من يفوز بغرينلاند.. وهل يملك الأوروبيون أوراقًا رابحة؟

في صباح بارد على شاشات وول ستريت، تبدو القصة كأنّها إعادة عرض لفيلم قديم، ضجيج سياسي، تهديدات جمركية، ثم تسوية في اللحظة الأخيرة. المتعاملون الذين عاصروا 2019 يتذكرون كيف قفز اسم غرينلاند إلى العناوين ثم تراجع إلى الهامش، وكيف تعاملت الأسواق مع الأمر كفقاعة كلامية أخرى في قاموس التفاوض الخشن. كثيرون، اليوم، يشعرون بالسيناريو ذاته، “مساومة تجارية” على طريقة دونالد ترامب، سقف مرتفع ثم هبوط منظم، وربما صورة تذكارية لصفقة ما.

غير أنّ ما يقرأه صانعو القرار في أوروبا- ومعهم عدد متزايد من مراكز الدراسات التي تتابع تحولات القوة الاقتصادية والجيوسياسية- هو شيء أكثر كآبة وأشد صلابة. غرينلاند، في الحسابات الأمنية، ليست قطعة أرض بعيدة تصلح لخطاب انتخابي، بل نقطة ارتكاز في مسرح القطب الشمالي الذي أصبح، في السنوات الأخيرة، واحداً من أكثر مسارح العالم حساسية، طرق بحرية تتغير بفعل ذوبان الجليد، تنافس على المعادن والطاقة، واقتراب عسكري متزايد بين روسيا والغرب، وقلق متصاعد من تمدد الصين في “الشمال البعيد” عبر الاستثمار والبنى التحتية والبحث العلمي. وفي قلب ذلك كله، يقف الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة- القائم منذ عقود- دليلاً على أنّ الاهتمام ليس وليد تغريدة ولا مزاج دورة أخبار.

هنا يصبح الفارق بين “التجارة” و”الجغرافيا السياسية” أكثر من مجرد تلاعب لغوي. التعريفات الجمركية، في القراءة الأوروبية، ليست الهدف بل الأداة، وسيلة ضغط لانتزاع تنازل سيادي أو إعادة تشكيل نفوذ. فكرة تؤرق بروكسيل منذ سنوات. ليتوانيا اختبرت ذلك حين وجدت صادراتها تُحاصر بفعل خلاف سياسي مع بكين، وأوروبا كلها عايشت النسخة الأكثر قسوة مع موسكو حين تحوّل الغاز إلى ورقة ابتزاز. من هنا خرجت قناعة تتكرر في أوراق بحثية أوروبية: إذا لم يمتلك الاتحاد الأوروبي القدرة على الردع الاقتصادي، فسوف يُستدعى دائماً إلى طاولة المساومة وهو أعزل.

في بروكسيل، بُنيت خلال الفترة الماضية آلية صُممت لهذا النوع من السيناريوهات، “أداة مكافحة الإكراه”. الاسم يبدو بيروقراطياً، لكن مضمونه سياسي بامتياز، إذا اعتبرت المفوضية ودول الاتحاد أنّ طرفاً خارجياً عندما يستخدم الضغط الاقتصادي لإجبار أوروبا-أو دولة عضو فيها-على تغيير قرار سيادي، على الاتحاد أنْ يرد بإجراءات عقابية واسعة ومتدرجة. ليست “عقوبات” بالمعنى التقليدي فقط، بل إجراءات تستغل ما تملكه أوروبا فعلاً، قوة السوق، وحق الدخول إليه، وشروط المنافسة داخله.

في نهاية الأمر، قد لا تنتهي القصة بين أميركا وأوروبا بحرب تجارية شاملة ولا بـ”استحواذ بالقوة” بالمعنى المباشر الذي توحي به العناوين الأكثر تطرفاً. قد تنتهي بتسوية تسمح لكل طرف بأنْ يدّعي النصر، تنازلات صغيرة، تعهدات غامضة، أو تفاهمات أمنية تُغلف بلغة التعاون. لكن حتى في أفضل نهاياتها، ستترك القصة أثراً، أوروبا ستخرج أكثر اقتناعاً بأنّ السوق ليس مساحة تبادل فقط، بل مساحة ردع؛ وواشنطن ستكتشف أنّ الضغط على الحليف لم يعد لعبة بلا ثمن

وفي الكواليس الأوروبية، كما يروي دبلوماسيون وخبراء مقرّبون من نقاشات السياسة التجارية، الفكرة ليست الانتقام لمجرد الانتقام، بل بناء تهديد قابل للتصديق يمنع الابتزاز قبل وقوعه. لكن الإشكال هنا أنّ التهديد، كي يُصدَّق، يجب أنْ يكون مؤلماً بما يكفي. وهذا يقود مباشرة إلى الأهداف الأكثر حساسية في العلاقة عبر الأطلسي، شركات التكنولوجيا والخدمات الأميركية التي تحولت أوروبا إلى أحد أكبر أسواقها، والتي لا تقف أرباحها على رفوف السوبرماركت بل على تراخيص، ومشتريات حكومية، وعقود خدمات، وبنى سحابية، وإعلانات رقمية، وبيانات. أوروبا لا تملك “وادي سيليكون” خاصاً بها بالحجم ذاته، لكنها تملك شيئاً مختلفاً، سوقاً موحدة ضخمة، وقدرة تنظيمية، ونظاماً قانونياً يمكن أنْ يجعل الوصول إلى هذا السوق امتيازاً مشروطاً لا حقاً مضموناً.

ولذلك حين يتحدث بعض المحللين الأوروبيين عن “رد نووي اقتصادي”، هُم لا يقصدون تفجيراً شاملاً يُسقط التجارة العالمية، بقدر ما يقصدون ضربة دقيقة في المكان الذي يوجع نماذج الأعمال الحديثة، المنصات والخدمات. أوروبا- نظرياً على الأقل- تستطيع أنْ تعقّد وصول شركات أميركية كبرى إلى المناقصات الحكومية، أو تُشدد شروط الاستثمار، أو تضع قيوداً على خدمات بعينها. وفي زمن باتت فيه البرمجيات بنية تحتية وليست ترفاً، تصبح هذه الأدوات أشبه برافعة استراتيجية، لا تُرى كالدبابة، لكنها تغيّر سلوك الطرف الآخر إذا شعر أنّ كلفتها ستصعد إلى مجالس إدارات الشركات الكبرى وليس فقط إلى وزارات التجارة.

غير أنّ هذه القوة ليست بلا ثمن. أوروبا نفسها تعتمد على التكنولوجيا الأميركية في قطاعات حيوية، من الخدمات السحابية إلى الأدوات الإنتاجية، إلى الإعلانات الرقمية. وفي النقاش الأوروبي الداخلي، ثمة سؤال عملي يسبق الشعارات: كيف تعاقِب دون أنْ تعاقب نفسك؟ وكيف تستخدم السوق كسلاح دون أنْ تُقنع المستثمرين بأنّ السوق باتت ساحة حرب تنظيمية دائمة؟ بعض مراكز الدراسات في أوروبا تحذر صراحة من أنّ “التصعيد غير المحسوب” قد يخلق دوامة يفقد فيها الطرفان السيطرة، فتتحول أداة الردع إلى آلة تُنتج مزيداً من عدم اليقين، ومزيداً من الهروب نحو الذهب، ومزيداً من الشك في سلاسل الإمداد.

ومع ذلك، هناك ما يدفع الأوروبيين إلى الاعتقاد أنّ التراخي أخطر من التصلب. لأنّ الرسالة الضمنية في أيّ محاولة لربط السيادة بضغط تجاري هي رسالة تتجاوز غرينلاند، فإذا نجح الابتزاز مرة، سيصبح سابقة. وفي عالم تتوسع فيه سياسة القوة، تصبح السوابق عملة ثمينة. ولهذا، حين يُذكر داخل الأروقة الأوروبية رقمٌ لحزمة انتقامية محتملة لا يكون الرقم وحده هو المهم، بل معنى الرقم، أنّ أوروبا تريد أنْ تبرهن أنّها قادرة على نقل الألم إلى غيرها، لا مجرد امتصاصه.

إقرأ على موقع 180  صديقي مالك.. أعوذ بالله من الرأسمالية الرجيمة!

أما “يوم الحسم” الموعود أوروبيًا، فهو جزء من ديناميكية باتت مألوفة في زمن الأزمات، الأسواق تحب ساعة صفر واضحة، بينما السياسة تعمل عبر مسارات متقاطعة، معظمها لا يظهر للعلن. تفعيل “أداة مكافحة الإكراه” ليس زرّاً يُضغط في يوم واحد؛ إنه قرار يحتاج توافقاً سياسياً داخل اتحاد متعدد المصالح، ويحتاج أيضاً حسابات أمنية، هل يصح أنْ تستخدم أوروبا آلية صُممت لردع خصومها ضد الحليف العسكري الأهم في زمن تتصاعد فيه المخاطر الروسية؟ وهل يؤدي ذلك إلى شرخ في “الناتو” في لحظة تبحث فيها القارة عن تماسكها؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلية؛ إنها التي تجعل أوروبا، عادة، تتحرك ببطء ثم تتحرك دفعة واحدة.

وفي واشنطن، حيث تُقرأ ملفات القطب الشمالي بعيون الأمن القومي الأميركي، قد يُقال إنّ أوروبا تبالغ، وأنّ المصالح الغربية تقتضي ترتيبات جديدة للتموضع العسكري واللوجستي، وأنّ المنافسة مع روسيا والصين لا تترك مجالاً للترف. لكن المشكلة، كما يراها الأوروبيون، أنّ تبرير الغاية لا يحل عقدة الوسيلة. فإذا أصبح الضغط التجاري قناة لانتزاع مكاسب جيوسياسية، فستكون العلاقة عبر الأطلسي قد انتقلت من خلافات داخل العائلة إلى اختبار حدود القوة داخلها.

وفي نهاية الأمر، قد لا تنتهي القصة بين أميركا وأوروبا بحرب تجارية شاملة ولا بـ”استحواذ بالقوة” بالمعنى المباشر الذي توحي به العناوين الأكثر تطرفاً. قد تنتهي بتسوية تسمح لكل طرف بأنْ يدّعي النصر، تنازلات صغيرة، تعهدات غامضة، أو تفاهمات أمنية تُغلف بلغة التعاون. لكن حتى في أفضل نهاياتها، ستترك القصة أثراً، أوروبا ستخرج أكثر اقتناعاً بأنّ السوق ليس مساحة تبادل فقط، بل مساحة ردع؛ وواشنطن ستكتشف أنّ الضغط على الحليف لم يعد لعبة بلا ثمن؛ أما المستثمرون الذين كانوا يراهنون على أنّ كل شيء “مجرد مناورة” فسيجدون أنّ الجليد الذي يذوب في القطب الشمالي لا يغيّر الخرائط وحدها، بل يغيّر أيضاً قواعد اللعبة بين أقدم الحلفاء.

السؤال الذي سيبقى بعد أنْ تهدأ العناوين ليس من “يربح غرينلاند”، بل من يربح حق تعريف ما هو مسموح في السياسة الدولية الجديدة، هل تبقى التجارة لغة منفصلة تُحل خلافاتها بالأرقام، أم تصبح الأرقام نفسها أدوات لإعادة كتابة الجغرافيا؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "نهاية معاهدة لوزان".. وهمُ العوام والأنتلجنسيا