في التكيُّف.. ومُسَايَرة الحَال

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.

مرَّ الوقت وعاد الصديقُ مُجددًا إلى القاهرة؛ إنما في ثوبٍ جديد. كان قد اكتسب مناعةً واضحة؛ اعتاد شوارعنا وتكيَّف مع صفاتها؛ بل واستطاع الحصول على تصريح بالقيادة فيها وراح يستمتع باللا نظام؛ كأسلوب حياة مُتجذّر.. أصيل.

***

تقول الحِكمةُ العربِيَّة الأنيقة: “إذا كنت في روما فافعل كما يفعل الرُّومان“، والقَّصد ألا يشذُّ الواحد عن البيئة التي يعيش فيها وأن يتبع الأعرافَ السائدة؛ إذ أغلب الظنّ أنها بُنِيَت على أسباب وجيهة ولها عند أهلها دوافع ومُبررات مقبولة، ولا شك أن عديدَ المُمارَسات قد ترسَّخت على مرّ الأزمنة، ومع تراكُم الخِبرات والتَّجارِب، والقاعدةُ الذهبية في هذا الصَّدد تقول: “أهلُ مَكة أدرى بشعابها“، على هذا فإنهم متى سلكوا طريقًا بعينها وحادوا عن أخرى؛ كان اختيارهم هو الأنسب والأكثر مُلاءمة، والأجدى حينئذ المُضيّ في أثرِهم والحِرص على عدم مفارقتهم.

***

كثيرةٌ هي المواعظ التي تنصح الفردَ بالتأقلُّم على ما يتبنَّى المجتمع من عادات، والتي تُزين له الالتزام بها وعدم الخروج عنها؛ وإن لم يرَ فيها فائدةً آنية مُحقَّقة، وإن تبيَّن أن لها مضارًا أكيدة. الحقيقة أن كلَّ شاذٍ يمارسه الجَّمع يفقد تدريجيًا شذوذه، ويتحوَّل إلى سلوكٍ طبيعيّ لا لوم على مُرتكِبه، وهو ما يتيح خلق فُرَص جمَّة لخرق القواعد العامة المُتعارَف عليها وتفكيكها، ولتوسيع المَساحات التي يُمكن من خلالها استيعاب المزيد من الأخطاء والتسامُح معها. إذا اعتاد المواطنون البَصقَ على الأرض؛ تبعهم السائحون والزوار بلا ضغينة، وإذا عبر بعضُهم نهر الطريق دون الالتفات إلى مَوضِع الخطوط المُخصَّصة للمشاة؛ حذا حذوهم الآخرون في حماسة، والعادة تمتدُّ وتنسَحِب على جوانب المعيشة كلها؛ فإذا كان الصَّمتُ عن الحقوق عادةَ أهل المكان؛ بات على الوافدين أن يلتزموا بدورهم الخَرَسَ التام، وأن يتماشوا مع الواقع؛ مُتوجسين من توابع الكلام، مُدركين لعواقبِ النقد والاعتراض.

***

بعضُ المرات يختار الشَّخصُ هيئةً غريبة، لافتة؛ بل ومُستفِزَّة إلى الدرجة التي تضايق الآخرين وتدفعهم لتوجيه الانتقادات، وربما يستعينون في مواجهته بالنصيحة القديمة: “كُل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس“، والقَّصد منها أن ثمَّة ما يمكن للمرءِ أن ينفردَ بتقريره، وما قد يحقّ للمحيطين به أن يتدخلوا فيه. يُنظَر للرداء هنا كشأن خارجيٌّ ظاهر، تتفاعل معه الأعين؛ فترضى به أو تنزعج منه، أما الطعام فأحد الشئون الداخلية التي يتعامل معها الجسم في خصوصية وانفراد؛ لكن الأمر لا يمضي على هذا القدر من البساطة، فالجدل يمتدُّ ويتواصَل عند محاولة الوقوف على طبيعة حريات الفرد وتحديد مداها، وقد تتأتى المُحاججة في أتفه الأمور وأهونها، فيُقال على سبيل المثال إن مِن الطعام ما قد يؤذي غيرَ آكلِه، ولا بأس من الاعتراف بأن بعضَ المكونات الغذائية حادَّة الأثر؛ كالبصل والثوم تتسبَّب في رائحة نفاذة، تصلُ الأنوفَ القريبة وتنعكس على الحضور، وتجعلُ صاحبها محلَّ امتعاض.

***

وَقَعت بين صفحاتِ كتابٍ قديم على الأمثولة المُدهشة: “إن كنت في بلد تعبد العِجل؛ حِشّ واعلفه“. الكلماتُ صريحة لا مواراة فيها ولا تجمُّل أو استحياء. العِجلُ رَمزٌ لكلّ سطوَة غير مُستحقَّة؛ يحيطها الناسُ بمظاهر القداسة، وعبادته إذًا تحمل إيحاءات جمَّة؛ فهؤلاء العابدون لا يفكرون في أمرهم ولا يعقلون أفعالهم، والمعنى يوحي برغم طرافته بتداعيات مُخيفة؛ وبخاصة في ضَوْءِ الصياغة الآمِرة التي تحثُّ الغريبَ على اتباع أهل المكان ولو بدا تصرفُهم غير مُستساغ، ويبدو أن مشاركتهم في حماسة والمبادرة إلى التجويد والإضافة؛ تتحوَّل جميعها إلى أعمالٍ مُستَحبَّة مُثمَّنة، تجعل للقائم بها حظوة وتقربه من العِجْل، ولا عجب إن عادت عليه مستقبلًا بالنَّفع.

***

تمضي عشراتُ الحِكم والمأثورات على نهج مُوحَّد، ترحب بالانضمام إلى القطيع والتماشي معه، وتنصح دومًا بعدم الانسلاخ عنه، ولا شك أنها ترى في الالتزام بمساره سُبُلَ السَّلامة والأمان. هي بمنزلة مَوروث ثقافيّ أصيل، تأسَّس على مدار عقود من القهر والإخضاع، ولا مفرّ من القول بأن معظمَ الناس قد أفنوا أعمارَهم في ترسيخ قِيم الرُّضوخ والصَّبر، وأعطوا الأولوية لتدجين أنفسهم إزاء ما يستَجد من نوازل.

***

على كلٍ فإن الأمور قد تمضي في اتجاه مناوئ، وبرغم أن السطح يبدو أغلب الأحيان هادئًا خاملًا، وبرغم أن النسبة العظمى من الناس تبدو مستكينة لأوضاعها متكيفة معها؛ فثمة من نمى قدرته على التلاعب بها؛ دون التعرُّض للأذى والعقاب، ولا شك أن إعلان الرضاء بالواقع الجائر، لم يمنع كل فرد في موقعه من التفتيش عن أي ثغرة متاحة والنفاذ منها. التحايُل سمة أصيلة في مجتمعاتنا المقموعة، والتلون واتخاذ الطرق الملتوية أسهل علينا وأحب من المواجهات المباشرة.

إقرأ على موقع 180  المَراتب والطَّبقات

***

أقوالٌ قليلة تُخالِف الشائعَ ولا تدعو للتحرُّك في ركابِ الأغلبية بغير بصيرة، ومنها المأثور الشعبيّ خفيف الروح الذي يقرر أن: “كلّ واحد ينام ع الجنب اللي يريَّحه“. الناس متباينون في سماتهم، متنوعون في استقبالهم للمؤثرات وتعاملهم معها، ومن ثم لا يتوجب أن يُسعِد كلًّا منهم الأمر نفسه ولا أن يشقيه، والحقيقة أن الجانب المريح الذي قد يجتمع عليه الناس كلهم، هو ما يكفل لهم عيشة الكفاية والكرامة دون سواها.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  يحدث في الغُربة.. كيفية تنشئة أبناء المهاجرين؟