الإيرانيون الذين أراد منهم ترامب مهاجمة المؤسسات الحكومية، خرجوا يوم الاثنين الماضي بالملايين ليقولوا له ما لم يكن يتوقعه: «لا أهلًا ولا سهلًا بوعودك»، لأنهم يعلمون جيدًا أن سبب المشاكل الاقتصادية التي يتعرضون لها هو انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الموقّع عام 2015، وفرضه عقوبات اقتصادية مجحفة بحق إيران شعباً ودولةً. وهم يعلمون أيضًا أن الهجوم الذي قاده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد إيران لم يكن ليحدث إلا بموافقته، وأن الطائرات الأميركية التي انطلقت من داخل الأراضي الأميركية لضرب المنشآت النووية السلمية في إيران لم تنطلق إلا بإذنه. فمن العجب أن يطلب ترامب من الإيرانيين الذين ألحق بهم الأذى أن يُصدّقوا وعوده، وأن يفرشوا له السجاد الأحمر حتى تُسال دماؤهم على السجادة ذاتها، وليس خارجها.
هنا يتحمل الفريق الرئاسي في البيت الأبيض المسؤولية. نعم، لقد أخطأ من أوصى ترامب بدعوة الشعب الإيراني إلى ممارسة العنف في مواجهة النظام السياسي، كما أخطأ من قال له إن الشعب الإيراني يجب أن يحب ترامب الذي هاجمهم في يونيو/حزيران الماضي، ووضعهم على اللائحة السوداء، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، استطاع الشعب الإيراني، وبجدارة، تفويت الفرصة وإحباط ما أراده نتنياهو، الذي أقنع ترامب بأن خيار الحرب أفضل من خيار السلام مع إيران. هذا السيناريو الذي حمله نتنياهو إلى واشنطن خلال زيارته الأخيرة ركّز – كما يقول دبلوماسيون متابعون – على أن الحرب على إيران لا يمكن أن تنجح إلا إذا حقّقت أهدافها، ولا سيما هدف اسقاط النظام، وإلا نكون أمام نسخة جديدة من حرب الأيام الإثني عشر، في مطلع الصيف الماضي. وبالتالي، وكما يقول هؤلاء الدبلوماسيون، فإن الشعب الإيراني “متمسك بأرضه وسيادته، ومتماسك بشأن كرامته، ويبقى الطريق الوحيد، وفق هذا السيناريو، هو خلق الفوضى واستغلال التذمر الشعبي الناتج عن المشاكل الاقتصادية، والدفع باتجاه حرب داخلية بين المواطنين والنظام، بدعم إسرائيلي–أميركي، لخلق البيئة المناسبة لتغيير النظام السياسي، وصولًا إلى تقسيم إيران على أسس عرقية وطائفية”.
واستنادًا إلى ذلك، كان من الطبيعي أن يُحمّل المرشد الإيراني الأعلى، الإمام علي خامنئي، رئيس الولايات المتحدة مسؤولية إراقة الدماء التي أُسيلت خلال أعمال العنف التي شهدتها إيران خلال الأيام الأخيرة.
وأمام هذه التراجيديا المتكررة التي ذهب ضحيتها مئات المواطنين، بما في ذلك رجال حفظ النظام، أين تقف إيران؟ وماذا يجب أن يكون الخيار؟
بعد نحو عشرة أيام من الاحتجاجات وأعمال العنف والتخريب التي طالت محالّ تجارية ومؤسسات حكومية، تشير التطورات إلى هدوء نسبي في مختلف المناطق الإيرانية، مع سيطرة القوات الأمنية على الأوضاع، وعودة الحياة، إلى حدٍّ كبير، إلى طبيعتها.
أما الهجوم العسكري الذي لوّحت به الولايات المتحدة، فقد أصبح احتماله أضعف بكثير، كما أن تريّث الأجهزة القضائية في عدم إعدام المعتقلين منح الرئيس الأميركي فرصة ليعلن – على الأقل في هذه المرحلة – أن الهجوم الثاني مستبعد. ويبدو أن واشنطن إما فقدت الأمل، أو أصبحت مترددة جدًا في استراتيجيتها القائمة على «انهيار إيران من خلال تنظيم الاضطرابات والفوضى والحرب الأهلية». فمليارات الدولارات التي صُرفت على هذه الخطة ذهبت هباءً، وكذلك فشلت فشلًا ذريعًا فكرة خلق بديل خارجي لقيادة الاحتجاجات داخل إيران.
وفي ظل هذه الأجواء، لا تزال مشاكل المواطنين على حالها. فالحكومة التي وعدت بمعالجة هذه الأزمات، لم يرَ المواطن حتى الآن مؤشرات فاعلة على وقف تدهور العملة المحلية، أو زيادة القدرة الشرائية، أو انخفاض مستوى التضخم. وهذه العوامل الثلاثة لا تزال قائمة، وهي مشاكل خطيرة وحقيقية للغاية.
ومع عودة الهدوء النسبي الحالي، ثمة فرصة ذهبية أمام أمام السلطات الإيرانية لاتخاذ إجراءات جذرية لحل المشاكل الاقتصادية والهيكلية، وإعادة تنظيم إجراءات الحوكمة، من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية، ومحاربة الفقر والفساد والبطالة، وإقالة المدراء غير الكفؤين أو المتسللين.
ويقول الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان إن أكبر تحدٍّ في السياسة الخارجية والأمن القومي الإيراني هو «التوتر في العلاقات مع أميركا». وبالنسبة للرئيس ترامب أيضًا، فإن تخفيف التوتر مع إيران يُعد من أعقد ملفات سياسته الخارجية. وحل هذه المعضلة يحتاج إلى قرارات كبيرة وجريئة من كلا العاصمتين. ويضيف أن الدبلوماسية هي الطريق الوحيد للسلام «وأي هجوم عسكري أميركي محدود وموجّه لن يجلب إلا مزيدًا من العداء، ولن يحقق شيئًا، أما الهجوم العسكري الواسع ضد إيران فسيُهدد استقرار المنطقة بأكملها بالتأكيد، وسيعرّض حتى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط للخطر. لذلك يجب على أميركا أن تزيل الخيارات العسكرية من على الطاولة، لأن تكلفتها ومخاطرها كبيرة جدًا على الولايات المتحدة وإيران والمنطقة كلها»، ويعتقد موسويان أن واشنطن وطهران بحاجة ماسّة إلى حوار مباشر وجدي وشامل، شرط أن تكون نتائجه مشرفة ومقبولة لكلا الطرفين.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام مفترق حاسم بين مسارين متناقضين: استمرار استنزافها عبر العقوبات والضغوط، أو تحويل لحظة الهدوء النسبي إلى فرصة لإعادة ترتيب الداخل وفتح نافذة واقعية على الخارج، وهذا الأمر شرطه استعداد الخارج لتقديم مقاربة واقعية على قاعدة “رابح/رابح”.. وفي المقابل، تبقى واشنطن مطالبة بمراجعة مقاربتها لإيران، بعدما أثبتت التجربة أن القوة وحدها لا تصنع حلولًا مستدامة. وحده الحوار المتكافئ، القائم على المصالح والاحترام المتبادل، قد يفتح بابًا لتخفيف التوتر وتجنيب المنطقة جولة جديدة من عدم الاستقرار.
( * ) ينشر بالتزامن مع جريدة “الصباح” العراقية
