قبل ذلك، قامت مندوبة الدنمارك بإلقاء خطاب شديد اللهجة في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت لبحث العدوان الأميركي على إيران، وكان خطاب سفيرة الدنمارك كله هجوماً على إيران، مطالِبةً إياها بالالتزام بالقانون الدولي وبذل أقصى جهود ضبط النفس. وفي هذا يقول البروفيسور جيفري ساكس إنه ذهب إليها بعد إلقاء الخطاب وقال لها: «يا سيدتي، إن إيران هي المعتدى عليها، والأولى أن نطالب أميركا بضبط النفس». فنظرت إليه ثم مضت في طريقها.
منذ ولاية ترامب الأولى، وأوروبا تُبدي لترامب- بطريقة تدعو إلى الشفقة- قدراً كبيراً من النفاق والاسترضاء والتأييد في كل ما يقوم به من تجاهل للقانون الدولي ومن اعتداء صارخ على سيادة الدول المستقلة. ساندوه في محاولات زعزعة نظم الحكم في الدول التي لا ترغب في الخضوع له، وفي محاولات تغيير أنظمة الحكم، وساندوه في ضرب إيران، كما ساندوه عندما قام باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، وقالوا إنه رئيس غير شرعي، وإنه يسمح بعمليات تهريب المخدرات إلى أميركا ويساعد العصابات. بل ساندوه في حرب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة بمساعدة الولايات المتحدة، وذلك من خلال عدم اتخاذ أي إجراء عملي والاكتفاء ببعض البيانات الهزيلة.
لكن عندما استدار إلى أراضيهم مطالباً بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهدّد بأخذها إما بالطريق السهل أو الصعب، إما حرباً أو بالاتفاق، صرخت أوروبا: القانون الدولي، وحقوق الدول في السيادة على أراضيها ووحدتها، وميثاق الأمم المتحدة. والصرخة الأوروبية إنما تعني في الواقع: افعل ما تشاء في المناطق الأخرى، ولكن ابتعد عن الأراضي الأوروبية.
***
لا يخطئنّ أحد الظن بأن السياسة الأميركية تقوم على المبادئ والقيم؛ فأميركا دولة استعمارية بامتياز، قامت على التوسع وضم أراضي الغير بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين. غير أن الفارق أن هذا التوسع تم في القرن التاسع عشر، في عالم بلا قانون دولي ولا حقوق إنسان ولا ميثاق أمم متحدة. وقد استيقظ العالم على حقيقة مُرّة، وهي أن كل ذلك لم يكن سوى خدعة كبرى وستار لتحقيق الأهداف نفسها بوسائل أخرى. وكل ما فعله ترامب أنه أزاح هذا الستار وبدأ اللعب على المكشوف
يبدو أن أوروبا حققت مكسباً في الجولة الأخيرة في دافوس، وإن لم تتضح ملامح ما تم الاتفاق عليه أو بحثه هناك. غير أن المؤكد أن ترامب تراجع عن احتمال استخدام القوة لضم الجزيرة إليه، وأنه اضطر لذلك في مواجهة الموقف الأوروبي الموحد الرافض، خصوصاً من جانب الدول الأوروبية الكبرى، بما فيها بريطانيا، الحليف الأول لأميركا. لكن من الواضح أيضاً أن ترامب ازداد حنقاً على أوروبا، وبدا ذلك جلياً في خطابه في دافوس، الذي كال فيه الإهانات للأوروبيين، واتهمهم بالجحود وعدم الاعتراف بجميل أميركا عليهم، قائلاً: «لولا الولايات المتحدة وما قامت به من تضحيات في سبيل هزيمة ألمانيا النازية لكنتم الآن تتحدثون اللغة الألمانية». وبعد كل ما قامت به أميركا من أجلكم، تبخلون عليها بقطعة جليد «غرينلاند»! وقال أيضاً إن غرينلاند كانت تحت السيطرة الكاملة لأميركا بعد الحرب العالمية، وإننا أخطأنا عندما انسحبنا منها.
لذلك لا أعتقد أنه سيتراجع تماماً عن فكرة الاستيلاء عليها، لأن ترامب يعتقد أن إعادة العظمة لأميركا (MAGA) تعني ضم الأراضي والتوسع، كما فعل عدد من الرؤساء الأميركيين السابقين، مثل صفقة لويزيانا الكبرى التي قام بها الرئيس توماس جيفرسون عام 1803، حيث اشترى من فرنسا مساحة تقارب مليوني كيلومتر مربع بحوالي 15 مليون دولار، وضمّ فلوريدا وانتزعها من إسبانيا بالحرب، كما ضمّ تكساس عام 1845 بعد انفصالها عن المكسيك، والتوسع بالحرب على حساب الأراضي المكسيكية (أي ضم كاليفورنيا ونيفادا ونيو مكسيكو… إلخ)، وشراء ألاسكا من روسيا عام 1867.
لذلك لا يخطئنّ أحد الظن بأن السياسة الأميركية تقوم على المبادئ والقيم؛ فأميركا دولة استعمارية بامتياز، قامت على التوسع وضم أراضي الغير بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين. غير أن الفارق أن هذا التوسع تم في القرن التاسع عشر، في عالم بلا قانون دولي ولا حقوق إنسان ولا ميثاق أمم متحدة. وقد استيقظ العالم على حقيقة مُرّة، وهي أن كل ذلك لم يكن سوى خدعة كبرى وستار لتحقيق الأهداف نفسها بوسائل أخرى. وكل ما فعله ترامب أنه أزاح هذا الستار وبدأ اللعب على المكشوف، فهو يفضّل لغة القرن التاسع عشر، حيث مفهوم العظمة هو الاستحواذ على الأرض والموارد بأي وسيلة، حتى لو تضمّن ذلك إبادة السكان الأصليين.
***
وبعد؛ لقد وقعت غزة ضحية تزامن «طوفان الأقصى» مع صعود الترامبية وتغوّل اليمين المتطرف في أرجاء العالم، وسيطرته على الحكم في إسرائيل، فأصبحت غزة المؤشر الأكبر على انهيار النظام الدولي. ومع ذلك، يرى البعض أن ما يقوم به ترامب من هدم للنظام الدولي القائم سيُعجّل بقيام نظام جديد يقوم على تعدد الأقطاب. وبالطبع، لن تكون ولادته سهلة، بل سيمرّ العالم بمرحلة قد تكون الأخطر تاريخياً، لأن أخطر الفترات هي الفراغ بين نظامين، كما حدث بين الحربين العالميتين.
هذا الفراغ سيزداد بتهميش القوانين الدولية، وبانطلاق يد القوى الكبرى والإقليمية بلا رقابة ولا محاسبة، خاصة في منطقتنا، حيث ستزداد أطماع إسرائيل وعدوانيتها كلما تراجع النظام الدولي. فنحن الآن في مرحلة انتقالية بين نظام آخذ في الانهيار لا محالة، ونظام جديد مأمول. وقد تتسبب قوى الردع النووي في الإسراع بتشكيله، لتجنب كارثة كونية لا تُبقي ولا تذر.
(*) بالتزامن مع “الشروق“
