انطباعات Archives - Page 2 of 12 - 180Post

801-3.jpg

على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".

800-4.jpg

أذكرني في مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأميركية بحي جاردن سيتي في القاهرة وأمامي كتبي وكراساتي اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي.

litani.jpg

شاهدتُ للتو منشوراً لزميل عتيق من رعيل جريدة "السفير". تحت عنوان "نازحيستا"، أعاد جهاد بزي نشر منشور لصبية تُدعى سيلين غندور، تروي فيه رحلتها مع النزوح من خلال مجموعة صور جميلة لها في الخيام. تروي سيلين في منشورها كم خيمة تنقلت بينها، وكيف دبّرت أمورها وغسيل ثيابها، وتفاصيل أخرى من تجربتها مع النزوح، بأسلوب إنستغرامي عصري ورائج وملوّن وجذاب.

800-6.png

نزلت الشَّابة عن الرصيف، قبضت على يدّ زميلتها المتوترة، ثم قفزت بها إلى نهر الطريق دون حسابات كثيرة. أطلقت إحدى العربات سرينتها وانحرفت أخرى بفضل مهارة سائقها، وخفضت ثالثة سرعتها باستخدام عنيف للمكابح؛ بينما تفادتهما دراجة نارية على متنها أربعة أشخاص، وأخيرًا حالف الحظ المرأتين فوصلتا بسلام إلى البرّ المقابل؛ لينطبق عليهما المثل الشعبيّ القائل: "إديني عمر وارميني البحر". 

800-26.jpg

في إحدى المناسبات السَّعيدة، ارتفع الغناءُ بين جُدران القاعة الرَّحبة؛ فكاد يصمُّ أسماعَ الحاضرين. تعالت الشكوى من هنا وهناك، طلب بعضُ الناس خفضَ الصَّوت وانتظر النتيجة؛ لكن شيئًا لم يتبدل. مرةً واثنتين والمَوقف على حاله؛ إلى أن انفجرَ أحد المَدعويين في مدير القاعة وأشاح بيده: "هو أنا بادَّن في مالطا"؟

800-23.jpg

لم يتوقف المطر الربيعي على غير عادته. الشارع يلمع تحت ضوء المصابيح المنعكسة على الحفر والمياه. مقهى على أول الطريق، يبدو مصممًا للجلوس الطويل، للحديث الممتد بلا توقف، حيث يتحول كل شيء إلى فضاء للنقاش والخيال، وتتباطأ الحياة قليلًا، حتى لو كان العالم يُسرع من حولك.

800.png

اجتمَعْت وبعضُ الصَّديقات بعد غيبةٍ طويلة، جلسنا نجترُّ بعضَ الذكريات ونتحسَّر كعادة الناسِ هذه الأيام على ما صارت إليه الأحوال. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعلنت صديقة نيتها المُغادَرة؛ كي تلحقَ بموعد درس ابنتها. حاولنا إثناءَها في حين أصرَّت وقامت فجأة صائحة أنها تأخرت بما يكفي؛ لكنها صَدَمت بحقيبتها كوبَ القهوة الذي لم تُنهِه، فهوي بمحتوياته؛ ليلون البلاطات الرمادية بلونٍ بنيّ داكن، وليهرولَ النادلُ ناحيتنا، بينما نضحك وتهتف إحدانا: "يا مستعجل عطَّلك الله".

780-7.jpg

كان لي حكايا وسهرات مع والدي في بدايات شبابي. كنت أسأله، فيجيبني عن أسئلة شخصية تتماهى مع البعد الإنساني والقضايا الكبرى. قال لي مرّة، من ضمن ما قال، إنه في سنته الجامعية الأولى في كلية الإعلام قدّم مبحثًا بعنوان: «الإعلام وقضية الجنوب»، وإن من ضمن ما خطّته يراعه حينها أنه لا يستطيع أن يكون موضوعيًا أمام قضية وطنية بهذا الحجم، على طريقة الرئيس الأسبق سليمان فرنجية: «وطني دائمًا على حق».

800-37.jpg

أثناء لقاءٍ دوريّ لطيف؛ أطلعتني صديقة مُحبَّة للعمل اليدويّ على بعض منتجاتها: أغراض بسيطة للمناسبات الشخصية والأعياد. حافظات صغيرة من القماش السّميك، سلاسل مفاتيح، أكواب ودفاتر؛ فيها ما يحمل أيقونات الميلاد ورمضان وشمّ النسيم وعيد الأضحى، وفيها أيضًا ما هو مزدان بعبارات ساخرة ورسوم خفيفة الظل.

800-32.jpg

يعيدني الفيسبوك اليوم إلى تدوينة نشرتها قبل تسع سنوات، وكأنها نبوءة كانت تنتظر لحظتها الراهنة لتنفجر في وجهي بكل ما فيها من رعب صامت. كتبت حينها: "زهايمر.. الأرصفةُ في قدمي أنساني المشي.. والطريقُ/ كل المسافات غيم.. والأفقُ حريق". أشعر اليوم أن هذه الكلمات ليست مجرد ذكرى عابرة أو مجازا شعريا، بل هي آهةٌ وجودية ما تزال عالقة في حنجرتي؛ حارّة كأنها نُزعت لتوّها من قلب الكارثة.