نظامٌ دوليٌّ بلا قواعد: كيف تُعيد أميركا رسم خرائط القوة؟

خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، صرّح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن الشراكة الجديدة «تهيئنا جيداً للنظام العالمي الجديد»، وأضاف: «أعتقد أن العالم لا يزال بصدد تحديد شكل هذا النظام». وفي كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (20 يناير/كانون الثاني 2026)، أعلن أن «النظام الدولي القائم على القواعد قد مات»، داعياً الدول متوسطة القوة إلى صياغة مسار جماعي جديد يقوم على ما سماه «الواقعية القيمية»، أي المزج بين الواقعية السياسية والتمسك بالقيم.

كلام رئيس الوزراء الكندي يعكس حقيقة الواقع الدولي الذي برز بصورته الفاقعة مع ولاية دونالد ترامب الثانية والعواصف التي أحدثتها سياساته طوال سنة من عمر تلك الولاية. وقد اكتسب مصطلح «النظام العالمي الجديد» (NWO) مكانة بارزة في وسائل الإعلام والمناقشات السياسية، بما يعكس تحولاً حقيقياً في ديناميكيات القوى العالمية. فمن منظور جيوسياسي، يشير هذا المصطلح إلى إعادة تشكيل جوهرية للعلاقات الدولية والمؤسسات وتوازنات القوى. فقد تميّزت حقبة ما بعد الحرب الباردة بالأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة، وبالديمقراطية الليبرالية، وبحوكمة عالمية قائمة على القواعد. إلا أنه في عام 2026 بات مصطلح «النظام العالمي الجديد» يُستخدم بصورة متزايدة للدلالة على تفكك هذا النظام نفسه. وهو يصف اليوم مشهداً متعدد الأقطاب ومجزأً، حيث أدى النهج الأحادي الأميركي في عهد ترامب إلى إضعاف، بل تفكيك، ركائز أساسية من إطار ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد تأسس النظام العالمي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية على مزيج من المؤسسات الدولية، والتوازن بين القوى العظمى، والهيمنة الاقتصادية الأميركية. فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب كأكبر قوة اقتصادية وعسكرية، وأسّست نظاماً عالمياً يضمن نفوذها عبر المؤسسات المالية والسياسية. وشكّلت المؤسسات الدولية – الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ثم لاحقاً منظمة التجارة العالمية – أدوات لتنظيم العلاقات الدولية وحل النزاعات. وساد، في الغالب، مبدأ الأمن الجماعي عبر منح المؤسسات الدولية دوراً في إدارة النزاعات، وكان لحلف شمال الأطلسي (الناتو) دور كبير في هذا السياق. واتخذ النظام العالمي آنذاك من القيم الليبرالية – نظرياً على الأقل – ركيزة تقوم على الديموقراطية وحقوق الإنسان والتجارة الحرة. وتعززت هذه الركائز بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مع انعقاد الزعامة الدولية لطرف واحد هو الولايات المتحدة.

حافظ هذا النظام على قدر من الاستقرار النسبي لعقود، برغم الأزمات والحروب، ولا سيما تلك التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. لكنه بدأ يهتز مع اهتزاز مركزه نفسه، أي الولايات المتحدة الأميركية، ومع صعود الصين وروسيا، وظهور قوى متوسطة مثل الهند وتركيا والبرازيل، إضافة إلى التآكل الصريح للقيم الليبرالية، والتراجع عن الالتزام بالديموقراطية وحقوق الإنسان كمرتكز عالمي، واستبدالها برؤية تعترف بعودة الدولة القومية كفاعل مركزي، وبمنظور قائم على الربح والمصلحة الوطنية.

كما شهد العالم تراجعاً في دور المؤسسات الدولية، إذ باتت الأمم المتحدة ومجلس الأمن أكثر عجزاً، في وقت انسحبت فيه الولايات المتحدة من عدد كبير من المنظمات الدولية. وقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة مؤخراً نهاية العولمة بصيغتها القديمة، باعتبار أنها لم تعد تخدم الاقتصاد الأميركي، وأن الالتزامات الأمنية الواسعة في الخارج تستنزف الموارد.

البحث عن نظام مالي بديل

تعاني الولايات المتحدة حالياً من أزمة اقتصادية كبيرة، تتمثل في مزيج من فقاعة مالية في أسواق الأسهم والتكنولوجيا، وارتفاع الدين العام، وعجز مالي ضخم، واضطراب السياسات الحكومية، ولا سيما في عهد ترامب، فضلاً عن تراجع الثقة بالمؤسسات الاقتصادية نتيجة الاضطراب السياسي الداخلي، والعوامل الجيوسياسية، والتوترات التجارية مع دول العالم.

وقد أدى استخدام الاقتصاد كسلاح – عبر العقوبات الاقتصادية، وفرض الرسوم الجمركية، وتحويل سلاسل الإمداد إلى أدوات ضغط – إلى دفع عدد من الدول والمنظمات (بريكس نموذجاً) إلى البحث عن نظام مالي بديل خارج هيمنة الدولار. ويعني تراجع هيمنة الدولار في التجارة العالمية أن الولايات المتحدة تفقد إحدى أهم أدوات قوتها الاقتصادية والجيوسياسية، إذ يقل اعتماد الدول على الدولار في الاحتياطيات والمعاملات، ما يضعف قدرة واشنطن على فرض العقوبات وضبط النظام المالي العالمي.

وبرغم أن الدولار لا يزال يهيمن على نحو 80% من المعاملات الدولية، بدأت بعض الدول تعتمد عملات بديلة مثل اليورو، واليوان الصيني، والروبل الروسي في تسعير السلع الاستراتيجية، كالنفط والغاز. كما شرعت البنوك المركزية حول العالم في تنويع احتياطاتها، بما يقلل الطلب على الدولار ويؤثر على قيمته على المدى الطويل. وظهرت كتل اقتصادية بديلة، مثل مجموعة «بريكس»، تسعى إلى إنشاء نظام مالي موازٍ يقلل الاعتماد على الدولار، عبر آليات دفع مشتركة أو عملة احتياطية جديدة. وتدفع بكين باتجاه استخدام اليوان في التجارة الدولية، فيما لجأت روسيا وإيران إلى أنظمة دفع بديلة لتفادي العقوبات الأميركية، وبدأت السعودية بدراسة تسعير جزء من صادراتها النفطية باليوان، في تحول استراتيجي يضعف «البترودولار» الذي شكّل أساس النفوذ الأميركي منذ سبعينيات القرن الماضي.

والأهم أن هذا المسار يؤدي إلى تراجع قدرة الولايات المتحدة على طباعة الدولار، وهو ما يفسر عمق أزمتها الاقتصادية. فتاريخياً، كانت واشنطن قادرة على تمويل عجزها عبر إصدار المزيد من الدولارات وسندات الخزانة. لكن مع تضخم الدين العام إلى مستويات قياسية، بات الإفراط في الطباعة يهدد الاستقرار المالي ويزيد مخاطر التضخم، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على الاعتماد على الطلب العالمي على الدولار لتغطية هذا التوسع النقدي.

كذلك، فإن تراجع الاعتماد الدولي على الدولار يضعف فاعلية العقوبات التي كانت قائمة على سيطرة واشنطن على النظام المالي العالمي، ولا سيما نظام «سويفت» والبنوك والتسويات بالدولار. ومع تنويع العملات، تصبح العقوبات أقل تأثيراً، ما يضعف النفوذ الأميركي ويعزز الاتجاه نحو نظام مالي متعدد الأقطاب، يتقاسم فيه الدولار واليوان واليورو، إضافة إلى الذهب، أدواراً أكثر توازناً.

إقرأ على موقع 180  هل رمْت القمّة العربية الإسلامية طوق النجاة لـ"إسرائيل"؟

أميركا.. القوة أولاً

دفعت هذه الأزمات الولايات المتحدة، في عهد ترامب، إلى تغيير استراتيجيتها تجاه العالم، والتغول في البحث عن مصادر لتمويل عجزها، حتى ولو اقتضى الأمر القضاء على القواعد التي تأسست بعد الحربين العالميتين. فلم تعد ترى نفسها «حارساً للنظام الليبرالي»، بل قوة تبحث عن مصالح مباشرة في إطار سياسة «أميركا أولاً»، سعياً لمعالجة أزماتها الداخلية بالدرجة الأولى، دون مراعاة للحلفاء أو للقيم والقواعد الدولية. وقد ألبست سياستها لباساً قومياً فاقعاً ومعادياً للعولمة، وأعادت تعريف دورها من «شرطي العالم» إلى «سيد النصف الغربي من الكرة الأرضية». وفي هذا السياق، أشار وزير الحرب الأميركي بيت هيغسِت، لدى تقديمه استراتيجية الدفاع الوطني للعام 2026، بوضوح إلى اتباع سياسة «سلام فعلي من خلال القوة».

تعكس النظرة الأميركية الجديدة تحولاً واقعياً في أنماط القوة العالمية. فهي تجاه أوروبا نظرة ازدراء وتعالٍ، مع وقف توسع حلف “الناتو”، ما يجعل أوروبا مسؤولة عن أمنها، ومضطرة إلى مراجعة صناعاتها الدفاعية وإعادة التفكير في استراتيجيتها الأمنية.

أما الصين، فقد تحوّلت من «خطر وجودي» إلى منافس اقتصادي استراتيجي، يجري ردعه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر إظهار القوة لا عبر المواجهة المباشرة. في المقابل، تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة استثمار وتجارة، مع السعي إلى ضمان سيطرة إسرائيلية على المنطقة.

النظام الذي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائه قائم على القوة دون مراعاة للقواعد، كما يظهر في فنزويلا، والدعوة إلى ضم كندا، وقبلها المكسيك، والمطالبة بجزيرة غرينلاند، والسعي إلى إسقاط أنظمة في أميركا اللاتينية، بينها كولومبيا وكوبا، فضلاً عما جرى ويجري في فلسطين وغزة ولبنان. ويُعدّ ذلك كله تجاوزاً لمبدأ السيادة الذي قامت عليه الأمم المتحدة. وقد ترسخ هذا المسار مع إنشاء «مجلس السلام» بقرار فردي من ترامب، ليضطلع – وفق تعبيره – بالكثير من المهام التي كان يفترض أن تقوم بها الأمم المتحدة.

يسعى الأميركيون إلى بناء نظام جديد يطمحون لأن يكون تحت سيطرتهم، وفق قاعدة «السلام بالقوة» التي يرددها ترامب باستمرار، وهي سياسة لا يُرجّح تغييرها حتى مع رحيله. لكن يبقى السؤال: هل سينجحون فعلاً في ذلك؟

اضطراب العالم الجديد

لا تزال الولايات المتحدة قوة محورية في النظام العالمي، بفضل مساحتها الهائلة، وموقعها الجغرافي المحمي بالمحيطات، وقوتها العسكرية الكبيرة، واقتصادها الذي لا يزال من بين الأقوى عالمياً. غير أن سياساتها المتقلبة، وتصاعد الحواجز التجارية، يجعلان من الصعب بناء تحالفات متينة معها. فعلى المدى القصير، تستطيع واشنطن استغلال قوتها الحالية، لكن على المدى الطويل، يُرجّح أن تُقلّل الدول الأخرى اعتمادها عليها، وهو ما يظهر في حالات التمرد على السياسات الأميركية من جانب كندا ومعظم الدول الأوروبية، وحتى بعض حلفائها العرب، مثل السعودية، التي تتجه إلى بناء تحالفات اقتصادية وسياسية خارج الهيمنة الأميركية.

في المقابل، باتت الصين منافساً قوياً للولايات المتحدة على المستويين الاقتصادي والعسكري، وتعمل على تشكيل محور يواجه النظام العالمي الذي تهيمن عليه واشنطن. أما روسيا، فهي تعاني من تداعيات الحرب في أوكرانيا، وتتركز قوتها في إقامة نفوذ أوراسي عبر جمهورياتها السوفياتية السابقة، ما يجعلها قوة مُعرقلة أكثر منها قوة مُؤسِسة لنظام عالمي جديد.

وتواجه أوروبا بدورها ما وصفه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بـ«تحدي الأجيال»، في ظل تهديدات جيوسياسية واقتصادية وديموغرافية، ولا سيما مع ابتعاد الولايات المتحدة عنها. وتشهد القارة الأوروبية إعادة تسليح وتنشيطاً للصناعات العسكرية، وقد تبرز في العقود المقبلة كمصدر مستقل للقوة الاقتصادية والعسكرية، بأجندة تختلف عن أجندة واشنطن، إذ ستكون أكثر حرصاً على مواجهة روسيا، وربما أكثر استعداداً للانخراط مع الصين.

يشير هذا الواقع العالمي الجديد إلى أن الاستقرار لن يتحقق في المدى المنظور، بل إن العالم مقبل على مرحلة من التحولات المزعزعة التي تنذر بسنوات طويلة من الصعوبات. وستحتاج كل من الولايات المتحدة والصين إلى حلفاء، فيما ستواصل دول الجنوب العالمي المناورة بين القوى المتنافسة. ولهذا يشير عدد من المحللين إلى هذه المرحلة بوصفها «اضطراب العالم الجديد».

ويبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع القوى العظمى إدارة تنافسها ضمن إطار مصالح عالمية مشتركة، مثل مكافحة تغيّر المناخ، والتلوث البيئي، وتهديدات الأوبئة؟ أم أن تصاعد الصراعات في المناطق المتنازع عليها حديثاً – كالقطب الشمالي، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي، والمحيطات – إلى جانب بؤر التوتر الجيوسياسي المستمرة، سيشعل فتيل صراع شامل؟

Print Friendly, PDF & Email
هالة أبو حمدان

أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  أميركا بين "كماشتي" مارينكا.. وغزة!