

نعم، لو كان بين الحضور شبيه، ولو مجرد شبيه، بالعملاق مُنتظر الزيّدي لكان برّاك قد ارتدع من تلقاء نفسه.
للتاريخ، وحرصاً منَّا على مخاطبة أجيالنا الشابة بما يحترم عقلها ويصون كرامتها لكي تطلع على حقائق وطنها، نُذكّر أن الأستاذ مُنتظر الزيّدي هو صاحب أبرز وأقوى وأشجع وأنظف وأذكى إفتتاحية رأي في تاريخ الصحافه في العالم أجمع.
نعم، مُنتظر الزيّدي، الصحافي العراقي المغمور، قرَّر إذلال دولة الولايات المتحدة ورئيسها المجرم التافه جورج بوش الإبن، إنتقاماً لوطنه العراق الذي دمره الأميركيون بوحشية من نوع وحشية إسرائيل، فاستفاد من اللقاء الخاطف الذي أجراه بوش مع الصحافه- في ختام زيارة الوداع (14 كانون الثاني/يناير 2008) بمناسبة انتهاء ولايته الرئاسية الثانية- ورماه بحذائه مرتين، وفي اتجاه رأسه مباشرة، كعقاب من مهد الحضارات، بلاد ما بين النهرين، وباسم سُومر التي بها بدأ التاريخ الجليّ، وباسم أكاد وسرجونها، وباسم نبوخذنصر وشرائع حمورابي، إذ لا تفي الكتابة لوحدها بانزال العقاب على جرائم تتجاوز حدود كل الجرائم الشريرة.
هكذا صوَّب أستاذنا المُبدع، صاحب العقل الراجح والفكر الثاقب، والقلب الكبير المقدام مُنتظر الزيّدي، أستاذ الأجيال الجديدة وتلك التي لم تُولد بعد. هكذا صوَّب سهم الكرامة والمهنة الإعلاميه الصحيحة، فأصمى إذ رمى. ما قيمة الإعلام إذا ما جُرّدَ من الإنسانية والكرامة والوطنيه؟
كان وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت قد سبق برّاك في استخدام مصطلح “حيوانات” عندما وصف الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية”، فاستندت إلى ذلك محكمة الجنايات الدوليه، وأصدر نائبها العام كريم خان القرار التاريخي بمذكرة توقيف بحقه وبحق رئيس حكومته بنيامين نتنياهو – في حين أن محكمة العدل الدوليه برئاسة (ن.س) تجنّبت وصف ما يفعله التوحش الإسرائيلي في فلسطين بالإباده..”الإباده” وهو المصطلح الحقوقي-السياسي-الدعائي الذي يُرعب إسرائيل بحيث تشترط على دول “الاتحاد الشرير” عدم استخدامه على الإطلاق حتى حين يضطرون، لسبب أو لآخر، أن ينتقدوا إسرائيل بقدر ولو خجول من الشدة اللغويه.
“عارض كيكونن”
ثمة أمران شجّعا هذا الموفد، ذو السمعة الشخصية الوسخة، على التطاول على الإعلاميين اللبنانيين، ووصفهم بالحيوانات:
1 – لقد درجت العاده أن يتجنب الإعلاميون اللبنانيون طرح أسئلة مُحرجة على المسؤولين الغربيين. وفي هذا المجال يُمكن إعطاء آلاف مؤلفة من الأمثلة، نختصرها بمثلٍ واحدٍ وهو تجنب إعلامُنا إزعاج المسؤولين الفرنسيين بأي سؤال عن تماديهم في أسر المناضل الرمز جورج ابرهيم عبدالله- وعلى مدى 41 سنه بالتمام والكمال. خلال هذه الفترة تردَّد على بيروت العشرات من المسؤولين الفرنسيين، وفي مقدمتهم خمسة رؤساء، هم: فرنسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وعمانويل ماكرون، ناهيك عن العشرات من الوزراء الفرنسيين.. والعقل العادي الطبيعي في الغرب يفسر ذلك على أن الدولة اللبنانيه لا تحترم مفهوم المواطنية. وهذا يعني أنها لا تهتم بشعبها ولا تحترمه، وبالتالي لا تحترم نفسها ولا تستحق أي احترام من زوّارها الذين يشجعونها في الكثير من الأحيان على الإساءة إلى شعبها.. تماماً كما هو حاصل الآن في موضوع نزع سلاح المقاومة وتجريد لبنان من أي وسيلة للدفاع عن نفسه…
2 – لقد تجرأ برّاك على توجيه الإهانة من على منبر الرئاسه اللبنانيه لإدراكه الكامل بأن حُكام لبنان؛ الأكثرية الساحقة الماحقة منهم؛ مُصابون بعارضٍ عُضال يدعى “عارض كيكونن”.
وكيكونن هو الإسم الثاني لرئيس فنلندا الأسبق، أورهو كيكونن، الذي شغل منصب الرئاسه لمدة تجاوزت الربع قرن (1956-1982)، وقد حسبنا الإشارة إلى هذا “العارض”- آنف الذكر- من قبيل احترام عقول أجيالنا الشابة وصون كرامتها.
تميز حكم كيكونن بمراعات كاملة لأحكام الجغرافيا السياسية، ما جعل سياسته الخارجيه متماهية بالكامل مع سياسة الاتحاد السوفيتي طوال عهدي الرئيسين نيكيتا خروتشوف وليونيد بريجنيف. هذا الأمر أثار كراهية وأحقاد دول الاتحاد الشرير؛ يوم كان يحمل اسم “السوق الأوروبيه المشتركه”. فاخترعوا ضدَّه رواية خبيثة وظريفة في آن، بقصد تهشيم صورته في أعين شعوب القارة العجوز التي كانت ترغب بأن يلعب، هو وبلاده، دور المشتبك مع الجار السوفياتي، تماماً كما هو اليوم حال الصهيوني التافه الأوكرانيفولوديمير زيلينسكي. الرواية تقول الآتي: ذات مرة كان الرئيس كيكونن يستقبل رجال دولة أجانب. وفيما كان يتحادث معهم دخل عليه رئيس ديوانه وهو يرتجف: سيدي، الرئيس بريجنيف على الخط!.. هبَّ كيكونن من مقعده وركض إلى الهاتف وراح يردد كل خمس أو عشر ثواني عبارة “نعم”. دام هذا الأمر زهاء ربع ساعة اكتملت بكلمة “لا”.. وأقفل سماعة الهاتف. فبادره رئيس ديوانه على الفور وقد تضاعف ارتجافه: كيف تقول “لا” للرئيس بريجنيف؟!.. فأجاب كيكونن بهدوء: لقد سألني إن كنت قد تعبت من ترداد “نعم” باستمرار فقلت “لا”.
أصبحت هذه الرواية مادة سخرية دعائية ملازمة لمصطلح “الحال الفنلندية” للدلالة على التبعية العمياء الذليلة للخارج المُهيّمن. ويا ليت يكون لدى المسؤولين اللبنانيين ذرَّة من حكمة ورصانة كيكونن، بدليل أنهم حاولوا، ويحاولون مراراً و تكراراً، انتهاج سياسة تخرج من الجغرافيا. وهم، لغاية اليوم، لا يدرون في أي منقلب ينقلبون، ويظنون أن مصير لبنان منفصل عن مصير فلسطين. يا إلهي.. يا إلهي ما أغباهم!
أرض الوطن لمن يحميها
حُكام لبنان لا يجرؤون على قول “لا” للولايات المتحدة التي تحتقر كل أتباعها ومن يواليها، ما يجعلها تُمعن في دوسهم بلا توقف، فيما هم يدوسون على الدستور تنفيذاً لإرادة الأميركيين. فلا نستغرب أن برّاك اختار منبر القصر الجمهوري لارتكاب فعلته، إذ سُرعان ما حاول “القصر” تبييض صفحة “الضيف”.
من الأحاديث الشريفة حديث جاء فيه: “تجدون في الأكواخ ما لا تجدونه في القصور”.
كم يفرض هذا الحديث نفسه وقد هبَّت سيّدات الجنوب، سيّدات كل لبنان، وأنزلن الإهانة والإذلال بهذا “البرّاك” الصهيوني، وبدولته، فأفهمنه أن لبنان للبنانيين ولن يكون لإسرائيل، وأن زمن حق “المستر واشنطن” في تعيين حُكام لبنان لن يستمر. فعوراتهم هي التي ستُجهز على نظامهم الوسخ. والمقاومة- بمفهومها العريض الذي يتجاوز الطائفة الشيعية ليشمل كل الأحرار- تعني أن لبنان اللبناني لن يسلم لإسرائيل أي ذرة من ترابه.
الله معك يا بيتنا. الله معك يا بيت صامد بالجنوب. هنا الأساس.. هنا البوصله.. هنا الشرعية عند سيّدات الجنوب، سيدات لبنان.. أمهات وزوجات وشقيقات وكريمات المقاومين. إن أرض الوطن هي لمن يحميها.