عباس عراقجي يروي حكاية حرب الـ12 يوماً مع الولايات المتحدة وإسرائيل 

18018018/01/2026
في الطبعة الثانية من كتابه "قوة التفاوض" الصادر عن "دار هاشم" في بيروت (2026)، يُضيف وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى النسخة الأولى من الكتاب فصلاً جديداً يُفصّل فيه أحداث حرب الأيام الـ12 بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة ثانية في حزيران/يونيو 2025. وينشر موقع "180 بوست" أجزاء من هذا الفصل الجديد: 
“كنت في منتصف محادثات مع هاكان فيدان (وزير خارجية تركيا) عندما لمحت ضوءاً لافتاً للنظر من النافذة. وبعد لحظات، دوّت انفجارات متتالية. لا أعلم إن كان قد سمع تلك الأصوات أيضاً. كان يتصل ليخبرني بأن إسرائيل ستشن حربا في أي لحظة، أو ربما لاحقا خلال الأسبوع. لم ينه كلامه حتى ترددت الانفجارات من حولي. شكرتُه سريعاً وأنهيت الاتصال. لقد بدأت الحرب للتو (12 حزيران/يونيو 2025).
اتصلتُ بمكتبي وطلبت عقد اجتماع عاجل لكبار مسؤولي وزارة الخارجية. ثم تواصلت مع الرئيس مسعود پزشكيان، الذي كان في تبريز، وأطلعته على التطورات قبل توجّهي إلى مبنى الوزارة. في الطريق، كانت الأخبار تتوالى، من أسماء الأهداف إلى القادة العسكريين وأساتذة الجامعات الذين تعرّضوا للاغتيال في منازلهم.
عند الساعة الخامسة فجراً، وصلني من وزير خارجية عُمان (بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي) رسالة مفادها أنّ ويتكوف اتصل به ليخبره بأنّ إسرائيل على وشك غزو إيران، بغض النظر عن النصائح الأميركية بالامتناع عن أي عمليات عسكرية. ووفقاً لما قاله السيد البوسعيدي، فقد طلب الأميركيون منه أن يبذل قصارى جهده لإقناع إيران بعدم التصعيد إذا مضت إسرائيل في عدوانها. أجبته: “أخي العزيز، إسرائيل اعتدت قبل ساعة وبدأت الحرب فعلاً. نحن لا نعتقد أنّ هذه الهجمات حصلت من دون ضوء أخضر أميركي. هل تتذكر ويتكوف الذي كان يقول دائماً إنّ إسرائيل لا تُقدِم على أي خطوة من دون موافقة واشنطن”؟
كان فريق الحماية معنا على مدار الساعة، وعند الضرورة كانوا يحموننا بأجسادهم. وضعوا استراتيجيات احترازية وأمنية خاصة أربكت العدو وزادت من مساحة عماه. لا يمكنني أن أروي تفاصيل تلك الإجراءات والابتكارات الآن، لكنها جميعها كانت محفوفة بالمخاطر. كل مكالمة وكل اجتماع كان يُعقد ونحن نضع في الحسبان احتمال سقوط قنبلة أو صاروخ في أي لحظة. وبالطبع، كان المسؤولون الإسرائيليون في تل أبيب وغيرها من المدن يعيشون الخوف ذاته من الصواريخ الإيرانية.
***
بعد يومين أو ثلاثة من اندلاع الحرب، عيّنتُ الدكتور مجيد تخت روانجي، نائب الوزير للشؤون السياسية، قائماً بالأعمال في حال أصاب وزير الخارجية مكروه، منعاً لحدوث أي شلل في عمل الوزارة. واتفقنا على ألا نحضر أي اجتماع معاً أبداً.
في 16 حزيران/يونيو، أرسل إليّ ويتكوف رسالة من نائب الرئيس الأميركي ريتشارد فانس موجّهة لي شخصياً. قال فيها إنه إذا التزمت إيران بالتخلي الكامل عن برنامج التخصيب النووي، فهو مستعد للقاء بي في دولة محايدة. وإلا، فلا شيء يمكن فعله في رأيه، لأن الوقت المتاح للدبلوماسية ينفد. الرسالة كانت تنطوي على تهديد مبطن. وتلك الليلة، بتوقيت واشنطن، كتب ترامب على وسائل التواصل: “يجب إخلاء طهران فوراً”!
في صباح اليوم التالي (17 حزيران/يونيو)، رددتُ على فانس عبر ويتكوف بأن رسالته المهدّدة تُعدّ تمهيداً لمشاركة أميركية مباشرة في الحرب، لا بداية لمفاوضات بناءة أو مثمرة. طالما الهجمات العسكرية مستمرة، لا نرى سبباً لحضور أي اجتماع جديد. الغاية الوحيدة من هكذا اجتماع هي تضليل الرأي العام وإضفاء شرعية على التدخل الأميركي المباشر. ثم، وبالإشارة إلى التقارير عن احتمال تدخل أميركي مباشر، حذّرته من العواقب التي لا يمكن إصلاحها لمثل هذا القرار.
***
في 24 حزيران/يونيو، سافرت إلى موسكو والتقيت بالرئيس فلاديمير بوتين. وما إن خرجت من الاجتماع حتى أبلغني الدكتور تخت روانجي من طهران بأنه، رداً على الهجمات الأميركية على منشآتنا النووية، جرى تفعيل قرار باستهداف قاعدة العديد الأميركية في قطر. فاتصلت فوراً بالشيخ محمد بن عبد الرحمن، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها. كانت تربطنا علاقة ودية، لكنني كنت أعلم أنّ مثل هذا الخبر سيكون صادماً له.
بعد ذلك، توجهت إلى عشق آباد حيث عقدت اجتماعاً ودياً مع وزير خارجية تركمانستان رشيد ميردوف، ثم رافقني بالسيارة حتى الحدود.
قرابة منتصف الليل (ليل 24-25 حزيران/يونيو)، دخلنا الأراضي الإيرانية من معبر باجغيران. وبعد تبديل المركبات، انطلقنا نحو طهران. كانت الحرب لا تزال مشتعلة، وما إن وصلنا حتى طلب مني عناصر الأمن إطفاء هاتفي وإبعاده. كانوا يشتبهون بوجود تهديد محتمل في ظلمة الليل وعلى طريق معزولة. وافقتُ ووضعته جانباً. كنت قد خططت للنوم خلال رحلة العشر ساعات نحو طهران بعد أيام من الإرهاق المتواصل، لكنني لم أستطع. تلك الليلة شنّ النظام الصهيوني هجمات عنيفة على طهران، وكان ردّنا الصاروخي أقوى من أي وقت مضى.
هاتفي كان القناة الوحيدة للتواصل مع المسؤولين، وفي النهاية قرّرت تشغيله. ظهرت رسالة من ويتكوف تقول:
“أبلغتنا إسرائيل بأنها مستعدة لوقف عملياتها العسكرية ضد إيران ابتداءً من الساعة 3:30 بتوقيت بيت المقدس. إذا لم تقع هجمات جديدة من إيران، فلن تكون هناك هجمات جديدة من إسرائيل أيضاً”.
لقد كانت لحظة حاسمة لتثبت الدبلوماسية قدرتها. أمامنا ثلاث ساعات لترجمة نتائج 12 يوماً من الصمود. كل التنسيق اللازم مع الجهات المعنية كان يجب أن يتم بسرعة قياسية. لكن في أحلك ساعات الليل، ومع ظروف الحرب التي تجعل تحديد مواقع المسؤولين أمراً صعباً حتى في النهار، بدا الأمر شبه مستحيل.
***
فعّلتُ ضابط المناوبة في الوزارة، وبدأت أنا شخصياً الاتصال بالأرقام الخاصة التي أملكها. كان القرار على أعلى مستوى في الدولة واضحاً: لا نقبل وقفاً مشروطاً لإطلاق النار، لكن إذا طلب العدو وقفاً غير مشروط، نقبل به. ومع ذلك، كنت بحاجة لمعرفة آخر المستجدات بعد غيابي عن طهران عدة أيام.
كان مركز العمليات في حالة اضطراب، وكنت أجرب الأرقام واحداً تلو الآخر، والوقت يمر بسرعة. قرأت رسالة ويتكوف مجدداً ونظرت إلى ساعتي. 3:30 بتوقيت القدس يعادل الرابعة فجراً بتوقيت طهران. وأخيراً، عند 2:30 فجراً، نجح أول اتصال. نقلت الرسالة وتلقيت التأكيد بأن موقفنا لم يتغير. قلت إنني سأنتظر حتى الثالثة تحسباً لحاجة لمزيد من المشاورات.
انتظرت حتى الثالثة، ولم يأتِ جديد. أرسلت الرسالة التي أعددتها مسبقاً إلى ويتكوف:
“نحن لا نقبل وقف إطلاق النار ولا وقف العمليات. لكن ليست لدينا نية لمواصلة ضرباتنا بعد الساعة الرابعة فجراً بتوقيت طهران. القرار النهائي سيتخذ لاحقاً”.
ردّ ويتكوف فوراً وشكرني، وقال إنه سيبلغ الإدارة الأميركية والإسرائيليين.
تمت اتصالات إضافية عند 3:30 و4 فجراً، أكدت الموقف ذاته. وبعد إعلاننا وقف العمليات، بدأت أراجع الأخبار التي كانت تتوالى.
كانت هناك ادعاءات غريبة، من حديث عن مفاوضات وقف إطلاق نار إلى مزاعم بأن إيران طلبت وقفاً للنار وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق! لم يعد الصمت خياراً. فخرجت على منصة X وكتبت:
“كما أعلنت إيران مراراً، إسرائيل هي التي شنّت الحرب على إيران، وليس العكس.
حتى الآن، لا يوجد أي، أكرر أي، اتفاق على وقف إطلاق النار أو وقف العمليات العسكرية. لكن، بشرط أن يوقف الكيان الإسرائيلي عدوانه غير القانوني على الشعب الإيراني قبل الساعة الرابعة فجراً بتوقيت طهران، فنحن لا نعتزم مواصلة ردّنا بعد ذلك.
القرار النهائي بشأن وقف عملياتنا العسكرية سيُتخذ لاحقاً”.
وبعد الساعة الرابعة وتوقف العمليات من الطرفين، نشرت تغريدة جديدة:
“عمليات قواتنا المسلحة الباسلة لمعاقبة إسرائيل على عدوانها استمرت حتى آخر دقيقة، عند الساعة الرابعة فجراً.
وبالنيابة عن جميع الإيرانيين، أتوجه بالشكر لقواتنا التي تبقى جاهزة للدفاع عن وطننا حتى آخر قطرة دم، والتي ردت على أي هجوم حتى اللحظة الأخيرة”.
بعد التغريدة الثانية، تنفستُ الصعداء. كان وقت صلاة الصبح. توقفنا عند محطة وقود على الطريق”.
(*) وقع وزير خارجية إيران عباس عراقجي النسخة الثانية من كتابه “قوة التفاوض”، الصادر عن “دار هاشم” في بيروت، في احتفال أقيم في فندق “كراون بلازا” في بيروت تخللته ندوة دعت إليها جريدة “الأخبار” و”دار هاشم”، وتخللها حوار مع الضيف الإيراني أداره رئيس تحرير جريدة “الأخبار” اللبنانية إبراهيم الأمين. 
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  احتجاجات الأردن وأساسيات الوعي.. المُضحك المُبكي
180

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  احتجاجات الأردن وأساسيات الوعي.. المُضحك المُبكي