بوتين يمسك عصي الشرق الأوسط… من دمشق

غالباً ما يُنظَر إلى زيارات فلاديمير بوتين المفاجئة على أنها تحرّك سريع تمليه تغييرات حساسة في السياسة الخارجية. ضمن هذا الترابط الملحوظ، وُضعت الزيارة الرئاسية الروسية إلى سوريا، منذ اللحظة الأولى التي بثت وكالات الأنباء الروسية خبرها بصفة "عاجل".

الزيارة لم تكن معلنة، لكن ثمة الكثير مما يدفع إلى الاعتقاد بأنها كانت معدّة سلفاً، ربطاً بالحركة السياسية المخطط لها من قبل الرئيس الروسي منذ أشهر، ابتداءاً من زيارته لاسطنبول، التي وصل إليها مباشرة من دمشق، والتي سيجري خلالها محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على هامش تدشين مشروع “تورك ستريم”؛ مروراً بلقائه التالي مع المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وصولاً إلى زيارته المرتقبة  – وإن وضعتها التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط في سياق الزيارة المحتملة – لإسرائيل.

لكن تزامن زيارة بوتين إلى سوريا مع التوتر المتزايد في الشرق الأوسط له تأثير قوي، وليس المقصود هنا التطوّرات الجارية على الجبهة الأميركية-الإيرانية فحسب – وإن باتت تحتل رأس الأولويات الاستراتيجية منذ ليل الثاني من كانون الثاني/يناير –وإنما أيضاً الاضطرابات الإقليمية الممتدة على الخريطة الجيوسياسية من طرابلس الغرب إلى إدلب.

من هذه الزاوية يمكن وضع زيارة بوتين ضمن إطار استثنائي، لا سيما في ما حملته من رسائل أراد الرئيس الروسي توجيهها على أكثر من جبهة: سوريا، تركيا، إيران، والولايات المتحدة.

 

رسالة “سورية”

أولاً، هي رسالة “سورية”، تعيد التأكيد على أنّ التحالف الوثيق بين الدولتين ثابت، ولن تؤثر فيه المتغيرات التي يمكن أن تفرضها متغيّرات متصلة مباشرة بالصراع على سوريا، الذي صار اكثر تعقيداً منذ باتت أجزاء واسعة من أرضها ميداناً للعبة شطرنج معقّدة بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وايران وإسرائيل، أو  حتى تغيّر الموازين الشرق أوسطية الذي أفرزته “الخطوة المتهوّرة”، وفق التوصيف الروسي، التي قامت بها الولايات المتحدة باغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، والذي دفعت فيه الشرق الأوسط برمّته إلى حافة الهاوية.

على هذا الأساس، وفي ضوء الأحداث الأخيرة، كان من المهم للغاية بالنسبة لفلاديمير بوتين أن يشعر الرئيس السوري بشار الأسد باستمرار الدعم الروسي، وبأن المسار الذي بدأ منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا في نهاية شهر أيلول/سبتمبر من العام 2015 لا يمكن عكسه.

كان من المهم للغاية بالنسبة لفلاديمير بوتين أن يشعر الرئيس السوري بشار الأسد باستمرار الدعم الروسي

بعض تفاصيل الزيارة تبدو كافية لفك تشفير الرسالة البوتينية. لقد اختار الرئيس الروسي أن يهبط في مطار دمشق، وليس في قاعدة حميميم كما حدث في زيارته السابقة في العام 2017. أصرّ على التجوال في الشوارع الدمشقية، وحرص على زيارة المسجد الأموي، حيث قدّم نسخة من القرآن تعود إلى القرن السابع عشر، بجانب قبر يوحنا المعمدان حيث ترك بعض كلمات في سجل الزوار، وكاتدرائية السيدة العذراء حيث قدم بوتين أيقونة والدة الإله.

هذه التفاصيل الرمزية تقاطعت مع تأكيد بوتين على الاستقرار الأمني الذي تحقق في سوريا، ولا تغيّر فيها بعض الملاحظات السطحية التي حاول البعض من خلالها التشويش على الرسائل البوتينية، من قبيل الإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت انتقال الرئيس الروسي من سانت بطرسبورغ، حيث شارك في قدّاس ليلة الميلاد، وفق التقويم الارثوذكسي الروسي، أو انعقاد اللقاء في مركز المصالحة الروسي في دمشق.

ولكنّ تثبيت فكرة الاستقرار الامني لا تكفي وحدها لكي يصر بوتين على ما يمكن اعتباره “مخاطرة” في الوقت الذي تدق فيه طبول الحرب في الشرق الأوسط.

التصعيد الأخير هو الأساس الذي يجعل جدول اعمال المحادثات الروسية – السورية، على هذا المستوى، تتركز، وفق المنطق، على ثلاث قضايا: البحث في العملية العسكرية في ادلب في ظل تعقد الصراع في الشمال السوري؛ التعامل مع المتغيرات الجديدة على خط واشنطن – طهران، خصوصاً  في ظل الغموض الذي يحيط بمستقبل القوات الاميركية في العراق، وهو ما ينسحب سلباً أو إيجاباً على القواعد الأميركية في سوريا؛ وامتداداً لما سبق، البحث في كيفية تحييد سوريا، التي تحوّلت إلى قاعدة ارتكاز للسياسة الخارجية الروسية، عن المواجهة الإيرانية – الأميركية المحتملة.

رسالة “تركية”

ثانياً، هي رسالة “تركية”، أراد الرئيس الروسي من خلالها استباق لقائه المرتقب مع رجب طيب أردوغان بالتأكيد على أن إصرار روسيا على أن تظل تركيا شريكة في التسوية السورية لا يمكن يناقض الوجهة الروسية التي تكرّست منذ العام 2015.

يأتي ذلك، في الوقت الذي يبقى فيه الموقف التركي ملتبساً في ما يتصل بتنفيذ اتفاقات سوتشي (2018)، التي تعد امتداداً لـ”مسار آستانا”، وهو إطار التنسيق الذي أوجدته روسيا نفسها، وجعلته المرتكز لتحقيق الاستقرار في سوريا – وعلى نقاط أوسع في الشرق الأوسط – من خلال الشراكة مع ايران وتركيا، من خلال آلية “الترويكا الضامنة”.

وإذا كان الجانب الروسي قد عبّر مراراً وتكراراً عن شكواه من التسويف التركي في تنفيذ التفاهمات المتصلة بإدلب على وجه الخصوص، فإنّ لدى بوتين الكثير من الأوراق التي يمكن أن يضعها أمام أردوغان في لقائهما المرتقب، وقد يكون أهمها التركيز على القواسم المشتركة التي جعلت أنقرة تتجاوز الخصومة السياسية التقليدية مع طهران، وتعرب عن دعم واضحٍ لها بعد اغتيال قاسم سليماني.

بهذا المعنى، ستكون المهمة الأولى لبوتين في اسطنبول وضع اردوغان امام حقيقة أن النهج الأميركي المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط يجب أن يُواجَه بالحفاظ على “مسار آستانا” وتعزيزه، لا سيما أن المسار نفسه هو موضع استهداف مباشر من قبل إدارة دونالد ترامب.

ولكن تعزيز “مسار آستانا” لا شك أنه يتطلب من جانب اردوغان الحصول على تطمينات، تجعله يحقق مكاسب استراتيجية قد تتعارض مع التوجهات الروسية في سوريا، ومن هنا يمكن تحديد فحوى رسالة بوتين الدمشقية بأنّ ثمة خطوطاً حمراء  لا يمكن تجاوزها في الميدان السوري، أياً كانت متطلبات المرحلة.

ومن الجائز أن يقدّم بوتين لمضيفه التركي مقترحات بديلة للحفاظ على “مسار آستانا”، قد تتخذ شكل ضمانات امنية وسياسية توفّر لتركيا بعض المكتسبات غير المتعارضة مع الاستراتيجية الروسية في سوريا.

من الجائز أن يقدّم بوتين لمضيفه التركي مقترحات بديلة للحفاظ على “مسار آستانا”

وربما يشمل ذلك التوافق على تفاهمات تتجاوز حتى الميدان السوري، لتصل إلى الميدان الليبي، خصوصاً أن ثمة مصلحة مشتركة قد ينطوي عليها التحرك التركي الجديد في شمال افريقيا، الذي يمكن أن تنظر إليها روسيا من زاوية التشويش –  أو حتى التخريب – على المخططات الاميركية  المتصلة بقطاع النفط والغاز في شرق المتوسط، والتي لا يمكن فصلها على الصراع الأكبر بين موسكو وواشنطن في مجال الطاقة، وخصوصاً أن اردوغان سيسعى بالتأكيد الى الاستفادة من استضافة نظيره الروسي لتشديد موقفه في أية مبادرات كتلك التي يحملها وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، الذي سابق بوتين إلى اسطنبول، حاملاً معه نتائج الاجتماع الأوروبي الاستثنائي بشأن ليبيا.

… ورسالة “أميركية”

أما ثالث الرسائل البوتينية من الزيارة الدمشقية فـ”أميركية” بامتياز. صحيح أن الكرملين يحاول التقليل من الفرضيات والتكهنات حول الخطط الروسية في حالة نشوب صراع جديد في الشرق الأوسط، إلا أن الجولات المكوكية للرئيس الروسي تشي برسالة حاسمة للأميركيين، وهي أن روسيا لا يمكنها البقاء بعيداً… لأنها موجودة بالفعل!

على هذا الأساس، فإنّ زيارة بوتين لا يمكن وضعها إلا في سياق رسم “خط أحمر” روسي للولايات المتحدة في حال قررت الذهاب بعيداً في المواجهة مع إيران، أو في حال آلت مغامرة اغتيال سليماني إلى حرب شاملة، إذ   تبدو روسيا في هذا الإطار حاسمة في موقفها بأنه أياً كانت سيناريوهات الحرب والسلم في المنطقة، فإنّ من غير المسموح على الإطلاق المس بالمكتسبات الاستراتيجية التي تحققت في سوريا، التي تحولت إلى قاعدة إقليمية – والآن دولية – للنفوذ الروسي.

ينسحب ذلك أيضاً على التعامل الروسي مع المغامرات الإسرائيلية في سوريا، حيث يسعى بوتين، خلال زيارته المرتقبة إلى تل أبيب، لوقف الاستفزازات الجوية الاسرائيلية، من خلال تفاهمات تضمن تهدئة مستدامة في خضم حالة التوتر السائدة.

تأتي الزيارة للرد على تنظيرات غربية تقول إن اغتيال سليماني من شأنه أن يقوّض السياسة الروسية في الشرق الأوسط

امتداداً لذلك، تأتي الزيارة للرد على تنظيرات غربية تقول إن اغتيال سليماني من شأنه أن يقوّض السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وأن يجعل بوتين مربكاً في التعامل مع الأمر الواقع الجديد.

تنطلق هذه التنظيرات من أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة سيقود إلى زعزعة التوازن الجغرافي السياسي الذي تدخلت روسيا في سوريا للحفاظ عليه، وهو ما يريد بوتين منعه بمساعدة القادة الأوروبيين، وتحديداً مع أنجيلا ميركل وايمانويل ماكرون.

ومع ذلك، لا يستطيع بوتين استبعاد احتمال نشوب حرب شاملة، ربما تكون نتيجتها إلحاق الهزيمة بإيران، وفي هذه الحالة، سيحتاج الرئيس الروسي إلى استبدال “محور المقاومة” في سوريا، ويجعل بالتالي تركيا الخيار الممكن الوحيد أمامه، وهو أمر لا يبشّر بالخير بالنسبة إلى الرئيس بشار الأسد، خصوصاً إذا ما اضطر الرئيس الروسي، من أجل إرضاء أردوغان، إلى التخلي عن دعم الأسد، وهو  سيناريو يمكن القول أنه بات مستبعداً بشكل مطلق منذ اللحظة التي وطأت فيها قدما بوتين أرض مطار دمشق.

كل هذه الرسائل تشي بأن  بوتين قد حسم مقاربته للمتغيرات المعقدة التي بدأت تفرض نفسها على امتداد الشرق الاوسط:

إذا كانت التسوية الإيرانية – الأميركية ممكنة (وإن كانت احتمالاتها ضئيلة) فيمكن لروسيا أن تواصل ترتيب خريطة نفوذها.

وأما إذا كانت الحرب هي الخيار الوحيد، فالحل الوحيد هو في  ازالة ما يمكن أن يواجه المسار الروسي من ألغام مزورعة في “صراعات الآخرين”، وبالتالي السعي لتحويل السلبيات إلى إيجابيات، خصوصاً أن تجربة السنوات العشرين الأخيرة  كرّست قاعدة ثابتة في   سياسة بوتين، لخصها الصحافي الألماني مايكل ستورمر يوماً بالقول إن “بوتين قد أدرك الحلم المحبب لأكثر القادة العسكريين الأذكياء عبر التاريخ: أن يفوزوا من دون أن يخوضوا الحرب”.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free

180Post