تذكروا هذه الجملة جيدا: حكم الصبية يستجلب الوصاية. حكم الصبية هو المشكلة الرئيسية في لبنان اليوم. مشكلة تتربع على غيرها من مشاكل لبنان المزمنة كالفساد والطائفية والتدخل الخارجي وغيرها من المشاكل البنيوية في هذا البلد.
حتى الآن، يقابل مشهد الساحات في لبنان بصمت رسمي عربي، سواء من الجامعة العربية أو من معظم الدول العربية.
أكثر من أربع وعشرين ساعة، كانت كفيلة بإتساع الحراك الشعبي في الشارع اللبناني، إحتجاجا على سياسات الحكومة، وخصوصا توجهها لفرض ضرائب جديدة على الفقراء وذوي الدخل المحدود.
نجح اللبنانيون في أقل من 72 ساعة بتحويل حراكهم المدني إلى انتفاضة شعبية امتدت عفويا لتطال كافة الأراضي اللبنانية. هي اليوم أقرب إلى ثورة. ثورة لا يقودها شخص ولا عصبيات طائفية أو مذهبية أو حزبية أو مناطقية. ثورة قائدها الجوع، ووقودها البطالة والحرمان وفقدان أبسط مقومات العيش من تعليم وطبابة وبيئة ومواصلات وفرص عمل .
تشهد العاصمة اللبنانية سلسلة من المشاورات السياسية المعلنة وغير المعلنة، بهدف إيجاد مخرج للأزمة السياسية ــ الإقتصادية والمالية، التي أدت إلى نزول اللبنانيين بمئات الآلاف إلى الشوارع، في كل لبنان، في مشهد هو الأول من نوعه منذ الإستقلال في العام 1943.
من يجول في وسط العاصمة اللبنانية، اليوم، يجد نفسه أمام مشهد غير مسبوق. فتيات وفتيان في مقتبل العمر. عائلات تضيق بها الدروب من الأشرفية والصيفي والمرفأ ورأس بيروت وعين المريسة وبرج المر وسليم سلام. كلهم، يأتون حاملين الأعلام اللبنانية وما تيسر من مياه وعصير وكمامات. هدوء جميل يشي بحراك لم نشهد مثيلا له في السنوات الماضية. الحشد سيكون هذه الليلة وغدا الأحد أكبر من حراكات 8 و14 آذار/مارس 2005، وحتى من حراك تموز/ يوليو 2015.
مع إشتعال لبنان أولا بحرائق الطبيعة التي التهمت كثيراً من أحراجه وغاباته، وثانياً بغضب الناس الذين نزلوا من كل المناطق يفترشون الطرقات ويرفعون الصوت عالياً ضد الفساد والقهر والفقر والنهب وسوء الإدارة، يُصبح دور القضاء مفصلياً في تلقف هذا الغضب والتجاوب معه لرفع مستوى المحاسبة، وتأطير الغضب في إطار قانوني يسمح فعلياً بمحاسبة الفاسدين والسارقين.
نزلتُ هذا الصباح الى شوارع بيروت أشارك الناس نقمتها على الطبقة السياسية. معظم المشاركين في ربيع العمر. شابات وشبّان يرشحون حيوية ونقمة. أفقرَهم النظام المتوارث بكل فساده وكوارثه الاقتصادية. رماهم في أتون البطالة واليأس وأراد تكبيلَهم بالضرائب. تحرّكوا حين فاض الصبرُ عن قدرتهم على التحمل. قرّروا قلب الطاولة على الجميع بعيدا عن الانتماءات الطائفية والمذهبية التي كانت تعيق في كل التظاهرات السابقة وصولهم الى غاياتهم.
الواتساب هو الشرارة، لكن الناس موجوعة. غاضبة. محتقنة. فقدت الثقة بكل شيء، إلى حد الكفر. لذلك، كان لا بد من الشارع. من الشوارع. غضب يفيض ويفيض من النهر الكبير إلى رأس الناقورة.