خطاب بري بذكرى الصدر.. الحوار والاصلاح وإلا الإنكشاف والانهيار

 ينسج خطاب الرئيس نبيه بري في الذكرى الـ47 تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه حبكته من ثلاثة خيوط متداخلة: ذاكرة الجريمة المُؤسِسّة (1978)، سياسة اللحظة اللبنانية تحت ضغط الحرب والفراغ، ونقدٌ تاريخيّ لِـ"رهان البعض على الإسرائيلي" كآليةٍ انقلابية متكرّرة لإنتاج موازين قوى داخلية جديدة. وهنا لا ينطبق هذا النقد إلا على القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع.

يمكن قراءة خطاب الرئيس نبيه بري المتلفز كإطار تفسيري يربط سردية الجماعة السياسية (حركة المحرومين/أمل) بسردية الدولة والكيان، مستدعياً سيرة الإمام الصدر بوصفها مرجعية معيارية (“لبنان وطن نهائي”) لتثبيت معادلة مقاومة/دولة/جيش ضمن قانونية القرار 1701، وفي الوقت نفسه تأثيم كل مقاربة داخلية تسعى إلى تغيير التوازنات عبر الاستقواء بالإسرائيلي مجدداً.

هنا تحديداً، يستحضر بري فكرة “الرهان على الإسرائيلي” كمتغيّر يُفسّر كيف انزلقت قوى لبنانية، في محطات مختلفة، إلى طلب تعديل ميزان القوى الداخلية بالاتكاء على قوة خارجية. المحطة الأولى المفصلية هي اجتياح 1982 الذي مهّد لانتخاب بشير الجميل ثم أمين الجميل وولادة اتفاق 17 أيار 1983؛ كان ذلك النموذج الأوضح للرهانٍ على المظلّة الإسرائيلية لترسيم نظام أمني/سياسي جديد. غير أن انهيار الاتفاق في 1984 بفعل انتفاضة قوى داخلية وازنة (معظمها إسلامية) ومقاومة وطنية وتوازنات إقليمية ودولية أعاد تعريف حدود الممكن: أي مشروع داخلي يقوم على ذراع إسرائيلية لا يمتلك استدامة مؤسسية. قبلها، شكّل “جيش لبنان الجنوبي” امتداداً وظيفياً لهذا الرهان منذ أواخر السبعينيات حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000؛ انهياره السريع بعد الانسحاب جسّد درساً بنيوياً: التحالفات التي تقوم على احتلال خارجي تفقد أساسها بزواله.

ولو عدنا إلى الذاكرة ولا سيما حقبة تسعينيات القرن الماضي، لوجدنا أن محاولات تحويل عمليات إسرائيل (تصفية الحساب 1993/عناقيد الغضب 1996) إلى رافعةٍ سياسية داخلية لم تنقطع، لكن “تفاهم نيسان” 1996 أعاد تدوير المعادلة راسماً قواعد اشتباك تحفظ للبنان قدرة الردع ولو بصورة جزئية، ما عزّز سردية المقاومة كعامل توازن لا يمكن شطبه بقرار قسري.

حرب 2006 مثلت اختباراً أحدث وثمة من راهن علناً على القوة الإسرائيلية، وهناك من قرأ الحرب فرصةً لإضعاف المقاومة بنيوياً تمهيداً لإعادة هندسة المعادلة الداخلية. غير أنّ مآلات الحرب؛ صدور القرار 1701؛ صون القدرة العسكرية للمقاومة؛ توسيع مهام اليونيفيل المعززة؛ أظهرت أن القوة الإسرائيلية، مهما بلغت فتكاً، تعجز عن فرض معادلة داخلية من دون توافق لبناني لبناني. هذا التفصيل مهمٌّ جداً لفهم خطاب بري اليوم: عندما يتّهم أطرافاً بالمراهنة على تبدّل الموازين “على ظهر دبابة إسرائيلية”، فهو لا يكتفي بإدانة أخلاقية؛ إنما يعرض “حُجّة فشل” تاريخية تكرّرت ثلاث مرات على الأقل (1982، 1996، 2006) وتؤكّد أن أي مشروع داخلي يستدعي القوة الإسرائيلية ينتهي إمّا إلى ارتداد اجتماعي/أمني، أو إلى تسوية مضطرة تعترف بوقائع الميدان.

على الضفة المقابلة، يشتغل خطاب بري على تثبيت مسار بديل: إدماج “القوة غير النظامية” ضمن رؤية أمن قومي تصاغ بالحوار، تحت سقوف دستورية ووظيفية (اتفاق الطائف، خطاب القسم، البيان الوزاري، القرار1701). هذه ليست دعوة تقنية إلى “استراتيجية دفاعية” فحسب؛ إنها محاولة لتجنيب المؤسسة العسكرية تَحَمُّلَ “كرة النار” منفردة. تاريخياً، كل مرة طُلب من الجيش أن يحسم معادلات تفوق قدرته التفويضية؛ سواء في انقسام 1976 أو في محطات تفكك ما بعد 1988؛ دُفِع الثمن من تماسكه. لذلك يصرّ الخطاب على ثلاثية متوازنة: الجيش كدرع إجماعي، المقاومة كقوة ردع محلّية، و1701 كإطار قانوني يربط الداخل بالشرعية الدولية. هذا “التثليث” ليس توصيفاً بلاغياً؛ هو معادلة إدارة مخاطرة (Risk Governance) تتعامل مع حدود الردع والإنفاذ في بيئة حدودية مفتوحة على احتمالات تجدد الحربٍ الإقليمية.

استعادات بري الرمزية للإمام الصدر ليست مجرد زخرفة خطابية. الصدر جسّر قبل اندلاع الحرب اللبنانية بين مطلبَي العدالة الاجتماعية وسيادة الدولة، ورفع شعار “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه” قبل أن يُثبّته “الطائف” بنصّه. باستدعاء هذه الذاكرة، ينقل بري النقاش من خانة “سلاح جماعة” إلى خانة “وظيفة وطنية” مشروطة بثلاثة ضوابط: دستور يُحدّد السقف، إجماع يُحدّد الإيقاع، وشرعية دولية تضبط قواعد الاشتباك. هنا أيضاً يتكئ على واقعة بنيوية: كل محاولات “التجريد القسري” لسلاح طرف فاعل في بيئة نزاع حدودي؛ من دون اتفاق سياسي جامع؛ تنتج فراغ قوة (Power Vacuum) يملأه إما العدو أو الفوضى. لذلك يُقدّم بري “الحوار” لا كترف أو مضيعة وقت، بل أداة تحويل وظيفي للقوة من عبء داخلي محتمل إلى رصيد ردعي مُدار بالدرجة الأولى من الدولة.

أما التحذير من “خطاب الكراهية” فله بدوره سندٌ تاريخي. التحريض الطائفي في 1975–1990 كان آلة تعبئة للحرب ووقوداً لاقتصاد العنف. في 2005–2008، أعاد الانقسام الحاد إنتاج أشكال من شيطنة متبادلة انتهت إلى انفجار داخلي (7 أيار الشهير). علم الاجتماع السياسي يُعلّمنا أن الكراهية الجماعاتية لا تؤدي فقط إلى عُسر تسوية؛ بل تخلق “قيود التزام” تجعل التراجع مكلفاً انتخابياً لقادة الطوائف، فتغلّف كل مقترح تسووي بوصمة “الخيانة”. هنا يأتي خطاب بري ليحاول فك هذا القيد عبر إعادة تعريف العدو: ليس الخصم الداخلي، بل مشروع توسّعي يَظهر اليوم في ممارسات حدودية وخرائط وخطابات تفوقية تحت مسمى “إسرائيل الكبرى”. بهذا الإحلال، يبدّل موقع “التهديد الأساسي” في السردية العامة، ويسعى إلى إعادة توجيه الانتباه الجمعي من الداخل إلى الحدود، بدل ما يجري حالياً، أي نقل الأزمة من عند إسرائيل إلى الداخل اللبناني.

إقرأ على موقع 180  مبادرة ماكرون: أقل من حكومة وأكثر من بلدية!

يستثمر الخطاب أيضاً في لغة القانون الدولي على نحو وظيفي. التذكير بالقرار 1701؛ بما يتضمنه من وقف نار وأعمال عدائية وحظر خروق جوية وبرية، ومن التزامات متبادلة؛ يسمح ببناء دعوى سياسية تقول إن حفظ الأمن ليس معركة “نزع سلاح” بل معركة “تطبيق التزامات” على طرفين غير متكافئين قدراتياً. تاريخياً، يمتلك لبنان حجة قانونية واضحة في ملفات مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من الغجر، لكن ضعف آليات الإنفاذ الدولية أبقى الخلافات مفتوحة. من هنا يربط بري بين “تنفيذ ما على لبنان” عبر الجيش والدولة وبين “تعطيل إسرائيل” لانسحابات مستحقة، ليؤطر أي حديث داخلي عن إعادة هيكلة القوة ضمن شرطٍ سابق: إغلاق ملفات الاحتلال والاعتداءات، أو على الأقل وضع مسار موثوق لذلك.

في الاقتصاد السياسي للخطاب، ليست الإشارات إلى إصلاحات تشريعية (استقلال القضاء، هيكلة المصارف، قانون الفجوة المالية أو الانتظام المالي) تفصيلاً جانبياً أيضاً. وظيفة هذه الإشارات مزدوجة:

أولاً؛ إثبات أن “معسكر المقاومة” لا يقف خارج الدولة بل يُمارس تشريعاً إصلاحياً؛

ثانياً؛ إعادة وصل خط الدفاع عن السيادة بخط ترميم العقد الاجتماعي المنهك بعد 2019. فالخبرة اللبنانية تؤكد أن أي ردع بلا دولة عادلة يولّد تناقض شرعية، وأن أي دولة بلا ردع في بيئة عدوانية تكون مستباحة الحدود والقرار. بهذا، يقدّم بري مقاربة تكاملية: سيادة بلا إصلاح تُنتج جموداً فاسداً، وإصلاح بلا سيادة يُنتج انكشافاً سياسياً وأمنياً.

يبقى محور الإمام الصدر نفسه. القضية هنا ليست فقط قضائية/جنائية، بل “قضية معيارية” ترسّم حدود الذاكرة والهوية. تحويل تغييب الصدر إلى “اختطافٍ دائمٍ للبنان” يعيد تعريف الجريمة بوصفها اعتداءً على إمكان دولة عادلة كانت في طور التشكل عند حدود الجنوب المهمّش في السبعينيات. علمياً، هذا تأطير (Framing) يعيد توزيع المعنى: من مفقودٍ ثلاثي الأبعاد (شخص/رمز/قائد) إلى “مفقودٍ بنيوي” هو الدولة العادلة التي أرادها. لذلك يأتي “العهد” في خاتمة الخطاب لا كقسم حماسي، بل كإعلان استمرارية مشروع: حماية الجنوب في قلب لبنان هي حماية للبنان ككيان، لا لطائفة كجماعة.

في المحصلة، يشيّد بري حجّته عبر مقارنة مسارين تاريخيين: مسار الرهان على إسرائيل الذي انتهى دائماً إلى انكماش شرعية من راهن عليه وانهيار ترتيباته فور تغيّر البيئة الإقليمية، ومسار التعويل على تسوية لبنانية داخلية تؤطر عناصر القوة ضمن قواعد اشتباك وطنية. الأول، ينتج انتصارات تكتيكية قصيرة الأجل يعقبها فراغٌ مؤسسي؛ الثاني، ينتج استقراراً نسبياً مشروطاً بالحوار وتوزيعٍ متّزن للوظائف بين الجيش والمقاومة والدولة. بهذا المعنى، لا يطلب الخطاب مجرد تفهّمٍ لسلاح المقاومة، بل يقترح “هندسة مؤسساتية” تُحوِّل السلاح إلى عنصرٍ ضمن استراتيجية وطنية، وتمنع تحويل الجيش إلى طرفٍ وحيد في مواجهة اختلال الردع، وتُبقي القرار 1701 مرجعية قانونية للضغط الدولي على إسرائيل.

هكذا يتجاوز الخطاب طابع المناسبة، ليقدّم قراءةً تاريخية-وظيفية للسياسة اللبنانية: كل مرّةٍ ربحَ فيها “رهان إسرائيل” جولةً عسكرية، خسر رُعاته في لبنان القدرة على بناء شرعية قابلة للحياة؛ وكل مرّةٍ ربح فيها “رهان الدولة”؛ بالحوار، وبالمزاوجة بين الردع والقانون؛ تقوى قابلية النظام اللبناني للتعافي النسبي.

بين هذين الرهانين، يضع بري ذكرى الإمام الصدر كمعيارٍ يُذكّر بأن “الوطن النهائي” ليس شعاراً بل معادلة صعبة: سيادةٌ لا تُستعار من الخارج، وقوةٌ لا تُدار خارج التوافق، وإصلاحٌ يُعيد الثقة إلى عقدٍ اجتماعي تتهدده الحرب والضيق والشكوك. بهذه الصياغة، يتحوّل التحذير من الاستقواء بإسرائيل من تهمة سياسية إلى قاعدة استقراء تاريخي، ويتحوّل العرض بالحوار من مناورة إلى شرطِ نجاةٍ لنظامٍ لا يعيش إلا بتوازنٍ دقيقٍ بين الذاكرة والواقع والحقّ.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  العراق.. خريطة سياسية لإنتخابات تقتفي تجربة لبنان!