أجرت مجموعة العمل المالية للمنظّمات العاملة في سوريا مسحاً في آذار/مارس 2026 حول الإشكاليّات التي تعترضها في مجال توزيع المساعدات والأعمال ذات الطابع الإنساني.
أجرت مجموعة العمل المالية للمنظّمات العاملة في سوريا مسحاً في آذار/مارس 2026 حول الإشكاليّات التي تعترضها في مجال توزيع المساعدات والأعمال ذات الطابع الإنساني.
لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟
لا يُمكن التعامل مع القرار الصادر عن مصرف سوريا المركزي، والقاضي بإلزام المصارف العاملة في البلاد بتغطية كامل انكشافها على القطاع المالي اللبناني خلال ستة أشهر، بوصفه مجرّد إجراء تنظيمي لتحسين الميزانيات أو تطبيقًا ميكانيكيًا لمعايير المحاسبة الدولية.
منذ عقود، بدت سوريا كما لو أنها دولة صلبة لا تهتز. جيش قوي، أجهزة أمنية متغلغلة، حزب حاكم يرفع شعارات الوحدة والاشتراكية، ورئيس يجلس على كرسيه مطمئنًا أن البلاد تحت قبضته. لكن خلف هذه الصورة كانت تتشكل قصة أخرى، قصة بلد هشّ تحكمه شبكة من أجهزة المخابرات، الولاءات الطائفية والعشائرية، والمصالح الضيقة، فيما هوامشه تنزف فقرًا وتهميشًا. وعندما انهار المركز عام 2024، انكشفت الحقيقة كاملة: سوريا لم تكن دولة متماسكة بقدر ما كانت مسرحًا لصراع الهويات، ولعبة شدّ حبال بين مركز متغطرس وهامش صبور ثم متمرد.
ما معنى أن يتمّ الحديث اليوم عن أنّ الاقتصاد السوري سيكون في المرحلة القادمة "اقتصاداً حرّاً"؟ ليس فقط لأنّ الاقتصاد لم يكُن "اشتراكياً" في السابق، بل لأنّ التحدّيات الأساسية بعد سنوات العقوبات القاسية – التي بالمناسبة لم ترفع كاملةً حتّى الآن برغم الإعلانات الأميركية - والحرب الأهليّة هي إعادة عجلة الإنتاج والتشغيل والإعمار والحدّ من الفقر وتوحيد البلاد وعودة كريمة للنازحين واللاجئين. فهل هذا ممكن دون تدخّل من الدولة؟ ودون سياسة حكوميّة واضحة؟
شكّل انهيار جدار برلين ومن بعده منظومة الاتحاد السوفياتي وكذلك هيمنته على دول أوروبا الشرقيّة حدثاً تاريخيّاً كبيراً. هذا الانهيار كان نتيجة سوء إدارة مزمِن للسلطات القائمة في هذه البلدان وعدم قدرتها على التأقلم مع المتغيّرات داخلها وعلى الصعيد العالمي. على عكس ما حدث في الصين، رغم تشابه العقيدة السياسيّة للسلطات هناك.
أربع عشرة سنة من المؤتمرات ومن تشكيل هيئات معارضة و"حكومة منفى" مؤقتة وتسليح ودعم مالي وإغاثي وعقوبات تزداد قسوتها، لكن في الواقع جرى تحويل "الثورة" إلى حرب أهليّة ودمار واسع وانهيار اقتصادي وتقسيم فعليّ للبلد وصعود كبير للشرذمة الطائفيّة والإثنيّة والاستسلام للتبعيّة الخارجيّة. لكن ثمة سؤال لا بدّ ألاّ يبارح دوماً ذهن السوريين: هل كانت الدول التي سمّت نفسها "داعمة لسوريا" تعمل حقّاً كي تنتصر "ثورة" السوريين على الاستبداد وأن يتحقّق حلمهم بالحريّة والكرامة؟
برغم كلّ الاتفاقيات والوساطات، عادت إسرائيل إلى وتيرة إبادتها الجماعيّة للفلسطينيين في غزّة وتدمير مخيمات ومدن الضفّة الغربيّة. كما أغارت طائراتها على الضاحية الجنوبيّة في بيروت، بحجّة حادثة مشبوهة، لتُعكّر أجواء زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى باريس واللقاء الذي رعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين الرئيسين اللبناني والسوري أحمد الشرع.
تستحق بعض الإجراءات الإقتصادية، التي أطلقتها حكومة تيسير الأعمال الحالية في سوريا سريعاً، بعض النقاش، لا سيما وأنّ الأحوال المعيشيّة في شتّى أنحاء البلاد متدهوِرة منذ زمنٍ طويل والنشاطات الاقتصادية متدنيّة إلى أقصى الحدود. نقاشٌ برغم ضرورة تفهّم أنّه لا يُمكِن الحكم على سياسات مضى عليها أقلّ من شهر مقابل تركة ثقيلة لسنينٍ وعقود. كما لا معنى لرسم طموحات كبيرة دون تبيان الاستراتيجيّات للوصول إليها والأولويّات التي تجب معالجتها.
إنه الصراع الضارى على سوريا مجددا. فى ثمانينيات القرن الماضى، أصدر الكاتب البريطانى الراحل «باتريك سيل» كتابا مرجعيا عنوانه: «الصراع على سوريا» عن الفترة ما بين عامى (1945) عند نهاية الحرب العالمية الثانية و(1958) مع بداية الوحدة المصرية السورية. يوحى العنوان الفرعى لذلك الكتاب بمنهجيته واتساع نظرته: «دراسة فى السياسة العربية بعد الحرب».