شهور عراقية ثقيلة.. على وقع الإحتدام الأميركي ـ الإيراني

منذ اغتيال الجنرال قاسم سليماني مطلع هذه السنة، إحتدمت المواجهة بين الأميركيين والإيرانيين. سياق كانت قد مهدت له اسرائيل بعمليات ضد سوريا والعراق. فهل نجحت واشنطن ومعها تل أبيب في وضع إيران وأذرعتها في المنطقة في خانة تكبيل الأيدي وردات الفعل، وهل يمكن اعتبار ما حدث ويحدث على أرض العراق، يومياً، بمثابة استكمال لمسار أميركي دشّنه إستهداف سليماني، وفي المقابل، جزءا من رد ايران الساعية لاخراج القوات الاميركية من العراق؟

أولاً: لم تتعاطٰ قوى المقاومة في العراق ولبنان مع الحراك الشعبي في كلا البلدين، إلا بوصفه محاولة لانتزاع ورقة سياسية رابحة قدمتها إليهم انتخابات العام 2018، في كل من العراق ولبنان، وكل ما تلا إستقالة حكومتي سعد الحريري في لبنان وعادل عبد المهدي في العراق جعل هذه القوى أكثر يقينا بما تعتقده “إستراتيجياً”، برغم كل المقاربات المضادة التي كانت تنظر إيجاباً إلى الحراك الشعبي هنا وهناك.

ثانياً: يشهد لبنان أزمة اقتصادية ومالية لا مثيل لها من قبل، ويجد العراق نفسه أيضاً، خاصة في ضوء الخفض الدراماتيكي لاسعار النفط متجهاً صوب أزمة اقتصادية ومالية كبرى. من شأن هذه الأزمة، هنا وهناك، ان تهدد البيئة الحاضنة للمقاومة في كل من العراق ولبنان، خاصة في ضوء تصاعد العقوبات الأميركية. وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنما على عدم تنبه هذه القوى بشكل جيد إلى العامل الاقتصادي وتأثيره على البنيان العام، وبالتالي صار لزاماً عليها أن تسعى إلى تقديم رؤية إقتصادية إستدراكية وعدم حصر إهتمامها بالعنوان السياسي ـ العسكري ـ الأمني (نموذج مقاربة الأمين العام لحزب الله لملف كورونا لبنانياً هو مثال يجب أن يقتدى به عراقياً).

ثالثاً: إن الرد الإيراني على عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس لم يكن متناسباً لا مع طبيعة الهدف ولا مع مناخات إعلامية وسياسية كانت تنبئ بأنّ الآتي ليس أقل من “حرب مفتوحة” ستتوج بخروج الأميركيين من المنطقة. جاءت الضربة الايرانية الإستراتيجية على قاعدة عين الأسد لتعطي زخماً معنوياً لـ”المحور”، وترفع معنوياته التي تزعزعت بعد الحراكين اللبناني والعراقي. لكن سرعان ما تعقد الموقف الداخلي في البلدين، ناهيك عن تعقد الوضع الداخلي الإيراني… هنا ظهرت أميركا وكأنها كسبت ورقة على أرض الواقع بعد اغتيال الجنرال سليماني، من دون أن يستطيع “المحور”.. “إيذاءها” بشكل جدي حتى الآن.

رابعاً: لا يزال الانقسام الشيعي – الشيعي في العراق عنوان ضعف هذا “المحور” على عكس الواقع الشيعي اللبناني المتماسك بفضل صيغة “الثنائية” التي يتمسك بها كل من حزب الله وأمل في لبنان. برز هذا الأمر مع تكليف محمد علاوي برئاسة الحكومة، بحيث إنقسم أهل البيت الشيعي العراقي بين داعم له مثل “الحشد” والسيد مقتدى الصدر وبين معارض له مثل آل الحكيم وحيدر العبادي ونوري المالكي، وهو إصطفاف يهدد لحمة قوى المقاومة في العراق، ويضعف موقفها في مواجهة الأميركيين، كما في لعبة التوازنات الداخلية العراقية.

رسالة الأميركيين واضحة للإيرانيين و”المحور”. كل إستهداف للمصالح الأميركية في العراق سيليه رد قاس وشديد وكبير.. وغير متوقع

خامساً: برز هذا الانقسام واضحا بعد الضربات الصاروخية التي إستهدفت معسكر التاجي مرتين خلال أقل من أسبوع واحد. استنكرت معظم الكتل السياسية العراقية هذه العملية ووصفتها بالارهابية، فيما باركتها قوى المقاومة الحليفة لإيران، واعتبرتها إنجازاً وتحقيقا لوعد خروج القوات الأجنبية من العراق. لكن الواقع العملي انعكس عدواناً اميركياً على قوات الحشد والقوات الامنية العراقية (شرطة وجيش) وبعض الأهداف المدنية، وتهديدا وصل إلى حد التنبيه من أن الأمور باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، ما يعني إصراراً أميركياً على البقاء في العراق.

سادساً: لا تزال أميركا تضغط سياسيا على ارض الواقع من خلال الورقتين الكردية والسنية تحديداً، اللتين كانتا من بين أبرز أسباب فشل علاوي وكذلك عرقلة إخراج القوات الاميركية بموجب قرار البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني/ يناير الماضي.

سابعاً: رسالة الأميركيين واضحة للإيرانيين و”المحور”. كل إستهداف للمصالح الأميركية في العراق سيليه رد قاس وشديد وكبير.. وغير متوقع. هذا ما حصل بعد قصف معسكر التاجي، وبالتالي، على “الأذرعة” أن تفكر جيداً قبل إستهداف الجنود أو المصالح الأميركية.. لأن الرد الأميركي حتمي وقد يتجاوز المألوف، بمعنى إستهداف قيادات عراقية كبيرة.

ثامناً: لقد أسهمت إيران فعلاً باخراج الجيش الأميركي من العراق باستهداف الدوريات والارتال والقواعد التكتيكية من خلال التنسيق مع فصائل سنية وشيعية، على مدى ثماني سنوات من عمر الاحتلال الاميركي، اضطرت بعدها الولايات المتحدة للانسحاب، وكانت عبارة لن ننسحب من العراق بمثابة لازمة يرددها الرئيس جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول ولفوفتز، ثم حدث الانسحاب، ولذلك، ووفق حكم الامثال، في ما يجوز وفي ما لا يجوز، الأمر واحد، اي انك ان امتنعت عن فعل شيء ثم فعلته فمن الوارد انك إذا امتنعت مرة اخرى.. ان تعود لفعله مرة ثانية، علما أن الولايات المتحدة ستحاول إستثمار الضربات لتعزز بذلك حججها لعدم الإنسحاب من العراق..

لكأن زمن الإشغال الإستراتيجي قد إنتهى.. وثمة قواعد إشتباك تُصنع في الميدان وتضع المنطقة على عتبة إحتمالات جديدة لم تكن موجودة في حسبان اللاعبين الإقليميين والدوليين

هل ثمة مقاربة إيرانية مختلفة؟

إن سياسة الاحتواء الاميركي لإيران بدأت في زمن الرئيس بيل كلنتون في تسعينيات القرن الماضي واستمرت مع بوش الابن ولكن باجراءات اخف وبمحاولة تكبيل للايدي والأذرع. ما يحدث منذ مطلع العام 2020 هو احتدام في المواجهة. سبق ان اغتال الإسرائيليون في لبنان الأمين العام السابق لحزب الله السيد عباس الموسوي وقبله الشيخ راغب حرب ومن بعدهما القيادي الكبير عماد مغنية ثم القيادي حسان اللقيس. بطبيعة الحال، قد تحدث هذه الاغتيالات فراغا مؤقتا بل وهزات إرتدادية شديدة الوقع، لكن التجارب اثبتت انها كانت عاملا في زيادة الحذر وتنامي الشراسة وإتخاذ إجراءات تكفل أن لا يقدم أو يؤخر الأشخاص في سيرة هذا النوع من التنظيمات والأحزاب.

“الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاميركي في العراق بدأت بالتاكيد تلاقي وستلاقي الاجوبة المناسبة من العراقيين. من الحكومة العراقية. البرلمان العراقي. الشعب العراقي”. بهذه الجملة ختم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خطابه ليل الجمعة الماضي. لعل قيمة هذه العبارة المقتضبة أنها تصدر عن رجل يلم بتفاصيل المشهد العراقي ويدرك أننا أمام شهور عراقية صعبة وثقيلة ومتفجرة.. حتى يحين موعد الإنتخابات الرئاسية الأميركية.

لكأن زمن الإشغال الإستراتيجي قد إنتهى.. وثمة قواعد إشتباك تُصنع في الميدان وتضع المنطقة على عتبة إحتمالات جديدة لم تكن موجودة في حسبان اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course