Blog - Page 916 of 945 - 180Post

Bring to the table win-win survival strategies to ensure proactive domination. At the end of the day, going forward, a new normal that has evolved from generation.
DSC_8836.jpg

هو الاجتماع الثاني لخلية الازمة المالية – الاقتصادية الذي ينعقد في غضون شهر بدعوة من الرئيس اللبناني ميشال عون، وفي غياب رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، وخلص إلى تكليف مصرف لبنان المركزي باتخاذ سلسلة تدابير وتعاميم مؤقتة بالتنسيق مع جمعية المصارف، وذلك في سبيل المحافظة على الاستقرار والثقة بالقطاع المصرفي والنقدي كما على سلامة القطاع وحقوق المودعين، دون اي انتقاص.

russia-missile-678x381.jpg
18018029/11/2019

نشر المحلل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية رون بن يشاي ما أسماها خطة وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد نفتالي بينت "لإخراج القوات الإيرانية من سوريا"، وهو سيعرضها قريبا على المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، ولو أنها لا تحتاج إلى موافقة الحكومة الإسرائيلية "لأنها لا تؤدي إلى حرب"، بل تتضمن "هجمات عسكرية عنيفة" بدلا من إعتماد "سياسة الكبح". ويعتقد بينت أنه "توجد اليوم نافذة فرصة استراتيجية لانتهاج سياسة عنيفة ضد إيران في سوريا. هذه النافذة نشأت نتيجة الاحتجاجات الاقتصادية في إيران نفسها، وفي العراق ولبنان".

مع-الدرزي-1280x934.jpg

شكلت بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين عبر التاريخ بيئة حضارية متكاملة، مبنية على حيوية التنوع الثقافي والسياسي، مما جعلها في موقع للتنافس والصراع منذ ما يقارب الخمسة آلاف عام بين قوىً إمبراطورية كبرى في العالم القديم، بحكم حساسية الموقع الجيوسياسي لهاتين المنطقتين، ما رسّخ قاعدة أساسية تحتكم إليها كل من الهضبة الإيرانية وهضبة الأناضول ووادي النيل لتحديد الإمبراطورية المهيمنة على الساحة الدولية للعالم القديم.

badguys-1280x854.jpg

على الرغم من مقتل زعيم تنظيم "داعش" السابق أبي بكر البغدادي في بلدة باريشا في ريف إدلب الشمالي، لا تزال منطقة خفض التصعيد الإدلبية تشكل وجهة رئيسية لتوافد قيادات ومقاتلي التنظيم المتشدد، ما يعكس مدى تلاشي الاعتبارات الأمنية في استراتيجية قيادته الجديدة أمام أهمية الأهداف التي تطمح إلى تحقيقها عبر اختراق لهذه المنطقة.

كاس-الخليج-العربي.jpg
18018028/11/2019

ثمة حراك سعودي إستثنائي في منطقة الخليج العربي. ترتيبات لإنهاء حرب اليمن بدور بارز لكل من عُمان والكويت. زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الإمارات تصب في هذا الإتجاه. مشاركة سعودية واماراتية وبحرينية في البطولة الخليجية الكروية في الدوحة. تبادل رسائل إيرانية ـ سعودية. زيارة سرية لوزير خارجية قطر إلى الرياض. ماذا بعد؟

DSC_8849-1280x854.jpg

لم يتأخر "الشارع المسيحي" في الانخراط المباشر في حركة الاحتجاج غير المسبوقة ضد الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان. خرجت الجموع في أكثر من منطقة على امتداد ما كان يعرف في زمن الحرب الأهلية بـ"المنطقة الشرقية"، رافعة مطالب اقتصادية – اجتماعية جامعة. مع ذلك، لا يمكن انكار المحاذير التي يمكن أن تفرزها مرحلة ما بعد استقالة حكومة سعد الحريري، على النحو الذي يبدد وحدة المطالب بين الساحات، لصالح رهانات وإشتباكات سياسية يغلب عليها الطابع الرئاسي، بدليل ما حصل في أكثر من ساحة وآخرها في بكفيا.

حلمي-التوني-1280x884.jpg

“اشتهيتُ بشوقٍ أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألّم. الحقُّ أقول لكَ: إنّك اليوم، وفي هذه الليلة، وقبل أن يصيح الديك مرّتيْن، تكون قد أنكرتني ثلاث مرّات”. هذا ما تنبّأ به المسيح ابن مريم موجِّهاً كلامه إلى بطرس، خلال عشائه الأخير مع تلاميذه في ليلة فصح اليهود، لينطلق وإيّاهم بعدئذٍ إلى جبل الزيتون.

إنّها “قصة الإنكار” الشهيرة التي دارت رحاها في قصر قيافا (في القدس المحتلة) حيث جرت محاكمة يسوع، وشُيِّدت في المكان، في ما بعد، “كنيسة صياح الديك” أو “كنيسة بطرس” الذي كُرِّس قدّيساً بعدما أدّى فعل الندامة بكاءً مُرّاً على معلِّمه، وتوبةً عميقة إلى الربّ. ومغزى قصة الإنكار هذه، شكّل، لقرون طويلة، أحد المواضيع المفضَّلة لرسّامي العالم، وحفره التقليد المسيحي في وجدان المؤمنين “مَعْلماً” مركزياً للّيتورجيا، وأولاه علم النفس الحديث، أيضاً وأيضاً، اهتماماً منظَّماً. فرأت أدوات وتقنيات التحليل النفسي إلى الإنكار، كإستراتيجية أساسيّة اجترحتها الإنسانية للتأقلم مع الشيء الذي يهدّد النفس البشرية، من هنا أسماه سيغموند فرويد “آلية الدفاع”. ولكن لماذا الحديث الآن عن الإنكار وقصته؟

خلال الأربعين يوماً الماضية، أي الفترة التي تفصلنا عن الليلة التشرينية المجيدة، لم نسمع كلمةً تجسِّد الحالة التي تعيشها السلطة اللبنانية برموزها المستهدَفة شعبياً، أفضل من كلمة “الإنكار” لكلّ صيحات الألم التي رافقت مخاض ولادة روح وكرامة شعب لبنان، بعد حمْلٍ دام قرابة نصف قرن. آخر المتشدّقين بهذه الكلمة السحريّة (الإنكار) كان رئيس الحكومة المستقيلة (المخلوعة؟) سعد الحريري، الذي نطق في الساعات الماضية بعد طول صوْم عن الكلام. كاشف الحريري اللبنانيات واللبنانيّين “بأنّ ما يمنع البدء بالمعالجة الجدية للأزمة الوطنية الكبيرة والأزمة الاقتصادية الحادّة التي يمرّ بهما بلدنا، هو أمرٌ أخطر من الأزمتيْن معاً: الإنكار المزمن للسلطة”. قالها الحريري إذاً، في ما يشبه بيان التنحّي المسبق عن قبوله تولّي رئاسة حكومةٍ تنتظرها ساحات الإنتفاضة وطرقاتٌ باتت مرتعاً لقطّاع طرق، قيل إنّ الشقيق التوأم لسعد الحريري وشَبَهَه “المخْلَق منْطَق” هو مَنْ يسيِّرهم بالريموت كونترول، لعلّ نيران الدواليب الطائفية المشتعلة تلتهم، في طريقها، إسم كلّ مَن تسوّل له نفسه التجرُّؤ على أخْذ مقعد شقيقه في السراي الكبير.

إنكاركم يا سادة، يُسمّى في حالتكم، أيضاً، فنّ “تلفيق” الواقع وتحويل الحقائق الصعبة إلى صور غامضة وضبابية

ظنّ رئيس حكومتنا المخلوعة، بأنّه حين يُضمِّن بيانه الوداعي تهمة “الإنكار”، سيرمي بذلك الحُرْم على السلطة التي يُعتَبَر، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، أحد أركانها الأقحاح. تقول العصفورة، إنّ الحريري، وبعد هذا البيان-الاتهام، حاول متذاكياً التنصِّل من مسؤوليته في ارتكاب جريمةٍ موصوفة، ضبطه فيها الثوار اللبنانيون بالميليشياوية المشهودة، يراقص البلد على حبلٍ رفيع فوق وادٍ سحيق، هو ومجموعة من صفوة زعماء الصفّ الأول للسلطة اللبنانية، على وقْع أنغام طبول وصنّاجات النوبة. أردفت تغريدة العصفورة في ما يشبه الهمس، بأنّ حالة هستيريا حقيقية يعيشها حكّام لبنان بصمتٍ مؤلم جعلتهم يتّفقون، وفي عزّ خلافاتهم على تناتش جيفة الدولة، على زيارة أهمّ طبيب عرفه الطبّ العصبي، البروفسور سيغموند فرويد المشهور بعلاجه عن طريق الحوار بين المريض والمحلّل النفسي.

وبعد دلعٍ طويل لابنها الأصغر الذي أصرّ على “أنّه هو ولا أحد غيره” سيبادر إلى شرح عوارض مشكلتهم للدكتور فرويد، دخلت السلطة، أخيراً، عيادة مؤسّس علم التحليل النفسي وصاحب كتاب “العوامل النفسية للهستيريا”؛ صافحهم فرويد، الواحد تلو الآخر، وقال لهم “أنتظركم منذ زمنٍ طويل! أينكم يا جماعة وماذا تفعلون ببلدكم؟ تلعبون لعبة الموت على المكشوف؟! ولكن كيف استطعتم الوصول إلى عيادتي في هذه الأجواء الصعبة!”، ربّت طبيبنا على كتف أحدهم وقال، “نعم فهمت. خفافيش الليل منكن وفيكن، فلنبدأ على الفور”. وبدأت جلسة العلاج الحوارية، فشرح فرويد لمرضاه كيف أنّ الإنكار (الذي تولّى الأصغر سناً منهم أن يفسِّر للبروفسور أنّ عوارضه تلمُّ بهم منذ أربعين يوماً وأكثر) يُعتَبَر مرضاً نفسياً من بين القائمة الطويلة لأمراضٍ تحطّ، عادةً، من قدْر وكرامة النفس البشرية، مثل القلق المدمِّر والاكتئاب والإدمان والساديّة، لكنّنا، أردف لهم فرويد، نصنّف الإنكار بين أكثر هذه الأمراض إثارةً للحيرة، كونه يبدو أقلّها ضرراً وأسمّيه أنا “آلية الدفاع عن النفس”. كيف؟ سأل أحدهم، فأجابه سيّد نظريات العقل الباطن، أنّ الإنكار هو استراتيجية أساسية للتأقلم مع الشيء الذي يهدّد نفسنا وفهمنا لوضعنا في العالم، فعندها نختار هذا الإنكار، أي محو كلّ معلومة في هذا الإطار من ذاكرتنا ووعينا. أنتَ مثلاً، يوجّه كلامه لسائل السؤال، تتبّع مع ناسك وشعبك اليوم، استراتيجية شبه واعية ومتعمَّدة لتجاهل ما لا ترغب في رؤيته في داخلك وفي العالم؛ وأنتم جميعكم، يا حكّام لبنان، لو كنتم تعلمون، تمارسون ما نسمّيه في التحليل النفسي “محو الذكريات”، أي وكأنّ أمراً ما، غضبة الشعب ونبذه لكم على سبيل المثال، لم يحدث نهائياً. أنتم، يردف فرويد والكلّ شاغر فمه منصتاً، تدرّبون أنفسكم على طريقة فلّاحي بولندا وأوكرانيا الذين كانوا يعيشون بالقرب من معسكرات الاعتقال النازية، فدرّبوا أعينهم وعقولهم على عدم رؤية أو شمّ أو سماع أيّ شيء. تقلّلون من أهمية ما يحصل أمامكم وتردّدون في سرِّكم “نحن لا نرى شيئاً ولا نعلم شيئاً”، ورؤية الأشياء دون إدراكها أو تسميتها، هي، ما نسمّيه في علم النفس، استراتيجية العين التي ترى الأشياء دون أن ترى حقيقتها. بمعنى أنّه الرؤية مع عدم الرؤية، ولكنّه تكتيك لا يخلو من السخرية، وهو ما يجعلكم أقلّ شرعية في نظر شعبكم ومحيطكم والعالم المستنير، إنكاركم يا سادة، يُسمّى في حالتكم، أيضاً، فنّ “تلفيق” الواقع وتحويل الحقائق الصعبة إلى صور غامضة وضبابية.

لم أقع طوال حياتي المهنية على مرضٍ شبيهٍ لمرض إنكاركم المستمرّ، يقول فرويد هازّاً رأسه بتأسّف، فحالتكم صعبةُ العلاج

لم أقع طوال حياتي المهنية على مرضٍ شبيهٍ لمرض إنكاركم المستمرّ، يقول فرويد هازّاً رأسه بتأسّف، فحالتكم صعبةُ العلاج، وهي من النوع الثالث للمرض، أي ذاك الذي يتضمّن نظرة محدَّدة جداً بالحاضر، فيرى المرء شيئاً ولكنّه يفشل في إدراك معناه وأهميته. مثلما يحدث في أسطورة الفودو(Voodoo)، أي عندما يكون الزومبي حيّاً وميتاً في الوقت نفسه، فيصبح الإنكار هو شكل المعرفة “الزومبيائي” أو المعرفة الحيّة والميتة، أي شيء نعرفه ولا نعرفه (فكرة سينمائية تشير إلى الشخص الميّت الذي يحيا من جديد ويخرج من القبر). يرتجف بعض الحاضرين غضباً، ويقول مقاطعاً الطبيب: تقصدني أنا بالتشخيص؟ نعم للأسف، يجيب فرويد، الإنكار ليس سمة يتّصف بها الأشخاص فحسب، بل مجموعات مثل العائلات والشعوب والأحزاب. يستطيع بعضها بناء الولاء المتبادل، فقط، من خلال إنكار أمراضها العاطفية وعنفها، وعلى المنوال ذاته، يتمّ بناء النفس لماضٍ عظيم وهويات معصومة من الخطأ من خلال إنكار أفعال العنف التي ارتكبتها. وكما يقول نيتشه، يشرح لهم، إنّ السياسة هي فنّ معرفة الحدّ الذي يجب عنده نسيان الماضي إذا لم يقم بحفر قبور الحاضر، فما نتذكرّه أو ننساه هو أمر بالغ الأهمية في أنظمتنا السياسية الحديثة، ونظامكم اللبناني واحدٌ منها، إذْ هو يمارس الإنكار كسياسة ممنهجة. وبعبارة أخرى، الأمر الفريد من نوعه، بالنسبة لحالتكم كأناس مولجين بحماية ناسكم، هو أنّكم لا تنكرون فقط العنف الذي تدفعون زعرانكم وشبّيحتكم، لممارسته ضدّ إخوتهم في الهوية والحاجة والظلم والقهر قمعاً لانتفاضة قضّت مضجعكم وهزّت نفوذكم وأخافتكم أهدافها، بل تعتبرون أنّ الشعب الغاضب والناقم عليكم هو المعتدي. هذا الاستبدال الغريب لدوريْ الضحية والمعتدي، يتململ فرويد مؤذِناً بأنّ الجلسة طالت، هو مثالٌ واضح وكلاسيكي للإنكار الذي يمحو أخطاء الجاني ويتّهم المُعتَدى عليه بالقيام بها، فالإنكار في هذه الحالة ليس خللاً معرفياً، بل إنّه قصور أخلاقي مثير للقلق. كونه قصوراً لا يسمح بمشاركة الواقع مع الآخرين، مثله مثل المقامر الذي يراهن على البيت الذي يعيش فيه أبناؤه، لأنّه مقتنع تماماً أنّه سيفوز، بلا ريب، على مرتادي الكازينو.

ينهض الجميع للانصراف، فينده عليهم فرويد قائلاً: سأعلِّمكم هذا القَسَم قبل مغادرتكم. قولوا معي، “أُقْسِم في هذه الليلة المباركة الهادئة وتحت ضوء النجوم وروعة القمر وأشكال السلسلة المقدّسة، أنّني سأحمي جميع أخوتي، وأنّني على استعدادٍ لأن أذلّ نفسي في سبيل تكوين المجتمع المقدّس. أُقْسِم بأن أتخلّى عن كلّ شيء في حياتي، حتى يصبح الجيل الآتي هو مجتمعي وأسرتي الوحيدة”. ما هذا! أتعلِّمنا قَسَم الولاء الذي يردّده الجندي لدى انخراطه في الجيش؟ استنكر أحد حكّامنا ساخراً، فأجابه فرويد “كلا يا عزيزي، هذا قَسَم الإنضمام إلى المافيا الإيطالية”.

(*) أستاذة في الجامعة اللبنانية

زاهي-1-1280x855.jpg

بعيداً من الهتافات البذيئة والأغنيات المسيئة، وبعيداً من محاولات أخذ الانتفاضة الشعبية اللبنانية إلى مسار آخر خدمةً لأجندات سياسية محلية وإقليمية ودولية معروفة، ولا صلة لها بحقوق اللبنانيين الذين خرجوا وثاروا لاستعادتها من سارقيها، وأيضاً بعيداً من الأفعال الغوغائية التي مارسها البعض ضد المعتصمين هنا أو هناك، أو من بعض السلوكيات  المسيئة عند حواجز قطع الطرقات. بعيداً من كل التصرفات السلبية التي ترافق غضب الشعوب في كل بلدان العالم، والتي يسلط الاعلام الضوء عليها أكثر من سواها، يمكننا التوقف عند حالة وعيٍّ لافتة للإنتباه لدى الجيل الجديد من اللبنانيين.

مَن استمع وأصغى إلى ما يقوله الشباب اللبناني، ومنهم مَن لم يتجاوز بعد العشرين من عمره، سوف يُصاب بالدهشة، لا لانعدام ثقته بالجيل الجديد، بل بفعل صورة نمطية تكرّست طوال سنوات، فحواها أنه جيل هامشي لا يبالي بشيء ولا يهتم لأوضاع بلده، أو أنه جيل يائس محبط، لا همّ له سوى الحصول على جواز سفر وتأشيرة دخول إلى هذه الدولة أو تلك من دول العالم هرباً من دولته التي ظلمته وخذلته وحطمت أحلامه بسبب سوء إدارتها على يد حفنة من اللصوص المتسترين بطوائفهم واللاعبين على الغرائز والعصبيات المذهبية والمناطقية والفئوية.

يستطيع المتابع لوقائع غضبة الشعب اللبناني وثورته على سارقيه بعد نفاد صبره الطويل، تلّمس ملامح الوعي لدى هؤلاء الشابات والشبان الذين تركوا أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم، أو أولئك العاطلين عن العمل أساساً، وذلك خلال ردودهم على أسئلة مراسلي وسائل الاعلام المختلفة (وبعضها كما أسلفنا لعب للأسف دوراً نافراً في أخذ الحراك إلى أمكنة خطرة وبعيدة من هموم الناس وحقوقهم)، أو من خلال الإصغاء إليهم في بعض البرامج التلفزيونية التي اضطرت لتخصيص مساحة لهم بعد أن كانت على مدى عقود منبراً حصرياً للساسة إياهم الذين ثار عليهم هؤلاء الشباب، والأهم دورهم البارز في حلقات النقاش التي تدور في خيم الاعتصامات، وتُطرَح على بساط بحثها مختلف العناوين والقضايا الشائكة التي تعني اللبنانيين عموماً والأجيال الجديدة خصوصاً.

صحيح، ثمة كثيرون لا يزالون أسرى عصبياتهم الطائفية والمناطقية والحزبية، ثمة دهماء وغوغاء تطلق الكلام على عواهنه، لكن هذا لا يتناقض مع ما ذهبنا إليه. فالخلاص من تركة الماضي الثقيلة ومن إرث الطائفية العمياء لا يتحقق بين ليلة وضحاها. المهم أن ثمة محظوراً تم تجاوزه، ومحرمات تم تخطيها. فالشباب اللبناني كسر حاجز الخوف، ونهض من حالة الخنوع والتردد، وبيّنت له الأحداث أنه قادر على إحداث فارق، وفتح فجوة في جدار التعصب والانغلاق، وملاقاة المختلفين معه أو عنه لأجل حلمه الجميل بوطن طبيعي ودولة عادلة.

كم مرة سمعنا جملة: لا نريد أن نعيش كما عاش أهلنا في الذل والهوان، أو لا نريد الوقوع مرة أخرى في الحرب الأهلية، أو نحن لم نخرج ضد جهة بعينها بل ضد الفاسدين والمفسدين أياً كانوا، فضلاً عن تشخيصهم السليم الواضح الجلي للمعضلة اللبنانية المستعصية على الحل منذ عقود، ورفضهم لمحاولات وضع ثورتهم في وجه المقاومة التي واجهت الاحتلال والإرهاب على السواء، ولا غرابة في ذلك.

لمخاطبة جيل اليوم والتحاور معه، تلزم لغة جديدة غير متكلّسة، تنفذ إلى باطن وعيه وتلامس وجدانه عِوَضَ تلك اللغة المحنطة التي دأب السياسيون على تردادها في كل مناسبة

جيل اليوم بات أكثر وعياً وإدراكاً، لأسباب كثيرة منها الانفتاح الهائل الذي وفرته التكنولوجيا الحديثة والميديا البديلة بحيث صار عارفاً ومدركاً لكل ما يدور من حوله في هذا العالم. إنه يشاهد بأمّ العين، أو بأمّ الموبايل (!) كل ما يحدث على وجه البسيطة. يرى كيف تحيا الشعوب وتدار الدول وتتقدم المجتمعات، لذا لم تعد تجدي معه المسكنات والمهدئات والوعود العرقوبية، والشعارات الفضفاضة التي يطلقها المسؤولون ولا تعدو كونها حبراً على ورق أو كلاماً في الهواء.

لمخاطبة جيل اليوم والتحاور معه، تلزم لغة جديدة غير متكلّسة، تنفذ إلى باطن وعيه وتلامس وجدانه عِوَضَ تلك اللغة المحنطة التي دأب السياسيون على تردادها في كل مناسبة، وهي لا تُسمِن ولا تغني من جوع. لغة جديدة أساسها الصدق والشفافية وعدم اللعب على الغرائز والعصبيات، أو محاولة التعمية على جوهر الأزمة التي يعيشها لبنان، وأخذ حماسة الشباب واندفاعهم إلى مطارح لا علاقة لها بوجعهم وبأحلامهم الجميلة النبيلة، بل على العكس تماماً الذهاب معهم إلى حيث أحلامهم وإشراكهم في إدارة الدولة والحكم كي يحققوا تلك الأحلام. بغير ذلك، ستبقى الهوة واسعة بينهم وبين كل مَن يحكمهم أو يخاطبهم ويسعى لجذبهم إلى ناحيته.

ولئن كان جيل الأباء قد أصيب بالإحباط والانكسار والخيبة بعد أن خاض حروباً وعاش أهوالاً، وضاعت تضحياته في أزقة الطائفية وزواريب المذهبية، وعلى مذبح الصراعات الإقليمية والدولية التي جعلت وطنه ساحة لتصفية الحسابات، فإن على الجيل الجديد، الذي لا تزال أحلامه حيةً حُرَّة نضرة، التعلّم جيداً من تجارب أسلافه، وعدم السماح لأحد بتمييع ثورته وتضييع حقوقه في متاهات المذهبية والطائفية، ولا بحرقها في أتون الصراع الإقليمي والدولي المدمر، وأن يبقى يقِظاً كي يفوِّت الفرصة على محاولي سرقة أحلامه كي لا يُصاب بما أصيب أسلافه به.

وحدة المطالب الشعبية هي الأساس الصلب الجامع لكل اللبنانيين. وبما أن البداهة تقول إن الجيل الجديد (وكل جيل) ليس كتلة صمّاء ولا جماعة واحدة متجانسة، من الطبيعي أن لكل مجموعة منه آراءً وأفكاراً وأيديولوجيات مختلفة ومتباينة، لذا تبدو وحدة المطالب (وهي أصلاً حقوق بديهية) صمام الأمان لوحدة الناس الذين هبّوا وثاروا، وضمانة استعادة الحقوق من سارقيها. أما القضايا والعناوين الخلافية الكبرى بين اللبنانيين فيمكن طرحها على بساط حوار حريص وواعٍ يكون عنصر الشباب جزء محوري منه.

بغير وحدة المطالب (الحقوق) يُخشى أن يبقى الشعب اللبناني عالقاً بين فكّي سارقي ثروته وسارقي ثورته!