لبنان بين كورونا والبطالة.. دولة “سيري فعين الله ترعاك”

يدور أبو أحمد في سيارته منذ السابعة والنصف صباحاً. الطرقات فارغة. المحال والمطاعم مغلقة. الرياح تعصف بما تبقى من ضجيج المدينة. بيروت لم تعتد هذا النمط الطارىء. سجن كبير بشرفات عديدة. أبو أحمد "ينقّب" عن زبائنه، عسىاه يجد مضطراً للخروج من بيته لقضاء حاجة ما، لكنّه، وبعد جولات عدة في سيارة الأجرة، يعود إلى بيته خالي الوفاض. يتوقف قرب دكان اعتاد أن يستدين منه، مضيفاً كارتونة بيض وربطة خبز إلى لائحة طويلة، ممازحاً صاحب الدكان بقوله:"سجّل أنا عربيّ".

يخجل أبو أحمد من لقاء أطفاله الذين ضاقت بهم جدران منزلهم البيروتي بعد عطلة مدرسية لا تُعرف نهايتها، مقرّراً العودة إلى ضيعته، لعل الأرض التي تركها طمعاً في رزق بيروت، تُكرِمَه من جديد، فيزرع ويأكل من “حاكورة” منزله المهجورة، وينتظر من الله فرجاً قريباً.

حالُ أبي أحمد هو حالُ كثيرين من عمّال المطاعم والمحال التجارية و”المولات” والمدّرسين بعقود مؤقّتة والعاملين المستقلين، بالإضافة إلى أصحاب المهن من بنّائين وحدادين ونجارين يؤرقهم المستقبل، فيعيشون يوماً بيوم.

عملياً، ساءت أحوال معيشة الكثيرين من اللبنانيين منذ خمسة أشهر. جاءتهم “الضربة القاضية”، مع اجراءات الحماية من فيروس كورونا، يقول محمد الجمال وهو “معلّم بناء” ترك ألمانيا وعاد إلى لبنان:”الأحوال لم تعد تُحتمل هنا”. ينتظر محمد جهوزية المستندات المطلوبة للعودة مجدداً إلى الخارج.

عندما بدأت الأزمة الاقتصادية تضيّق الخناق على رقاب اللبنانيين، تأثرت معظم الشركات، ومنها شركة صغيرة أنشأها وليد في قريته اللبنانية لبيع وتركيب الزجاج والألمنيوم، وذلك بعد أعوام قضاها في الغربة. كلفة التأسيس والتشغيل فاقت مدخول الأشهر الستة من عمرها، ولم يبق أمامه سوى إعلان افلاسها والعودة إلى هولندا، لكنّها عودة مثقلةٌ بهموم مختلفة، تتعلق بقبول أولاده في الجامعة وإتقانهم للغة الجنسية الأوروبية التي يحملونها، فضلا عن توفير التأمين الصحي بأسعار مخفضة، وأمور أخرى، جعلته يتحسّر وينتظر قائلا: “منذ شهرين وعملي شبه متوقف. حالياً، أعيل أسرتي من ثمن قطعة أرض بعتها مؤخراً. مع كورونا، هل يمكن الاستمرار بهذه الطريقة”؟

سؤال وليد بلا جواب، وكما يقول المثل اللبناني، هذا الرجل “لا معلّق ولا مطلق”. أما يوسف الشاب العشريني، فما أن فَرِح بوظيفة بعد تخرّجه مباشرة، حتى عاكسه الحظ. بعد بدء الاحتجاجات الشعبية بوقت قصير، قرّرت الشركة التي يعمل فيها إغلاق فرعها في سنّ الفيل وتسريح عمّالها مع تعويض مالي لا يسدّد قيمة شهر واحد من القرض المصرفي الذي أخذه مسبقاً، وهو اليوم حبيس منزله يبحث عن فرصة أخرى تُعفيه من مرارة الهجرة التي أصبحت رهينة شروط لا تُعدّ ولا تحصى.

في بعض بلدان العالم، سواء الأول أو الثاني أو الثالث، بادرت الحكومات إلى تحمل مسؤولياتها إزاء فئات إجتماعية غير قادرة على تحمل أعباء البطالة الإلزامية في “زمن كورونا”. فهل يعوّل اللبنانيون على دعم حكومتهم، وهي التي تحتاج إلى دعم لا تجده؟

كورونا عدوّ اليوم منع الناس من التلاقي. زرع الخوف من الآخر وشرّع الباب أمام وسائل افتراضية أصبحت ملجأ وحيداً للتفريغ عن آهاتهم وهمومهم. عدوهم يطلب منهم أن يكونوا “إنعزاليين”، بكل معنى الكلمة!

تبدو خيارات اللبنانيين محدودة وليس أمامهم سوى الصمود. صمود اعتادوه من كثرة الحروب والأزمات التي عايشوها أو عاشوها، قبل أن ينهضوا من جديد.

عدّوهم اليوم مختلف. عدوٌ لا يواجه بالأسلحة المعتادة. عدوٌ لا يواجه جماعياً بل فردياً. ما زالت ريتا تتذكر أيام الملاجئ (الحرب الأهلية)، يوم كان الجيران يجتمعون في بيت واحد أو ملجأ واحد تحت الأرض. أكثر من ثلاثين شخصاً يواسون بعضهم. يحضنون الخوف معاً ويتقاسمون لقمة العيش معاً. يغلقون آذانهم أمام أصوات القذائف ويضحكون معاً عندما تنتهي. كورونا عدوّ اليوم منع الناس من التلاقي. زرع الخوف من الآخر وشرّع الباب أمام وسائل افتراضية أصبحت ملجأ وحيداً للتفريغ عن آهاتهم وهمومهم. عدوهم يطلب منهم أن يكونوا “إنعزاليين”، بكل معنى الكلمة!

“خليك بالبيت” هو شعار الأيام الحالكة التي يشهدها لبنان. “خليك بالبيت” وأكثر من نصف اللبنانيين هم أصلاً في البيت، لا يملكون قوت يومهم، ولا يمكن تأكيد هذا الواقع بأرقام أو دراسات. “خليك بالبيت” وأسعار السلع الأساسية ترتفع من دون قيود أو رقابة. “خليك بالبيت” والدواء صار رفاهية لا يمكن الحصول عليها، “خليك بالبيت”، لكن “إلى متى وقد فقدنا نصف الراتب”، تقول “سمر”، الاستاذة في احدى المدارس الخاصة، وهي التي تُعيل أسرتها بعد أن أغلق والدها مصنع الأحذية الذي كان سند العائلة الوحيد، أما “أحمد” الذي لم يكمل تعليمه الابتدائي بسبب ظروف عائلته المادية التي أجبرته على العمل باكراً، فقد خُيّر من صاحب الملحمة التي يعمل فيها، في الضاحية الجنوبية، بين راتب اسبوعي بقيمة 75 ألف ليرة لبنانية فقط، أو ترك العمل، وبالتأكيد رضخ للأمر الواقع!

حتى في القارة الواحدة لا تعامل موحداً مع الأزمة. إيطاليا أقرت رزمة إجتماعية متكاملة. في المقابل، لا خطة فرنسية رسمية للتعامل مع أزمة وباء كورونا، حسب الصحافية الفرنسية اللبنانية ندى عطاالله، لكنها أشارت إلى أنه ستكون هناك اجراءات دعم وخصوصاً أنّ الحكومة الفرنسية قد أنشأت صندوق طوارىء لدعم الشركات الثقافية والترفيهية بعد الهجمات الإرهابية التي حدثت في باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، حيث خصصت ميزانية بقيمة 7 ملايين يورو للتغلّب على الصعوبات الاقتصاديّة وتحسين ظروف عملهم، مؤكدة أنّ الوضع الآن أصعب حيث الغيت كل المناسبات الثقافية والترفيهية التي كانت مقرّرة، وبالتالي خسارة الكثير من الأموال للشركات والعاملين المستقلين، ووفقاً لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية (http://bit.ly/2xHdsU7)  يتم تعويض العمال المستقلين كالموسيقيين والفنانيين وغيرهم والذين أُلغيت عقود عملهم بسبب الكورونا بما يُقارب 52 يورو يومياً.، لكنّ الوضع أسهل بالنسبة للموظفين كما تقول عطالله :”حيث أن القانون الفرنسي المتعلق بالبطالة التقنية ” Chomage Technique” يؤمّن ما قيمته 84% من صافي الراتب لمن توقف عن عمله من خلال تقديم الشركة طلباً إلى وزارة العمل لتستجيب لهذا الطلب في غضون 48 ساعة وهذا القانون ينطبق على العمال في القطاعين العام والخاص”.

المحامي علي غصن: وباء كورونا قد يشكل ذريعة لأصحاب العمل للانسحاب من العقود الموقعة مع العمال في ظل الأعباء الاقتصادية التي تمرّ بها الشركات الخاصة في لبنان

أما في لبنان، حيث أعلنت رسمياً، اليوم (الأحد)، التعبئة العامة (بدل حالة الطوارىء)، فمن لا يملك قوت يومه لن يستطيع مكافحة مرض استعصى على حكومات ودول، فضلا عن قانون العمل اللبناني الذي لا يفصّل هذه الحالات بل يجمعها تحت عنوان الظروف القاهرة، حيث يحقّ لصاحب العمل فسخ العقد في حال تعذّر على الأجير القيام بعمله لأسباب خارج إرادته من دون توضيح طرق التعويض عليه، “لأن الشركات ليست خيرية والهدف منها هو تحقيق الأرباح ولذلك لا يمكن الإستمرار بدفع الرواتب في حال لم تتحقق شروط عقد العمل”، كما يقول المحامي والأستاذ الجامعي علي غصن، فيما تفّصل الباحثة في قانون العمل بيلاندا الشامي أن عقود العمل تختلف بحسب مدتها الزمنية وما يُعرف بعقود المقاولة أو العمل على الساعة، هي العقود الأكثر سلبية بالنسبة لحقوق العمّال، لأنها تقتضي انتاج ما مقابل ثمن ما، أما بالنسبة للعقود محدّدة المدة، فإن تعليق العمل، في حالة الظروف القاهرة كالحروب والوباء واستحالة تنفيذ العمل، تسمح لصاحب العمل بفسخ العقد، وهذا ما يؤكّده المحامي غصن، معتبراً أن وباء كورونا قد يشكل ذريعة لأصحاب العمل للانسحاب من العقود الموقعة مع العمال والموظفين في ظل الأعباء الاقتصادية التي تمرّ بها الشركات الخاصة في لبنان.

في لبنان، لا خطط حكومية واضحة حتى الآن للتعامل مع تداعيات فيروس كورونا، ولا مبادرات جدية من القطاع الخاص، ولا سيما المصارف، في هذه اللحظة الإنسانية التاريخية، فيما يدفع المواطن الثمن من صحته وجيبه الذي فَرُغَ تماماً بعد أشهر من الأزمات السياسية والإقتصادية والمالية وتدهور سعر العملة الوطنية (ناهيك عن الحجز الإلزامي على ودائع اللبنانيين). ولولا بعض التكافل الاجتماعي بين الناس وأصحاب المحلات الصغيرة، لكانت المجاعة تفتك بالكثير من العائلات التي اعتادت أن تئنّ بصمت.

ثمة صمت يخيّم على المدن والقرى والبلدات اللبنانية، فيما يتردد صدى مُكبّرات الصوت ووسائل التواصل الإجتماعي والنداءات التلفزيونية والإذاعية الداعية إلى حظر التجمعات إلا للضرورة القصوى، في انتظار انحسار كابوس كورونا.

يقول المثل “درهم وقاية خير من قنطار علاج”. في حالة اللبنانيين، الدرهم مفقود والعلاج محدود. إنها دولة “سيري.. فعين الله ترعاك”.

(*) استاذة الصحافة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى(ifpo )

مايا ياغي

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free