لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
في ظل هدنة الأسبوعين التي أبرمتها باكستان بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يبرز سؤال جديد في أروقة التحليل الاستراتيجي: لماذا تتقدم باكستان اليوم كأبرز وسيط بين الطرفين؟ وهل يعكس ذلك تحولاً في خريطة الوساطات الإقليمية، أم أنه استجابة لظروف استثنائية فرضتها طبيعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران؟
على دونالد ترامب "أن يتخلى عن خطته للسلام المكوّنة من 15 بنداً وأن يختصرها ببندين إثنين فقط: أن تتخلى إيران عن أكثر من 430 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستوى الأسلحة، وفي المقابل، تتخلى الولايات المتحدة عن أي مساعٍ لتغيير النظام في طهران. عندها سيتفق الطرفان على إنهاء جميع الأعمال العدائية"، كما يقول الكاتب الأميركي المخضرم توماس فريدمان، في مقالته بصحيفة "نيويورك تايمز".
خلال الأسبوع الماضي، برزت باكستان كوسيط في الحرب التي تشنها أميركا وإسرائيل على إيران، وهذه هي المرة الأولى التي تلعب فيها باكستان دورًا بهذا الحجم في قلب الخليج العربي. السؤال: هل هذا الدور مدفوع باتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان التي تنص على التزام كلا البلدين بالتعامل مع أي عدوان ضد أحدهما بوصفه عدوانًا ضد البلدين، مع التذكير بأنّ إسلام آباد التزمت الصمت عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة على حليفتها الرياض التي لم تستنجد علناً بحليفتها الآسيوية.
عندما تنقضي الحرب الأمريكية الإيرانية على إيران، تنشأ بعدها، أو في وقت لاحق، زلازل تُعاد فيها تقدير الأوزان، ويتغير كل شيء. ومن أهم التساؤلات التي ستطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث في بنية النظامين الإقليمي والدولي؟
عندما سُئل ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، عن سبب مهاجمة أمريكا لإيران، قال نصًا: «كنا نعلم أن إسرائيل ستهاجم إيران، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم ضد القوات الأمريكية، وإذا لم نتحرك بشكل استباقي فسنتعرض لخسائر أكبر». وتعليقًا على هذا التصريح، قال أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق: «إسرائيل حاولت منذ إدارة (باراك) أوباما أن تدفع أمريكا للقيام بعمل عسكري ضد إيران، وكانت تقول إنه إذا رفضت أمريكا ذلك، فإن إسرائيل ستقوم بذلك بمفردها». ولكن أوباما رفض، مفضلًا معالجة الأمر دبلوماسيًا، ولم تقم إسرائيل بالهجوم بمفردها كما هددت.
لم يكن اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية تتكثف فيها قوانين التحوّل التي حكمت تاريخ الأمم. فالزمان، في منطق التاريخ، ليس خطًا مستقيمًا، بل حركة دائمة تعكس تبدّل الأحوال وتنازع الرؤى وتحوّل موازين القوة. وما يجري اليوم في الخليج والشرق الأوسط ليس سوى تجلٍّ حيّ لهذا التحول العميق.
الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، كما لن تشلّ قدرات طهران. وكل الخيارات المطروحة أمام واشنطن تنطوي على مخاطر كبيرة، ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التصعيد في حربٍ لا أمل لها في تحقيق نصر فيها، أو الإنسحاب فوراً قبل أن تتحوّل هذه الحرب إلى مُستنقع مُدمّر يصعب الخروج منه. والخيار الثاني هو الأكثر حكمة، لأن إيران لا تحتاج إلى انتصارٍ حاسم؛ يكفيها أن تُثبت فشل الأهداف الأميركية-الإسرائيلية، بحسب إيلان غولدنبرغ في "فورين أفيرز"(*).
بعد مضى أسبوع على الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، لم تتحقق النتيجة الدراماتيكية التي كان يبحث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أي اسقاط النظام، بفعل صدمة اغتيال المرشد آية الله علي خامنئي ونحو 50 من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية بضربة واحدة.
التحوّل في موقف الهند من التأييد الصريح للفلسطينيين في نضالهم الوطني إلى شراكة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، وبخاصة في عهد ناريندرا مودي، لا يمكن فهمه كحادثة دبلوماسية عابرة، بل بوصفه تعبيرًا عن تبدّل عميق في طبيعة الدولة الهندية نفسها: من دولة قائدة في حركة عدم الانحياز إلى قوة قومية صاعدة تغلب مصالحها وأولوياتها.