أميركا وإيران في اختبار التوازنات المستحيلة

ليس مبالغة القول إن مقاربة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق في منظومة عالمية مأزومة، تُبرّرها عوامل الترابط والتفاعل الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومنها موقع إيران المحوري واحتياطات الطاقة وممراتها والتي تجعلها لاعباً حاسماً في سياسات الطاقة العالمية.

ليست إيران مجرد دولة عادية في غرب آسيا، بل عقدة جيوسياسية يصعب تجاوزها، وقوة ركيزة تعمل من خارج هندسة النظام الإقليمي، ميزتها أنها أصبحت عنصراً إستراتيجياً مؤثراً في المعادلات والتوازنات الإقليمية، وهذا ما يُفسّر الضغط الذي تتعرض له منذ عقود من الزمن وشمل فرض عقوبات وضغوط عسكرية من جانب أميركا بذريعة الحفاظ على أمن نفوذها في المنطقة. يضاف إلى ذلك أن مقاومة إيران للضغوط الأميركية تُعتبر من البعض تحدياً للنظام الغربي، وقد يُنظر إليها في عالم الجنوب كعامل يدفع نحو تعددية قطبية على الصعيد العالمي.منأأمنبب

وفي ضوء ما تقدم، يُمكن إدراج الصراع بين طهران وواشنطن في سياق المنافسة الواسعة حول مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، إذ تسعى الولايات المتحدة تاريخياً إلى بسط نفوذها في المنطقة، بينما تعمل إيران لترتيب إقليمي مستقل، ما يضفي على المواجهة طابع النزاع الحاد لمنع ظهور محور إقليمي يُمثل تحدياً للمصالح الأميركية، ويجعل إيران تنشط لبناء تحالفات مع لاعبين إقليميين مثل العراق ولبنان (حزب الله) واليمن (أنصار الله) وسوريا (قبل سقوط نظامها السابق) وفلسطين (غزة). وليس غريباً أن تكون لهذه الظاهرة الحيوية دوافع إيديولوجية أو بالأحرى أسباباً إيديولوجية مثل التناقض بين الإمبريالية الأميركية و”ثورة المستضعفين”، أو حسابات جيوسياسية تتعلق بالنفوذ والأمن والموارد والممرات، وهو الأمر الذي يجعل الإشكالية أكثر تعقيداً.

لا يبدو الصراع بين واشنطن وطهران قابلاً للحسم العسكري السريع، ولا للتطويق السياسي السهل. فإيران، بوصفها قوة ركيزة تعمل من خارج هندسة النظام الإقليمي، لا تُهزم بضربة واحدة، كما أن الولايات المتحدة، برغم تفوقها العسكري، لا تملك ترف الانزلاق إلى حرب برية مفتوحة في جغرافيا معقدة ومكلفة. وبين هذين الحدّين، يتكرّس نمط من المواجهة المفتوحة على الاستنزاف، حيث تتحول القوة إلى عبء، والردع إلى معادلة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة

وعندما يتقاطع السعي الإيراني إلى الريادة الإقليمية مع حسابات طهران الجيوسياسية، يصبح الإبحار الأميركي في المحيط المضطرب من الشرق الأوسط إلى غرب آسيا مهمة صعبة جداً تنطوي في جانبها الإيديولوجي على منسوب من التوتر الشديد بسبب تطلع إيران إلى قيادة العالم الإسلامي على أساس الدعوة إلى مقاومة النفوذ الغربي، في الوقت الذي تتفاقم المنافسة بسبب السباق على مناطق النفوذ والموارد والتموضع الاستراتيجي في المنطقة.

ومن شأن سيولة التشابك بين الدوافع والأهداف لكل من الجانبين الإيراني والأميركي أن يجعل من الصعب التنبؤ بمسارات التهدئة، أو كيفية التوصل إلى حلول تلجم الحرب أو تحد من التصعيد العسكري الذي بات يلامس حد إبادة شعب في ضوء الخطر النووي المحدق بالمنطقة بأسرها.

في أي حال يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام مفترق حاسم قد يُحدّد مستقبله السياسي: الدفع بجيشه إلى البر الإيراني، أو الاكتفاء بإعلان “نصر” وإنهاء العمليات الحربية ولو من جانب واحد. ويأتي تأكيده العلني “أنا لا أرسل قوات إلى أي مكان، وإن كنت سأفعل لن أخبركم” ليعكس تردداً مرده المعادلة الداخلية الأميركية الدقيقة، إذ أن إرسال آلاف الجنود لتنفيذ عملية برية في الشرق الأوسط قد يعني بالنسبة إلى شركاء ترامب الجمهوريين انهيار الدعم السياسي لما تسمى “العملية العسكرية” التي دخلت أسبوعها السادس، وتقويض طلب الحكومة للبنتاغون صرف مئات مليارات الدولارات للتمويل العسكري لهذه السنة.

في المقابل، تعتقد أوساط داخل الإدارة الأميركية أن إنجاز أهداف الحرب، واحتواء تداعياتها قد يتطلب خطوة ميدانية كبرى. وعلى هذا النحو يتصاعد الضغط السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ويحاول العديد من الجمهوريين دفع ترامب إلى إيجاد مخرج سريع، خصوصاً بعد التداعيات الاقتصادية الحادة الناتجة من أزمة مضيق هرمز والصدمة التي أصابت الأسواق العالمية وترجمت ارتفاعاً في أسعار البنزين والمحروقات في الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، لمّح ترامب إلى احتمال “النظر في إنهاء الحرب قريباً” بالتزامن مع إرسال وحدات من المشات البحرية إلى المنطقة. وحسب الجدول الزمني المُعلن يُفترض أن يبدأ الحديث عن إنهاء العمليات مع بلوغ الحرب أسبوعها السادس، وفق تقييم البنتاغون، وذلك برغم فشل هذه الحملة في تحقيق هدفها الأساسي وهو منع إيران من امتلاك القدرة على تطوير سلاح نووي، إذ ما تزال كمية اليورانيوم المخصّب بنسبة تفوق الستين بالمئة محفوظة في منشآت تحت الأرض.

إلى ذلك، تُطرح سيناريوهات ميدانية منها السيطرة على جزيرة خرج التي تمثل شريان النفط الإيراني وتؤمن نحو تسعين بالمئة من صادراته، أو تدمير بنيتها بالكامل. لكن ذلك لا يعني فتح المضيق لأن الجزيرة لا تتحكم بحركة الملاحة فيه. كما يجري البحث بعملية محفوفة بالمخاطر تشمل السيطرة على اليورانيوم المخصّب المدفون تحت الأرض في منطقة أصفهان إذا صحّت التقديرات الأميركية. لكن هذه الخيارات تصطدم برفض واضح داخل الكونغرس، إذ تُحذّر مجموعة من النواب الجمهوريين من “التورط في حرب لا نهاية لها”، معتبرين أن إرسال قوات تدخل برية سيكون “نقطة كسر”.

إقرأ على موقع 180  إمبراطورية ترامب المالية.. فساد عابر للشعوب والحدود

في المحصلة، لا يبدو الصراع بين واشنطن وطهران قابلاً للحسم العسكري السريع، ولا للتطويق السياسي السهل. فإيران، بوصفها قوة ركيزة تعمل من خارج هندسة النظام الإقليمي، لا تُهزم بضربة واحدة، كما أن الولايات المتحدة، برغم تفوقها العسكري، لا تملك ترف الانزلاق إلى حرب برية مفتوحة في جغرافيا معقدة ومكلفة. وبين هذين الحدّين، يتكرّس نمط من المواجهة المفتوحة على الاستنزاف، حيث تتحول القوة إلى عبء، والردع إلى معادلة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة.

وفي هذا المشهد، لا يعود السؤال: من سينتصر؟ بل كم سيطول زمن هذا الصراع، وكم سيدفع الإقليم كلفة بقائه بلا تسوية؟

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إنفرجت كهربائياً بـ"لفلفة" الخلاف بين لبنان وسوناطراك!