منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن قيام (إسرائيل) في 15 أيار/مايو من العام 1948 لم يكن الأمر مجرد ولادة كيان جديد، بل كان بداية مشروع جيوسياسي طويل الأمد، أعاد تشكيل منطقة المشرق تحت النار، والقتل، والتهجير والحروب والاقتتال المذهبي. كيف؟
منذ اللحظة التي أُعلن فيها عن قيام (إسرائيل) في 15 أيار/مايو من العام 1948 لم يكن الأمر مجرد ولادة كيان جديد، بل كان بداية مشروع جيوسياسي طويل الأمد، أعاد تشكيل منطقة المشرق تحت النار، والقتل، والتهجير والحروب والاقتتال المذهبي. كيف؟
إنّ التحليل السياسي المعاصر والقرار السياسي، لم يعد قادراً على تفسير العالم من خلال الأدوات التقليدية المعتمدة سابقا وحدها، كفكرة الدولة الصلبة أو الدولة العميقة، أو التوازنات الخطية، أو السببية المباشرة، لأنّ العالم دخل مرحلة جديدة تتسم بالتشابك بالتعقيد، واللايقين، وتداخل الواقعي بالافتراضي، والاحتمالي بالمادي، والإنساني بالخوارزمي. وحدوث الالتباس في الرؤية إضافة إلى سرعة تبدل الوقائع وسيولتها. لهذا أصبحت الحاجة ملحّة إلى فلسفة سياسية جديدة تستند إلى مفاهيم ما بعد الخطية، وما بعد الواقعية التقليدية، وما بعد الحتمية.
منذ قيام دولة لبنان الكبير في العام 1920، بدت تجربة العمل الحزبي عند المسلمين السنّة مختلفة عن باقي الطوائف اللبنانية. فالسنّة، بخلاف الطوائف التي بنت أحزابًا عقائدية أو تنظيمات مغلقة، ظلّوا أقرب إلى الزعامة التقليدية اللبنانوية أكثر من اقترابهم من فكرة النواة الحزبية الصلبة. وهكذا تنقلوا من تجارب آل الصلح وسلام وكرامي في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى تجربة آل الحريري في مرحلة ما بعد الطائف، مروراً بتجارب طغى عليها العنوان القومي من دون اغفال ظاهرة الإسلام السياسي بمسمياتها العديدة (جماعة، أحباش إلخ..).
عوامل الجغرافيا والتاريخ، ومعهما الاقتصاد والسياسة، أحدثت مع مرور الزمن ترابطًا وثيقًا بين ضفتي المتوسط، العربية والأوروبية، وإن بدرجات متفاوتة وفي مجالات مختلفة. وقد أخذ هذا التعاون، في كثير من الحالات، طابعًا مؤسساتيًا متعدد الأطراف وبصيغ متنوعة. ومن هنا، يدفعنا الحديث عن حاضر هذه العلاقات إلى تسجيل الملاحظات الآتية:
لم تعد الحرب على لبنان، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قابلة للاختزال في معادلة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فالمشهد، بعد اتساع التدمير والنزوح، وانتقال الملف إلى جولات تفاوضية في واشنطن، وظهور مسار أمني تُيسّره الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، يكشف أننا أمام طور جديد من الصراع والتفاوض يسيران في خطين متوازيين. وفي هذا الطور، يصبح الميدان الجغرافي عنصرًا حاسمًا في إعادة ترتيب الأرض والديموغرافيا والسيادة، بل وربما مستقبل لبنان وبنية نظامه السياسي.
لم يعد ممكنًا النظر إلى الصين كقوة عظمى محتملة. إنها الآن فعلًا قوة عظمى بقوة التراكم في المال والسلاح والتقنيات الحديثة.. الأهمية الحقيقية للقمة الأميركية ــ الصينية في بكين أنها دشّنت اعترافًا أميركيًا بالثنائية القطبية الجديدة.
معظم المفاهيم التي وضعها الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر(Halford Mackinder) والمنظّر الأميركي ألفرد ماهان (Alfred Thayer Mahan) حول التناقض بين القوتين البحرية والبرية ما زالت صالحة للتطبيق على الصراع الذي نشهد فصوله حالياً في مضيق هرمز في سياق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
في ظل هذا المناخ الملبّد بالموت والدمار والنزوح والانقسام، تتكاثر السرديات التي تحاول تفسير الحرب الإسرائيلية على لبنان أو تحميل مسؤولياتها. ولعل أخرها تلك التي تنزع الاحتلال من المشهد، وتُحوّل المأساة إلى خلاف داخلي لبناني، كأن إسرائيل ليست موجودة أصلًا، وكأن الجنوب احترق بفعل المقاومة لا بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. هنا تحديدًا يصبح النقاش أبعد من السياسة اليومية، وأقرب إلى سؤال التاريخ نفسه: كيف تبدأ الأوطان بخسارة ذاكرتها قبل أن تخسر أرضها؟
يواجه التحليل السياسي معضلةً كبيرةً في الاستشراف، حتى فيما يتعلّق بالمستقبل القريب، ويعود ذلك إلى تسارع التطورات وعدم تميّز عملية صنع القرار بالعقلانية في أحيانٍ كثيرة. وبالتالي، من الصعب أن نجد محللًا موضوعيًا قادرًا على معرفة مستقبل الحرب الأميركية/الإسرائيلية ـ الإيرانية ومآلاتها في الأيام المقبلة؛ فتجدّد الحرب وارد، وتجمّد الصراع وارد، والتوصّل إلى اتفاق إطاري أو شامل أيضًا وارد. والحال هكذا، فإن قراءة الماضي ربما تفيد في إنارة بعض معالم المستقبل، ليس من باب أن التاريخ يعيد نفسه، لكن من باب أن التاريخ فيه تجارب وخبرات يمكن استقاء الدروس منها، والقاعدة تقول إن من الصعب أن تسلك الطريق نفسها لتصل إلى جهة مختلفة.
انتهت القمة الصينية ـ الأميركية على أصوات الحرب مرة، وعلى أنغام السلام مرة أخرى. إنّها قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ أو قمة الثنائية القطبية الجديدة التي صارت سمة النظام الدولي بديلاً للأحادية القطبية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً.