الفرح بين شوبنهاور وسبينوزا: عندما أيقظني البابا من غفلتي

كيف نجد الفرح في قلب الفوضى الكونية وأوهام العدالة؟ وكيف نكتب الفرح لأطفال أتقنوا الرعب قبل تعلّم الأبجدية؟ بل كيف لكلّ من لامس خراب الإنسانية ألّا يغرق في الكآبة الوجودية؟ إذن، كيف نكتب عن الفرح دون أن تفرّ الكلمات من الدواة؟

بدأت هذه التساؤلات بعد دعوة لطيفة من صديقة إلى دارها في شمالي فرنسا، حيث قدّمت لنا موضوع الفرح ليكون عنوان لقائنا العربي الصغير. وبينما بدا لي أن المجموعة تقبّلت الفكرة ببساطة، تحوّل لديّ الاقتراح إلى فرضٍ منزليّ لا بدّ من إنجازه على أكمل وجه. عدا أن الطرح جاء ليُظهر الشرخ النفسي مع الفرح، فصرتُ كلّما غصتُ في التساؤلات، أحسستُ بالغصّة تكبر.

ثم جاء خطاب البابا لاوون الرابع عشر، خلال زيارته للبنان مؤخراً، ليصبّ الزيت على نار انشغالي. في كلماته وجدتُ صدىً واستكمالًا لانشغالي، برغم حذري من خطابات المؤسسات الدينية على اختلافها. ومع ذلك، حين يقول رجل بهذه القامة، الذي يلتفّ حوله نصف الكوكب — إذا بالغتُ قليلًا — إن اللبنانيين شعب جريء وشجاع و”resilient (أكثر من ترجمة ممكنة)، عندها شعرتُ أنني بدأت أرى نورًا يقودني للخروج من هذا المأزق.

في لبنان، ولا جديد في ذلك، نعيش أزمات تتكسّر عليها أزمات منذ خمسين عامًا أو أكثر. وصرنا، كقول الشاعر:
«وصرتُ إذا أصابني سهمٌ/ تكسّرتِ النصالُ على النصال».

خسائر بشرية، قرى مدمّرة، اقتصاد مسحوق… وجغرافيا ماكرة جعلتنا ندفع من دمنا ومن لحمنا.

***

ولكن تعالوا نتمشّى قليلًا في شوارع بيروت، في منتصف الأسبوع أو آخره، نهارًا أو ليلًا، شتاءً أو صيفًا؛ ستجدون نبضًا يخفق بقوة، غير منتظم، لكنه ينبض، يحيا، ساعيًا إلى الفرح أو النسيان — لا همّ — ساعيًا إلى التقدّم.

وهكذا كان. عدتُ إلى بحثي وأكملتُ فرضي بعد أن تركتُه مهلة. و«بلا قياس ولا تشبيه»، كما وجد نيتشه ضالّته في «العود الأبدي» عند صخرة عادية جدًا في سيلز ماريا، وجدتُ ضالّتي في كلمة قالها البابا، وهي “resilient. والغريب في الأمر أنني كنت أعتبر هذا التوصيف مستهلَكًا وغير جائز، كضمادة تُخفي جروحًا ملتهبة في غياب المضادات الحيوية.

ومن البابا في لبناننا القادر على النهوض بعد كلّ أزمة، إلى نيتشه الألماني في سويسرا، ضعتُ كالعادة في أزقّة فكرية متشعّبة — وخبرتي في الضياع واسعة في المناسبة — كما قال البحتري:
«لم تُضِعْني لمّا أضاعني الدهرُ/ وليس المُضاعُ إلا مُضيّعي». (المُضيّع: الأرض ذات الغلّة).

وكانت غلّتي مروري بـ: سينيكا، مارك أوريل، سقراط وأفلاطون… ثم قلت: لِنفهم الفروقات بين (épicurisme، hédonisme، stoïcisme)؛ بين الرواقية ومذهب اللذّة والأبيقورية. وبعد ذلك عرّجتُ على الصوفية، ومن هناك على مفكّري الأندلس، ثم قلتُ لنفسي: «يا بنت… ركّزي شوي، اكتبي سطرين مثل الخلق».

***

حين ركّزتُ تفكيري، اكتشفتُ أن سبينوزا هو الأقرب إلى تصوّري للفرح، وبالتالي الأقرب إلى قلبي أيضًا.
يبدو في البداية عصيًّا على الفهم: متاهات من التعريفات والعلل والعلل المضادّة. وما أن نلتقط الخيوط الأولى، حتى يفتح لنا الطريق إلى ذواتنا التي طالما تنصّلت منّا.

سبينوزا لا يدعو إلى بهجة الاستهلاك، ولا إلى ضحك لامع بأسنان مبيّضة، ولا إلى سعادة منتفخة بذات صاحبها. إنّه يدعو إلى فرح يكبر بنا ويتواضع معنا. هو ذاك الفرح الذي يُصقل بالمعرفة ويكبر بالقدرة.

وقبل أن نقف على حافة نافذة سبينوزا لنسمع رأيه عن قرب، لا بدّ من المرور على رؤوس الأصابع بغرفة شوبنهاور المظلمة. حاذروا، فمن هناك يبدأ الطريق عادة: من القلق والحزن وثقل العالم. أؤكّد لكم أننا سنخرج بعدها إلى شوارع بيروت الضاجّة بالحياة وبالأمل العنيد.

شوبنهاور كان قادرًا على أن يرى ظلّ الغيمة حتى في يوم بلا غيوم، وهو القائل:

«الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل».
لا مكان عنده للفرح إلا كفاصل موسيقي ضائع بين معزوفتي عذاب. يقول:
«السعادة سلبية الأصل… غياب للألم ليس أكثر».

كان مقتنعًا أن العالم محكوم بإرادة عمياء، وبالتالي كلّ ما نرغبه لا يزيدنا إلا شقاء. ولهذا ينصحنا بطريقة كأنها مأخوذة من دليل نجاة حين تضرب الغارات آلاف الأطنان من البارود:
«اخفضوا توقّعاتكم إلى مستوى الأرض، فلن تتعثّروا بها».

***

بعد هذه الجرعة المُحبِطة، لننتقل، الآن، إلى الجهة الأخرى من مسرح الأفكار، ونطلّ على سبينوزا من نافذته. فإذا به هادئ، منكَبّ على صقل عدساته. وبجانبه رسالة كُتب عليها:
«… وبمعونة حكماء القدّيسين والملائكة، نستبعد ونطرد ونلعن ونُقَتِّل باروخ سبينوزا…».
يرفع رأسه، يبتسم، ويقول عبارته الشهيرة:
«الفرح هو انتقال الإنسان من قدرة أقلّ إلى قدرة أكبر».

هذا الرجل يُعلّمنا كيف نعتني بأنفسنا بكل هشاشتها، فنمشي بها نحو حياة أرقى وأقرب إلى الأخلاق. لقد جعل سبينوزا من الفرح نهجًا لـ”الإتيقا”، أي سبيلًا إلى أخلاق أسمى تُبنى بالمعرفة.
الفرح ممارسة يومية للقدرة على أن نكون، لا انفعالًا عابرًا يلمع ثم يخبو. هو عضلة نُمرّنها فنصير أكثر قدرة على الحياة، برغم أنف الخرائط والبنادق والاقتصاد.

إقرأ على موقع 180  هل يحقّ للأكاديمي تنزيه الذات.. وشيطنة الموضوع؟

يدعونا إلى القدرة على الفرح لرفع الضعف والشك. الإنسان كائن قادر على الفهم، وحين يفهم تزداد قوّته، وبالتالي تزداد بهجته. ويقول:
«كلّما ازداد الشيء إدراكًا، ازداد قدرة».

***

سبينوزا، الفيلسوف اليهودي الأصل، نُبذ من طائفته حين بدأ، في الخامسة عشرة من عمره، بطرح أسئلة أحرجت مجلس الحاخامات. كما كان مناصرًا للديموقراطية، خلافًا للخطّ السياسي المحافظ الذي اعتمده رجالات الطائفة اليهودية آنذاك حفاظًا على مصالحهم.
صحيح أن عائلته حملت تاريخًا في الفرار من العنصرية في أوروبا؛ فقد فرّ جدّه من إسبانيا إلى البرتغال، ومنها إلى هولندا التي كانت تُعدّ آنذاك الأكثر ليبرالية. لم يكن ذلك عائقًا أمامه ليظلّ ناقدًا دقيقًا لا يلين، برغم درايته بالقوانين الصارمة للجالية.

وهكذا وُجد في غرفة صغيرة ذات نوافذ واسعة، يصقل عدساته ويصقل كتابه «الإتيقا»، أحد أعظم ما كُتب في الفلسفة. ضيق المكان عند سبينوزا كان مُلهمًا؛ فقد حوّل العدسات من أداة نظرية إلى رؤية إنسانية ما زالت، حتى اليوم، تضيء الطريق لمن يبحث في الظلام عن السعادة.

وإذا وضعنا شوبنهاور وسبينوزا على طاولة واحدة، سنكتشف أننا، نحن اللبنانيين، نعيش قصة تماهٍ مع شوبنهاور. لسان حالنا يقول له: يا أرتور… نحن المادة الخام لمشروعك الفلسفي.

لكن الحقيقة أننا نستند إلى سبينوزا ونُحيل أمرنا إليه. ننتفض، وننتصب، ونمشي، بل نركض، كي لا تضيع منا أي فرصة لالتهام الحياة.

نحن نتأرجح بين هذين المتنين بازدواجية نُقرّ بها ونتبنّاها بلا حرج. شوبنهاور هو واقع حالنا، وسبينوزا هو القدرة الدافقة فينا لمنع اليأس من أن يتحوّل إلى قانون أو إلى سلطة. وهذه القدرة على الفعل، وعلى الضحك والسهر، وعلى الوقوف بعد كلّ انفجار، هي «جوهر الفرح» نفسه.

بالفرح يُقصد ذلك الانفعال أو الشغف الذي ينتقل فيه الذهن إلى درجة أعلى من الكمال. أمّا الكمال فهو مُدرَّج، والله وحده الكامل، ولذلك لا يطمح إلى شيء، حسب رأي سبينوزا الذي يقول:
«أعني بالواقع والكمال الشيء نفسه».
أي أن الكمال ليس سوى تأكيد جوهر الشيء في الطبيعة.

***

وهنا أستدرك لأُذكّر بأن الله عند سبينوزا والطبيعة شيء واحد. فإلهه بلا قصد ولا غاية. مطابق لقوانين الطبيعة. لذلك لا يمكن أن ننسب إليه ذاتية أو شخصية؛ إنه ليس «شخصًا»، بل الطبيعة ذاتها بما فيها من قوانين ينبغي معرفتها لبلوغ درجة أعلى من الكمال.

وبعبارة أخرى، الطبيعة لا ينقصها شيء، والأشياء فيها كاملة بذاتها. وما يقرّبنا من هذا الكمال هو معرفتنا الدقيقة بقوانينها. وإذا أُسقطت هذه الفكرة على الإنسان، فإن الاقتراب من الكمال يعني الاقتراب أكثر من حقيقة الذات، من ماهيّتها.
والماهية هنا تُفهم باعتبارها الاسم المجرّد لفعل «يكون»، أي جوهر الوجود نفسه.

وينطبق هذا التصوّر على تعريف سبينوزا للحب:
«الحبّ ليس إلا بهجة يصحبها تصوّر سبب خارجي، والبغض ليس إلا حزنًا يصحبه تصوّر سبب خارجي».

***

غلّتي بعد قراءة حيّز صغير من فكر سبينوزا الشاسع هي الآتية: نكتب الفرح لنكون أكثر؛ لنشعر بالبهجة والحب؛ لنختبر الوجود بوجود الآخر. فصون البهجة هو ما يزوّد ذواتنا بالجمال والقدرة، ويُصلح الرابط بيننا، لنبلغ معًا كمالًا حقيقيًا، ولو صغيرًا.

وهكذا أعود إلى السؤال الأول:
كيف نكتب عن الفرح في بلد يتقلّب بين شوبنهاور وسبينوزا؟
شوبنهاور يعلن بثقة: لا جدوى.
وسبينوزا يقول بهدوء: لا، بل جرّبوا!

أما نحن، فنفعل ما يجيده اللبناني دائمًا:
نقول للأول: فال الله ولا فالك.
وللثاني: شو اكتشفت؟ المريخ؟
ونمضي نضحك، ونرقص، ونكمل… فيقتنع الفلاسفة بنا.

نعم، وُلدنا على خطّ الزلازل، ونتعلّم أن نمشي فوقه. فهذا، يا أصدقائي، أكثر ما يمكن أن نفعله: أن نفاجئ الحياة قبل أن تفاجئنا.

Print Friendly, PDF & Email
عبير شاهين

طبيبة وكاتبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  لبنان: التعليم من بعد.. بمناهج القرن الماضي!