موت مبارك.. خروج آمن أخير

ببيان من رئاسة الجمهورية، وقرار رسمي بجنازة عسكرية شاركت فيها وفود من مختلف الدول العربية والأجنبية، جاءت ردود الفعل الرسمية المتوقعة لموت الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عن عمر ناهز الـ92 عام، ليحظى بما لم يحظ به أقرانه من الحكام المُعمرين في الحكم: موت هادئ وسط عائلته وفي بلده، دونما نفي أو مطاردة، أو ما هو أسوأ مثلما حدث مع معمر القذافي أو علي عبدالله صالح.

الطيار المقاتل قائد سلاح الطيران إبان حرب 1973، الذي كان أفق أحلامه أن يكون سفيراً لبلاده بعد التقاعد، حظي بكل شيء تقريباً إلا إجماع المصريين على موقف موحد منه، وذلك بالرغم من محاولته طيلة سنوات حكمه الثلاثين أن يخلقه بنماذج مختلفة متداخلة تجمع ما بين الأب والقائد والعراب والزعيم.

إطاحته في العام 2011 وما حدث بعدها له ولعائلته، وضعته أمام فرص عدة لخروج آمن لم يكن كثير من أقرانه على درجة من حسن الحظ لأن يحظوا به، حتى وإن أتى هذا الخروج بضمانة عدم العودة الى الحكم، ملخصها إدانته في قضية فساد القصور الرئاسية فقط كي لا يستطيع هو أو أبناؤه ممارسة العمل السياسي، وليس كحساب عن ثلاثة عقود من الإفساد والإفقار المتعمد للمصريين بوتيرة رآها من خلفه أنها كانت بطيئة وتم تسويفها مراراً وتكراراً خلال سنوات حكمه الطويلة.

في حديث مطوّل معه عشية انتخابات العام 2005 الرئاسية، ذكر مبارك أن طموحه بعد حرب 1973 لم يكن ليتجاوز المعتاد لولا الرئيس الأسبق، أنور السادات، الذي فتح أمامه أفقاً جديداً يتجاوز طموح موظف الدولة المحدود، عبر منصب خالي الدسم هو نائب الرئيس، ثمنته وزادت من أهميته لحظة اغتيال السادات الاستثنائية، لتجعل مبارك أمام أمر واقع وهو أنه أصبح رئيساً لمصر في وضع استثنائي مُحمّل بالفرص والاحتمالات والمخاطر، تم تمطيطه إلى أقصى حد، فكان لهذا التمطيط انعكاساته على سياساته المختلفة في الداخل والخارج ليجري تقديمه، مع مرور الوقت كوضع عادي، عبر إطالة أمده بقوانين وتعديلات دستورية منحته كل السُلطات بداعي الطوارئ، فنجح بمرور الوقت، مع تغوّل شهوة السلطة واكتساب خبرة الحكم واستثمار الأوضاع الداخلية والإقليمية، في خلق دور وظيفي يناسب طموح الموظف بداخله ولكن بمقاس وحجم رئيس جمهورية مصر العربية.

الملمح الأبرز لعهد مبارك وشخصه طيلة سنوات حكمه وحياته العملية، هو محاولاته التمايز عن أبناء جيله بمختلف تنويعاتهم، والعسكريين منهم على وجه الخصوص، وبشكل أكبر عن سلَفيه جمال عبد الناصر وأنور السادات، ثم في مرحلة لاحقة عن حكام المنطقة الذين عاصرهم. لتكون هذه المحاولات هي المكون الأهم لشكل وصورة أداء مبارك السياسي، حتى وإن لم ينعكس هذا بشكل جوهري على ادائه الداخلي والخارجي  الذي لم يكن متميزاً ولا متفرداً في الأوقات الحرجة في مصر والمنطقة، بل كان على درجة شديدة من البطئ والروتينية والاعتياد بحجة الاستقرار الذي أمسى تكلساً وركوداً في العقد الأخير من عهده.

ما سبق تحقق، وبشروط وإمكانات لم يحظَ بها أسلافه وربما حتى من خلفوه على الأقل من ناحية جلوسه لسنوات طويلة على كرسي السلطة وحيداً ومتفرداً وجامعاً لكل السلطات، مع غطاء إجماع شكلي ومعارضة مصنوعة، جعلته يحقق تمايزاً عن أقرانه من حكام الدول العربية المعاصرين له، بما يليق بدوره الوظيفي بالنسبة إلى الولايات المتحدة كـ”عراب للسلام”، وتُجمل سلطته الديكتاتورية الناعمة بثوب أبوي يجعل العديد من المصريين الآن، بما في ذلك أولئك الذين ثاروا ضده في العام 2011، يترحمون على أيامه لأسباب غالبيتها تنطلق من مدى سوء الأحوال الاقتصادية والمعيشية التي بالمقارنة بسنين فساد عهده، التي تحولت الى نوستالجيا لزمن مستقر جميل!

ويبدو أن هذا الاستثناء طويل الأمد أتى من عوامل داخلية وخارجية كثيرة، ولكن مبارك نسبها حصراً إلى “طباعه الشخصية” وكأنها منجزه الشخصي تماماً، ومن هنا يأتي تفاخره، في مختلف مراحل تطور شخصيته ورئاسته، خلال الأحاديث الخاصة أو العامة، بصفات مثل العناد بشكل يقارب الغلاظة والبلادة وخاصة منذ مطلع الألفين، حيث ازدادت عزلته بسبب عوامل عديدة لم تقتصر على تقدمه في السن، وازداد معها تأخره في استيعاب المتغيرات الداخلية والخارجية بدافع من نزق ونرجسية أن لا شيء يحدث خارج الحدود التي رسمها والأطر التي بناها طيلة سنوات حكمه وتفرده بالسلطة، عبر حصار أية فرصة لغدٍ لا يكون هو صانعه والرقم الأهم فيه.

حصر مبارك كل الأدوار فيه: هو القائد العسكري والزعيم الوطني والرئيس الديموقراطي والأب الحكيم والموظف البيروقراطي ورجل الدولة والرمز العربي ورجل أميركا في المنطقة

بتتبع مراحل مبارك كرئيس لمصر، نجد أن مسعاه في الجمع بين التمايز عن أقرانه وأسلافه وبين حصد إجماع داخلي وخارجي، قد تمثل في تصدير نفسه كنموذج أفضل وأوحد لأدوار متعددة ومتداخلة سابقة الذكر، وأن سياساته وسلوكه ومنهجه على مختلف الأصعدة هما الحد الأقصى الذي لا بديل له، سواء على قاعدة ليس في الإمكان أبدع مما كان أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو المبدأ الذي تطور شكله في أواخر حكمه لدرجة التهديد ببقائه أو الفوضى، وجعل من مشروع توريث الحكم لابنه جمال بمثابة المصير المنطقي والحتمي، وهو الأمر الذي لم يحظ بتوافق وإجماع حتى داخل الطبقة الحاكمة في مصر، والتي ترى الفئة الأهم فيها، وهي المؤسسة العسكرية، أن منصب الرئيس حق أصيل لها لا ينبغي أن يتم التفريط فيه لأي شخص حتى ولو كان نجل الرئيس.

حصر مبارك كل الأدوار فيه: هو القائد العسكري والزعيم الوطني والرئيس الديموقراطي والأب الحكيم والموظف البيروقراطي ورجل الدولة والرمز العربي ورجل أميركا في المنطقة… إلى آخر تلك الأدوار والوظائف المتعددة التي قلصت المساحة والفارق بين شخصه المحدود ومصر كبلد، حيث دمُجت صورته في الوعي الجمعي للمصريين بأن مصر تعني مبارك، وهو بذلك تناسى أن هذه الصفات والأطر والحدود ليست من ابتكاره، ولكنه حافظ عليها وجعلها أكثر قبولاً بالترغيب والترهيب وتفصيل الدستور والقانون بعقلية الموظف البيروقراطي وليس السياسي المرن المستوعب لمتغيرات الحاضر والمستقبل.

تغير هذا التصور عقب الإطاحة به بطبيعة الحال، خاصة مع انفلات قبح ومساوئ حكمه وفجاجة مناخ الفساد في أواخر عهده إلى أفق غير مسبوق، يتجاوز حتى الصورة التي رسمها خلال ثلاثة عقود في أذهان المصريين، ولكن مع حرص حالي على الإبقاء على حدود دُنيا من التبجيل والاحترام لدواعي الأقدمية والخدمة العسكرية، وكأن الإطاحة به وظهوره خلف قفص الاتهام وإدانته بتهمة مُخلة بالشرف حسب القانون المصري، أتت كتقريع وتقويم لانحرافه في سنوات حكمه الأخيرة عن النهج الذي رسمه بنفسه لنفسه، حيث طغيان طموح نجله وزوجته وشريحة رجال الأعمال بالاستئثار بالسلطة والثروة، وليس كهدم تام لنموذج الحاكم الذي نجح بمعايير طول فترة الحكم في خلق توازن هرمي بين أجنحة السلطة جوهره حكم الفرد وظاهره اوتوقراطية تداولية كان ينقصها فقط بوابة الخروج الآمن التي هدمتها ثورة يناير 2011.

شكل طموح الخروج الآمن الهاجس المحرك لمسار حياة حسني مبارك

شكل طموح الخروج الآمن الهاجس المحرك لمسار حياة حسني مبارك، ابتداءاً بطموح المنصب المدني أو الدبلوماسي بعد خروجه من الخدمة العسكرية، أو كنائب صوري دون صلاحيات للسادات، ثم بصفة رئيس لمدة أو مدتين بعد لحظة استثنائية نتجت عن اغتيال سلفه، ثم رئيس أبدي حتى الوفاة، ثم رئيس أسبق بخروج آمن في لحظة يناير الاستثنائية أيضاً، ومن ثم في محاكمته وإدانته بتهمة لا تمس تاريخه العسكري بل سلوكه السياسي، وصولاً إلى تشبثه ببوابة الخروج الآمن خلال شهور حياته الأخيرة، والتأكيد على أنه أبن للمؤسسة العسكرية في لقائه الأخير الذي ظهر فيه كعجوز مريض لا يستحق سوى الشفقة، متحدثاً عن حرب أكتوبر وانتمائه للجيش المصري باعتباره الإنجاز الأهم الذي تتقزم بجواره سنوات حكمه الثلاثين.

قد يكون ترقب وانتظار موت مبارك في العقد الأخير من حكمه أكثر الأفعال الجمعية درامية في حياة المصريين، بصفته المصير المحتوم والمجهول الذي تبدل بأمل يناير المجهض، ولكن الأكيد أن ترقب موت مبارك قد أصبح مادة للتندر والكوميديا السوداء بعد الإطاحة به، بل أن موته حالياً وبهذه الطريقة يعد بشكل أو بآخر نجاة من مصائر أسوأ قد أصابت سلفه وخلفه وأقرانه من حكام الدول العربية الذين أطاحت بهم موجة انتفاضات العام 2011 بين مقتول ومغدور ومنفي. وهو الأمر الأبرز حتى عند مقارنته مع التناقضات الظاهرية الجامعة بين الإدانة الرسمية والشعبية وفي نفس الوقت رثاءه والترحم عليه وعلى أيامه!

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
online free course