات أيضاً) والذي كان – قبل سجنه ـ يسيطر على مناطق واسعة من دارفور بمعاونة الحكومة ويستأثر بمناطق إنتاج الذهب الرابحة في الإقليم، وارتبط بعلاقة مصاهرة مع الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي تزوج من ابنته أماني ضمن تكتيكاته البارعة للسيطرة على مناطق المناورة خارج حدود بلاده والتي يمكن لخصومه التحرك منها.

يشكل نفوذ الفريق حميدتي الطارئ في الساحة السياسية والحديث نسبياً في الساحة العسكرية إضافة جديدة في معطيات قراءة الأحوال في السودان

إعتمد الفريق حميدتي على منهج جديد ومختلف عن أمراء الحرب في دارفور، فقد قاد قواته منذ إعادة تأسيسها ضمن جهاز الأمن والمخابرات على طريقة حديثة تخالف نهج المليشيات القبلية، وزاد من جرعات التدريب العسكري والمهارات القتالية والفنية، ونال رضا الجهاز الحكومي الرسمي ومواطني ولايات نهر النيل والشمالية والجزيرة والعاصمة الخرطوم، وهي الولايات التي يسيطر أبناؤها لعوامل تاريخية وثقافية وعرقية على المشهد العام في السودان سياسة، ومالاً، ونفوذاً، وحضوراً. فتح حميدتي قواته لإستيعاب ضباط من هذه الولايات وسيطروا على مفاصل مهمة داخل هذه القوا، ما زاد من اطمئنان القوات المسلحة التقليدية التي لم تر فيها منافساً بل رأت فيها ظهيراً جيداً لعملياتها، وساهم وجود العدد الكبير من الضباط المنتدبين منها أو من جهاز الأمن والمخابرات على وضعها تحت نظر استخبارات الرئيس المعزول البشير، الذي كان يطمئن لحميدتي ويعتمد عليه في كثير من المهام ذات الطبيعة الخاصة والإستراتيجية مثل مشاركة السودان في حرب اليمن حيث كانت قوات الدعم السريع هي الغالبة في المشاركة فيها، وصار الإنتساب لتلك القوات محط أحلام الكثير من الشباب والمغامرين الذين قعدت بهم ظروف الفقر والبطالة وعدم التعليم عن الحصول على فرص أفضل.

كانت المشاركة في حرب اليمن تكفل للشباب الصغار إن نجوا من محرقتها العودة الى السودان، وبدء حياة مدنية جديدة وناجحة بمدخرات الرواتب التي يقوم بدفعها التحالف. ساهمت المشاركة في هذه الحرب والتسهيلات التي منحتها دول الخليج بموافقة الرئيس المعزول البشير أو دون موافقته إلى تحويل الفريق حميدتي إلى أحد أثرى السودانيين، إن لم يكن الأثرى على الإطلاق، وصارت الشركات المرتبطة بقواته والميزانيات المخصصة لقواته خارج الهيكل التقليدي للحكومة، اللاعب الرئيسي في الاقتصاد السوداني المحدود والضعيف والمنهك بفساد العائلات الثرية والحكام.

السودان وجيرانه

***

جاءت الفرصة الثانية لتأكيد حضور قوات الدعم السريع حين تم تكليفها من قبل الرئيس البشير بمهام تنفيذ ما عرف بـ(عملية الخرطوم) والتي حملت تعريفاً مضللاً كعادة الأنشطة الغربية في افريقيا، بإعتبارها مبادرة للتعاون  السياسي والتنموي الأوروبي مع دول القرن الأفريقي، لكنها تهدف في حقيقة الأمر إلى قيام حكومة السودان بالمهام الشرطية المعنية بمكافحة الهجرة الى أوروبا، بمقابل مالي يأتي تحت ستار الدعم والتعاون التنموي. ساهمت ذلك التكليف في إعادة تقديم قوات الدعم السريع كقوات وطنية تقوم بمهام قومية خارج إقليم دارفور، تحظى بدعم واعتراف الإتحاد الأوروبي، وهو ما قاد إلى تذمر كبير في أوساط المنظمات الطوعية والإنسانية وتلك المعنية بحقوق الإنسان.

عقب سقوط نظام البشير وبالإستناد الى الدور الكبير الذي لعبته قوات الدعم السريع في السيطرة على مداخل ومخارج العاصمة الخرطوم، وقيامها بتأمين المنشآت الإستراتيجية من عسكرية ومدنية، لم يضع الفريق حميدتي وقتاً لتعزيز قاعدته العسكرية عبر زيادة جرعات التدريب، وتشكيل قوات النخبة الخاصة والإستعداد لتشكيل قوات الأسلحة الثقيلة والمدرعة، فيما تشير تقارير غير مؤكدة عن قيامه بتدريب مجموعة من قواته على مهام الطيران والهندسة الجوية. وقام حميدتي بزيارات لمؤسسات عسكرية خارج قواته مثل جهاز المخابرات ووحدات من الجيش لكن يبدو أن تلك الزيارات (وهي زيارات استكشافية) قد كشفت أن تلك الوحدات لا تدين له بكثير من الولاء وأنها على استعداد لتجاهل التراتبية العسكرية والدخول في مجادلات معه.

***

في غضون ذلك، زادت وتيرة تذمر الكثير من ضباط الجيش وجهاز الأمن والمخابرات، الذي أعيد تشكيله على عجل وتمت تسميته بجهاز المخابرات العامة، إيذاناً بتحويله إلى جهاز لجمع وتحليل المعلومات، وتحويل قواه الأمنية ومهامها إلى الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة. لم يمر هذا العمل بسهولة رضوخاً لضغوط الضباط وبقي يراوح مكانه مما ساهم في نفاد صبر حميدتي، الذي كان يؤمل في تفكيك هذه القوة مما كان سيرفع مساهمته في احتكار القوة وآلية العنف الرسمي، وربما استقطب جنود تلك الهيئة ذوي التدريب العالي إلى قواته.

وفي إطار الصراع غير المعلن بين الأجهزة النظامية، استيقظت الخرطوم منتصف كانون الثاني/يناير الماضي على دوي إطلاق نار في مناطق مختلفة من العاصمة وأعلن رسمياً أنه تمرد لقوات هيئة العمليات، التي كانت تابعة لجهاز الأمن والمخابرات وتم حلها في تموز/يوليو من العام الماضي، وعلم المراقبون أن هذه القوات لم يتم حلها وأنها لا تزال تتحصن بمقارها وتقوم بمهامها وتحمل أسلحتها برغم إعلان حلها قبل أكثر من ستة أشهر.

على الفور، عقد الفريق حميدتي مؤتمراً صحافياً عاجلاً في جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان لتحقيق مكاسب وتسجيل نقاط كعادته، عبر وسائل الإعلام، هاجم فيه بشكل مباشر مدير جهاز المخابرات الفريق أبوبكر دمبلاب (وهو صديق للقائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة الفريق البرهان)، كما هاجم المدير العام السابق للجهاز صلاح قوش الذي يقم في المنفى حالياً في مصر وهاجم جهاز المخابرات العامة متهماً إياه بأن يضم عناصر تدين بالولاء للمدير السابق.

الفريقان حميدتي ودمبلاب

أعرب الكثير من المراقبين وضباط الجيش والمخابرات عن استياءهم من تصريحات حميدتي لكونه تناول قضايا شديدة المحلية من الخارج، في وقت كان ينبغي عليه الحضور للخرطوم خاصة وأنه قائد للقوة التي تتولى مهام الحماية وتأمين المنشآت والحدود بشكل فعلي في أغلب عواصم الولايات في البلاد.

كانت تصريحاته المهينة لمدير المخابرات العامة، قراراً لا مناص منه بإقالته إذ لا يمكن له الإستمرار في أداء وظيفته بعد التقريع العلني الذي ناله من رئيسه غير المباشر عبر وسائل الإعلام، لكن يبدو أن دمبلاب لن يذهب إلى الظل بسهولة إذ ترشحه بعض الدوائر لتولي منصب سفير السودان بالقاهرة، وهي أهم وأكبر سفارة سودانية في الخارج.  في غضون ذلك، قام رئيس مجلس السيادة بشكل منفرد بتعيين مدير جديد ونائب له لجهاز المخابرات من أقرب خلصائه من الجيش، وذلك استرشاداً بالنهج المصري الذي يبقي على منصب المدير العام للمخابرات العامة في يد الجيش، وهو ما يعني استبعاد حميدتي بشكل حاسم من التأثير فيه.

***

تتداول مجالس الخرطوم أيضاً أن تمرد قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات لم يكن تمرداً حقيقياً، بل كان مناورة للتغطية على عملية إعادة انتشار واسعة للجيش في العاصمة الخرطوم، وهو ما لم يكن متاحاً في الظروف العادية إذ كان سيثير حفيظة قوات الدعم السريع التي كانت تتمركز حول تلك المواقع، لكن تم تغييرها بواسطة الجيش بذريعة أنه يقوم بعملية لحسم تمرد القوات الأمنية. انتهت عملية إعادة الإنتشار بسرعة ودون ضحايا في الأرواح أو الممتلكات (وهو أمر صار مثار دهشة المراقبين الأجانب)، ثم جاءت الخطوة الثانية من جهاز المخابرات العامة بالإبقاء على هيئة العمليات وتسليحها، وهي قوة ضاربة حسنة التدريب يتجاوز حركيوها في الميدان الـ 12 ألف مقاتل ينتمون في أغلبهم إلى قبائل الوسط العربية التي ينتمي إليها رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان.

هكذا خسر الفريق حميدتي معركة جديدة لكنه بالطبع لم يخسر معركة السيطرة على السلطة كلها ولا يزال يقاتل وإن بمعنويات أقل وكلفة أكثر.

تتداول مجالس الخرطوم أيضاً أن تمرد قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات لم يكن تمرداً حقيقياً، بل كان مناورة للتغطية على عملية إعادة انتشار واسعة للجيش في العاصمة

***

عقب سقوط نظام البشير، انطلقت أيضاً حملة غير معلنة للتجنيد في صفوف قوات الدعم السريع من القبائل، لكن هذه الحملة واجهتها الكثير من المصاعب حيث بادرت إرتريا بإعلان رفضها عبر الوسائل الدبلوماسية لتجنيد القبائل المشتركة بينها وبين السودان (البني عامر والحباب) وتسليحها بحكم أن تلك القبائل تناوئ النظام الحاكم في ارتريا، وان تسليحها قد يشكل خطراً مباشراً على أمنها القومي.

وفي إطار رفضها لنشاط حميدتي على الحدود، دعا الرئيس الإرتري إسياس أفورقي عدداً من زعماء قبيلة (الهدندوة) السودانية والتي لها امتدادات في بلاده إلى مهرجان عسكري ضخم وأجلسهم في المنصة الرئيسية كضيوف شرف، ولبس زيهم التقليدي ثم التقى أعداداً منهم في مناسبات مختلفة، وكانت الرسالة فصيحة وواضحة أن أوقفوا تجنيد قبائلي وتسليحهم وإلا رددت عليكم بالمثل!

أيضاً لم تبدأ عمليات التجنيد في أوساط قبائل (العبابدة والبشاريين) الذين يقيمون في إقليم حلايب المتنازع عليه بين مصر والسودان برغم التواجد المستمر لقوات الدعم السريع هناك ولعل الفريق حميدتي لا يريد استفزاز الجارة الكبرى في الشمال والتي كان لافتاً للإنتباه أنها لم تقم بتوجيه الدعوة إليه لزيارتها حتى الآن ولم يهتم مسؤولوها الزائرين بلقائه.

***

في الجانب المدني، سارع الفريق حميدتي أيضاً وفور سقوط النظام إلى تأسيس قاعدة شعبية تحقق له مشروعية سياسية يتطلع إليها، فأقام المؤتمرات والتقى زعماء القبائل والقادة التقليديين واستخدم أدوات المال (المفضلة لدى زعماء القبائل) إضافة الى مزاياه الشخصية كبدوي وسليل عشيرة لها نفوذها في استمالة الكثير من هذه القيادات، وانطلقت مجالس المدينة بالحكايات عن حصول عدد من الزعماء على سيارات دفع رباعي وحراسات شخصية وعشرات الآلاف من الدولارات.

وفي الإطار ذاته، ولأسباب تختص بتركيزه على تقديم نفسه للاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي باعتباره لاعباُ إقليمياً مهماً وحليفاً في صناعة السلام بالمنطقة، أبدى حميدتي إهتماماً زائداً بملف السلام في جمهورية جنوب السودان حيث ظل يرعى التفاوض المباشر بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه السابق وزعيم المعارضة حالياً الدكتور رياك مشار، الذي ظل يعتمد في حركته وتأمينه على مرافقة حميدتي في الطائرة ذاتها والعودة معه. وفيما يمكن تسميته بـ(سلام الشغار) إذا استعرنا مفردات الفقه الإسلامي حيث يقوم الرئيس سلفاكير برعاية مفاوضات للسلام بين حميدتي ممثلاً لحكومة السودان وساسة معارضين، لكن اللافت للنظر هو أن الفصائل المعارضة التي تفاوض حميدتي وتوقع معه الاتفاقيات هي فصائل غير حقيقية، ولافتات من غير جماهير يقودها ساسة ليس لهم حضور حقيقي في الشارع السياسي وأغلبهم أفراد تم طردهم من قواهم السياسية الرئيسية مما يثير السؤال: هل يفكر حميدتي في صناعة السلام لكنه يبحث في المكان الخطأ؟ أم أنه يحاول صناعة تحالف سياسي عريض يكون ظهيراً سياسياً لقواته العسكرية التي ستتحالف في الغالب مع قوات الفريق في (حرب الشغار) في المستقبل لمساندة كل منهما الآخر إذا تعرضت سلطته للخطر في بلاده؟

***

أثارت اتفاقيات السلام التي عرفت بسلام المسارات والتي ظل حميدتي يوقعها في جوبا سخرية المراقبين السياسيين والصحفيين السودانيين وفي وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف مثقف وقيادي معروف في الحركة الشعبية لتحرير السودان (أقوى فصيل عسكري متمرد بقيادة عبدالعزيز الحلو في جبال النوبة) توقيع حميدتي لإتفاق مع مجموعة عقار المطرودة من حركته (أي حركة الحلو) بأنها توقيع مع حركة أونلاين، وأعلن الدكتور محمد جلال هاشم ما يعرفه الجميع من أن هذه الحركة لا تتجاوز بضعة أفراد يصدرون البيانات على الفيسبوك وقد انشق أحدهم مؤخراً وحصل على وظيفة نائب مدير شركة حكومية كثمن لذلك.

***

من الواضح أن ضغوط ضباط الجيش والمخابرات العامة والشرطة بالإضافة إلى رجال الأعمال وبعض السفراء الغربيين، الذين ما زالوا يتخوفون من التعامل المباشر مع حميدتي وقوات الدعم السريع، كلها تصب في صالح تقوية مركز الفريق البرهان في السلطة.

تواجه قوات الدعم السريع رفضاً كبيراً من القوى الغربية التي تخشى من ضغوط اليسار والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان من التي تتهم تلك القوات بممارسة انتهاكات وجرائم حرب في دارفور وفي فض الإعتصام بالعاصمة الخرطوم في ختام شهر رمضان الفائت، ويحاول حميدتي التعاطي مع ذلك عبر الظهور المتكرر في وسائل الإعلام الغربية، وضخ ملايين الدولارات في خزائن وحسابات شركات العلاقات العامة الغربية ومن بينها شركة ديكنز آند مادسون الكندية التي يديرها ضابط الموساد السابق آري بن مناشي، والتي تناولت الصحف حصولها على عقد بقيمة ستة ملايين دولار لتجميل صورة حميدتي.

أري بن ميناشي

على صعيد متصل، استقطب حميدتي العديد من العناصر التي كانت معادية له في الوسط الصحفي والسياسي، إضافة الى قيامه بالضغط من أجل تعيين مستشار حركة كفاية الأميركية عمر قمر الدين إسماعيل في منصب وزير الدولة للخارجية، وهو الذي شارك في حملات إعلامية ضخمة ضد حميدتي وتمكينه من ملف العلاقات مع الغرب.  لكن إلى أي مدى سينجح مؤلف تقرير (بعث الجنجويد: جيش مجرمي الحرب الجديد في السودان الجديد) في تحسين صورة المؤسسة التي طالما اجتهد في تشويهها طوال العقد ونصف الماضي، وهل سيكون بوسعه النظر في أعين من انتقدها لهم ووصمها بالعار وهو يقدم لهم حيثياته الجديدة؟

ضغوط ضباط الجيش والمخابرات العامة والشرطة بالإضافة إلى رجال الأعمال وبعض السفراء الغربيين تصب في صالح تقوية مركز الفريق البرهان في السلطة.

***

يثير حميدتي اهتمام المراقبين في الداخل والخارج بسبب تحركاته المتصلة وتشبيكه الواسع في ملفات عديدة، بينها السلام والإقتصاد والإستثمار الأجنبي والأمن وحراسة الحدود والإعلام والعلاقات الخارجية، ويتساءل البعض عما إذا كان الرجل غير راض عن مشاركته الحالية في هرم السلطة باعتباره ثاني أقوى رجل في البلاد وإنه يتطلع إلى الصعود قليلاً ليصبح الحاكم، أم أنه مفعم بالحماس للعمل والإنجاز وتحقيق المجد؟

عمر قمرالدين مصافحاً حميدتي

من الواضح أنه سواء رضي بمقعد الرجل الثاني أم لم يرض، فإن الظرف الحالي غير موات للصعود إلى منصب الرئيس على غرار ما حدث في رواندا مثلاً قبل عقدين حيث رضي الرجل القوي باول كاغامي (المنتمي إلى أقلية التوتسي) بمنصب نائب الرئيس لفترة من الزمن قام فيها بالعمل تحت إمرة الرئيس باستور بيزيمونغو (المنتمي إلى أغلبية الهوتو) لكنه أعاد هيكلة الدولة وتوجهاتها، وقوات الدفاع والأمن ثم تخلص بسهولة من الرئيس. قد تصلح هذه الوصفة إذا اطلع حميدتي على التجربة الرواندية واستعاد اطمئنان قادة الجيش والقبائل النيلية العربية ذات الكلمة الفصل في البلاد.

بيزيمونغو وكاغامي قبل المواجهة

يقود حميدتي جيشاً كبيراً لكن يمكن وصفه في السودان بـ(جيش الفزعة)، وهو مجموعة من المقاتلين تحتشد لأجل هدف محدد بأجل معلوم لكنهم ليسوا على استعداد للبقاء كعسكريين نظاميين لأجل طويل من أجل حراسة طموحات قائدهم، وفيما تتراجع مشاركة تلك القوات في حرب اليمن وهي المصدر الرئيسي لتمويل تلك القوات، فإن أمر احتفاظ حميدتي بتلك القوات على غرار الحرس الوطني السعودي في السابق أمر ليس متوقعاً في بلد فقير مثل السودان. إذا طال أمد احتفاظ حميدتي بجيشه لفترة طويلة دون نشاط عمليات، فإن احتمالات هروب الجنود، أو تفلتهم، أو انخراطهم في أعمال تمرد هو الإحتمال الأكثر ترجيحاً، وهو ما سيسمح لقوات الجيش، وهيئة عمليات الأمن والمخابرات بالإنقضاض عليهم في معركة يعمل الجميع على تأجيل وقوعها حتى الآن.

***

من الواضح أن التعديلات التي جرت في الخرطوم خلال الشهر المنقضي منذ تمرد  قوات هيئة العمليات الذي تناولناه آنفاً، وضعف صدى اتفاقيات السلام المتعددة والتي ما برح حميدتي يوقعها مع التنظيمات السياسية المعارضة، والتي يصنعها في مختبره في جوبا، وتجاهله في التشاور بشأن لقاء رئيس مجلس السيادة البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ثم قيام رئيس الوزراء عبدالله حمدوك منفرداً، هو الآخر، بكتابة رسالة إلى الأمم المتحدة يطالب فيها بتشكيل بعثة لدعم السلام في كافة الأراضي السودانية وفق الفصل السادس من ميثاق المنظمة، مقروءة مع تردي الأوضاع المعيشية، قد جعلت الرجل يشعر بأن الأرض ليست ثابتة بما يكفي تحت قدميه. لجأ حميدتي – كعادته – إلى الإعلام حيث أجرت معه فضائية سودانية 24 حواراً كان واضحاً أنه قد تم ترتيبه لتوفير منصة علاقات عامة تتيح للضيف الكبير بث رسائله الملغزة والمكشوفة أكثر منه حواراً صحفياً مهنياً لخدمة المشاهد والرأي العام.

حميدتي بين حراسه في المطار

قد تصلح الكتابة عن تحليل لقاء  حميدتي التلفزيوني في سياق آخر، لكن الخلاصة أن الشراكة بين الجيش والأمن والشرطة من جهة، والدعم السريع، والقوى السياسية المعروفة باسم تحالف الحرية والتغيير، إضافة الى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الممثل غير الرسمي لمنظومة الدول الغربية والمنظمات الأممية والقارية، من جهة ثانية، ليست بحالة جيدة وإن على حميدتي إعادة النظر في خياراته بشكل أكثر حكمة وموسوعية والإستعانة بتجارب أفضل من تلك التي تتوفر لديه الآن وإلا فإن حظوظه لن تكون جيدة في هيكل السلطة، وأن توفرت له بعض حظوظ هائلة في صناعة تمرد جديد وفي المعارضة، لكن هل  يرغب رجل يمتلك ما يزيد عن المليار دولار في التمرد والإقامة في الجبال والوديان من جديد؟

محمد عثمان ابراهيم

كاتب وصحفي سوداني

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course