الإنفجار العنصري.. الطريق إلى الجحيم  
MINNEAPOLIS, MINNESOTA - MAY 31: A demonstrator is arressted during a protest against police brutality and the death of George Floyd, on May 31, 2020 in Minneapolis, Minnesota. Protests continue to be held in cities throughout the country over the death of George Floyd, a black man who died while in police custody in Minneapolis on May 25. (Photo by Scott Olson/Getty Images)

كيف نعيشُ مَعاً؟  ثبُت أن لا جواب، حتى الآن. الإنسانية، بكل فلسفاتها وأديانها وعقائدها وأنظمتها، لم تجترح جواباً عن هذا السؤال؟

ظلّ الإنسان يقاس بلا إنسانيته. بلونه، بدينه، بمذهبه، بإثنيته، بتاريخه، بعرقه، بمكانته الإجتماعية والاقتصادية، بقوميته. ظل هذا الجهل مؤلماً ومجرماً، لأنه كبّد الإنسانية حروباً والغاءً واقصاءً. ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة الأميركية، من عنف عنصري ليس فريداً أو مفاجئاً. فالعنف، يكشف هنا وهناك وأينما كان، عن الوجه الحقيقي لصراع “طبقات” اقتصادي، والصراعات لا تمت الى التمييز الطبقي بصلة، بل إلى ذلك الإنكار وذاك الاحتقار الذي تكنه “ثقافات”. تحتضن أصولاً وعادات وتقاليد وإيمانات وأشكالاً وأعراقاً، ذلك أن مقياس “الإنسانية” ليس واحداً. فهناك قيم تسبغ على مجتمعات وأعراق و… فتحظى بإنتسابها إلى الحضارة، فيما تنوء، داخل هذه المجتمعات وخارجها بالتمييز الدائم، مهما كانت اللغة الأنيقة، لاغية ومخفية للتمايز والتمييز.

ظنت عقول كثيرة معاصرة، أن العولمة بنت الحداثة، قد إختصرت وألغت الفروقات كلها والقيم “البائدة” كلها، مؤذنة بإنطلاق ثقافة، أو بالأحرى “لا ثقافة”، غير مبالية بالتمايز.

العالم اليوم في أوج العولمة، خسر معركته الإنسانية تماماً. إننا لا نعيش في عصر الأنوار المجيد، بل في عصر الإنحطاط والنكوص.
لنعد إلى البداية: سادت التفاؤلية مع إرهاصات حضور ثقافة “كلية” تحتضن قيماً جديدةً: حقوق الإنسان، الحريات الشخصية والسياسية، والثقافة الجامعية، والديموقراطية. العولمة تعاطت مع هذه الحقوق كسلع قابلة للتصدير أو الكساد أو الإجحاف. العولمة سوق تصطدم فيه المصالح ومطامع الأسواق وجنوحات الأعلام، إضافة إلى التبشير الدائم بالسلع. هذه العولمة السائدة قادت ثقافة الأنوار إلى الإضمحلال. لقد ماتت ثقافات لأنها دُمّرت بوسائل العولمة الكاسحة.

والثقافة في العالم، ثقافات، لها  خصوصيتها المزمنة، وهذه تعصى على الإمحاء. وإذا ما تعرضت لإعتداء، في ظرف ما، لجأت في الدفاع عن نفسها بالإستقواء، بمبدأ الهوية والإنتماء. مع التأكيد، على أن العولمة، نقيض لمبدأ الهوية، الذي يعني التميز عن الآخر بالثقافة، أو الدين، أو الطائفة، أو بالمذهب، أو بالعنصر، أو باللون، أو بالأرومة، أو بالأصل، أو بالتاريخ. لا وجود، في هذه الدنيا،  قادر على محو الهوية، بصيغها المختلفة. العولمة أنزلت هذه الإنتماءات إلى درجة الصفر، عبر إعلانها مبدأ المنفعة والربح واللذة والبحبوحة ، أو عبر ربط هذه الجماعات المتعددة بالأسواق التي تتدفق عبرها سلع تصلح لكل الهويات.

العولمة، دمرت كل قيمة ثقافية لشعوب وأمم. وتم تعطيل هذه القيم، من دون أن تلغيها. وللتدقيق في هذا الشأن، نراجع ما آلت اليه قيمة حقوق الإنسان مثلاً، أو للديموقراطية أيضاً. لقد نكبت هذه القيم باجتياحات العولمة، بالعنف دائماً. والعنف ليس حرباً بل بفعل إبادة كل خصوصية، من دون بلوغ حقها في التمتع بمنتجات الحداثة وثقافتها. “إن عولمة التبادل تضع حداً لكلية القيم”، وفق ما استنتجه جان بودريار. إنه انتصار الفكر الأوحد على الفكر الكلي. فالعولمة هي أولاً سوق، لا ثقافة. اختلاط ما يتم تبادله من بضائع، وركض لاهث خلف المال، من أجل المزيد منه، ما يشكل بالطبيعة، آلية فرز طبقي مذهلة، فعدد البالغي الثراء، قليل ونادر جدا، إذا قيس  بأعداد المليارات التي تعيش تحت خط الفقر والبؤس. وهذه لا ملجأ لها، سوى التمسك بماضيها وثقافتها وأصولها وأديانها، لأنها البديل عن الكفاية الإقتصادية. الهوية لا تشبع جائعاً، ولكنها تجعله يعيش في توازن مع ثقافته ومعتقداته. غير آبه بما تدره شبكات الإعلام، من أكاذيب جميلة.

لقد تعولمت كل “القيم الحداثية”. صارت شيئاً. باتت سلعة يروج لها، من دون تجذرها في الواقع السياسي والإجتماعي. الديموقراطية وحقوق الإنسان وكرامة الفرد، أصبحت جزءاً من السلع التي تشبه رؤوس الأموال أو أنابيب النفط. والغريب، أنه كلما اتسعت رقعة الأسواق في القارات كلها، كلما ترافق ذلك مع تفكك المجتمعات والمتحدات. العولمة تجمع المال والسلع، لكنها تفرق بين مغانم المركز الأصلي للسلع، وبين من يراها ولا يمتلكها. فأين هي الديموقراطية اليوم، في الدول المظلومة، بل أينها في الدول الظالمة. إن ربط الشبكات في ما بينها عالمياً يترافق حتماً مع تفكيك البشرية إلى جزيئياتها. بيد أن السمة الأساسية للعولمة هي إستبعاد من لا حظ له، وتهميش من كان يتمتع بحظ الفتات.

وداعاً للثقافات المنفتحة. وداعاً لمبادىء الثورة الفرنسية، ووداعاً لمواثيق الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. لقد إستعاد المال سلطته المطلقة، وبات العالم جزءاً من دكتاتورية العنف

إن الإنسانية إذا نظرت إلى وجهها بالمرآة، تبدو وكأنها خليط مشوش من أفكار نبيلة ووقائع في غاية الشر. الكلمات لم تعد تنفع. العقل يتراجع. الإيمان والعقائد القديمة، تتقدم، وصورة الإنسانية تشي بأن العنف، هو المنتج الوحيد الذي يضاهي منتجات العولمة السوقية. لقد إنتصرت العولمة، عاثت في الدنيا فساداً. لقد ألغت كل الفروقات وكل القيم، مؤذنة بانطلاق “لا ثقافة” غير مبالية كلياً بالتمايز. والعنف دائم وشامل وعام. فهناك العنف العسكري والحربي،  الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وشقيقاتها في معسكر العولمة، والعنف الذي يقوم بـ”التدمير الهادىء”. والتدمير الهادىء، جيني، تواصلي. وهو عنف التسوية والتعايش المفروض مثل جراحة تجميلية للوجه الإجتماعي. عنف الشفافية والوداعة الذي يهدف عبر الوقاية والإنتظام النفسي والإعلامي إلى القضاء بقوة على جذور الشر وعلى كل تطرف. عنف نظام يحاصر أية خصوصية. انه الموت بذاته، لأننا ممنوعون من السلبية وممنوعون من الموت. عنف يمنع عنا المناعة. إنه عنف التذويب وفرض التجانس. ولكن هذه المقامرة أدت بكل سيئاتها، إلى ما هو أسوأ، بحيث أصبح العنف المادي، الذي يتقصد الأجساد والكيانات، موازياً للعنف الصامت الذي يسقط كل ما هو جميل وقيم، وينزله إلى مرتبة الأخطاء، ويعبر عن ذلك بفردانية قاتلة، أو بالعودة إلى ثقافة القطيع المدمرة.

الإرهاب في جزء منه هو نتيجة العولمة المتوحشة، التي لا تكف عن استعمال القوة أينما كان، من لبنان إلى أفغانستان إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا وإيران وأميركا الجنوبية، وأوروبا التي تنزاح إلى اليمين المتطرف الذي هو مرآة واضحة، لإنزياحات العالم كله، بإستثناء طبقة المليون ثري، إلى مطالب عنصرية وطائفية وعرقية.

إن قوة السوق العالمية خلقت ما لا يطاق من سياسات، عبر عنها ببلاغة ووضوح دونالد ترامب. لقد رسم وجه العولمة الحقيقي. المال هو الإله، ولا إله إلا هو. ولتكن الثقافة السائدة إلى جانبه، هي ثقافة النبذ والإقصاء والاستبعاد التي تولد في دونيتها عنفاً وعنصرية وما لا يقبل.

إن العالم يتقدم مع العولمة إلى موته السيء. لا موت جميلاً بعد اليوم.

أما بعد… وداعاً للثقافات المنفتحة. وداعاً لمبادىء الثورة الفرنسية، ووداعاً لمواثيق الحرية والعدالة وحقوق الإنسان. لقد إستعاد المال سلطته المطلقة، وبات العالم جزءاً من دكتاتورية العنف.

إنما السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، لماذا هذا هكذا؟ لماذا بلغت هذه العولمة هذه الشراسة؟ وهل بإمكان الإنسان أن ينجو من فعل الإلغاء المبرم؟

لا خلاص للبشرية عبر عودتها إلى أصولها. إن الحرية التي فقدها الإنسان المعاصر، أعادته إلى التمسك بأهداب الهوية. والهوية هويات في كل مجتمع وفي كل دولة. لا وجود لتجانس تام في أصل الهوية في أي مجتمع اليوم. حتى في الدول القوية والمستقوية.

يقف مبدأ الحرية كحائط صد في وجه الهويات الأصلية. الحرية فتحت الباب أمام مجموعات إثنية وعرقية وطبقية و… لتنتقل من رابط الماضي إلى روابط المجتمع الحديث. كانت الحضارة تنزع إلى تغيير الإنسان عبر نقله من ثقافته البدئية، الدينية والعنصرية والقومية الخ… ليدخل إلى ميدان الحرية. لكن هذه النقلة خابت كلياً، لأن الحرية لا تطعم خبزاً أبداً.

حار الفلاسفة كثيراً أمام سؤال الحداثة، من أولاً، الحرية أم المساواة أم العدالة؟ لقد تقدمت الحرية كولد يتيم إلى مائدة اللئام، حيث تنفرد طبقة بالحكم والمال والسلطة وسوق العمل. شعر الإنسان “الحر” أنه غير قادر أن يكون مواطنا مساوياً للآخرين، بسبب الفروقات المذهلة، بين الحرية والعمل وفوائضه، وبين الحرية والعدالة، التي هي تقيم ميزان المواطنة الحرة عليه.

إن التعصب هو الحريق. فلنراقب الإشتعال، حيث يحصل، وسيكون كارثياً

الإنسان الحر في نظام العولمة يتمتع بفائق الخسارة. إنه فقير ومعدم. الحرية لا تشبع بطون الجائعين أبداً.

إزاء هذا الوضع للحداثة الشرسة، تاه العالم وفقد خصوصيته. وكان على كل من أصيب بنكبة الحداثة، أن يعود إلى ذاته، إلى قبيلته، إلى شعبه، إلى دينه، لينقب في ذاكرته لإحياء نسب، إلى ماض أو إلى شخص تاريخي أو مدى عائلي أو إنتماء مذهبي، يمنحه شعوراً بالقوة أمام همجية العالم الرأسمالي بثقافته وسلعه عليه، لينتزع منه ماله وماضيه وحاضره. أمام هاوية العالم يعبر طريقاً خطراً جداً. فكما أن العنف سلاح الأقوياء، كذلك يصير العنف سلاح الضعفاء، ولكنه لا يصيب إلا جاره وإبن وطنه. من هنا تأخذ الحروب الأهلية صك براءتها بإنتسابها إلى ماض، متعدد الأتباع والإتجاهات.

من يظن نفسه أنه سيد نفسه يقع في وهم مريع. فحين تتلخص مقولات الحضارة، العلم، العقل، التقدم، الجمهورية، الأخلاق، وغير ذلك من المجردات المكرسة، التي هي في حال تراجع (على حد قول مارسيل غوشيه) نلحظ أن الإنسان المعاصر يتحمل عواقبها عبر هذا الشكل من العبودية الحديثة… فالإنسان المعاصر يقع ضحية التوهم بأنه سيد نفسه، في ما هو يلبي رغبات الجمهور الغامضة.

وعليه، فإننا نفهم أن التمسك بالهوية أسقط التمسك بالحرية. فالهوية تعيد الإنسان إلى التقليد، إلى الماضي، إلى الدين، إلى… فينحرف التقليد عن مكانته المرموقة ليصير وسيلة وفكرة فظة وشريرة، وإلى حالة تضغط على الإنسان كي يرتمي في أحضان إنتمائه البدئي، كي لا يظل إنساناً مقموعاً ومضغوطاً. وتنفيس ذلك يتم بممارسة الشراسة، على من ليس من طينته ومعتقده ودينه.

لبنان هو هكذا. هوياته قاتلة. طوائفه إقصائية ووبائية. هذا ما تشهده الولايات المتحدة اليوم. الحرية بلا مساواة طبقية، بلاهة. الإنفجارات التي تحدث في دول مركبة من إثنيات وعرقيات وأديان، لم تجد صلحها بعد. العولمة قلّصت ظل الدولة والقوانين والمؤسسات والسياسات، ورفعت من منسوب التعصب. اليمين الأصولي المتطرف عائد إلى أوروبا. الإتكاء على الهويات بلا حرية وبلا عدالة وبلا سيادة، سيقود المجتمع إلى معاقرة الدم.

إن التعصب هو الحريق. فلنراقب الإشتعال، حيث يحصل، وسيكون كارثياً.

نصري الصايغ

مثقف وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download