حلف إسرائيل الإقليمي.. خُذ الحكمةَ من أبناء “يهوه”!

أحيت "منظومة الدفاع" الدولية ـ الإقليمية في ليلة 13 ـ 14 نيسان/الحالي، حين تصدت للهجوم الإيراني على إسرائيل، مشروعاً دولياً ـ إقليمياً كانت الولايات المتحدة هدفت إلى تحويله حلفاً واسعاً في أواخر الأربعينيات الماضية ليضم إسرائيل وأقطاراً عربية ودولاً أخرى مثل تركيا واليونان. 

في الرابع من نيسان/أبريل 1949، شهدت العاصمة الأميركية قيام حلف “شمالي الأطلسي” (الناتو)، بعد تسعة أشهر من النقاشات بين دوله المؤسسة المعروفة بـ”مجموعة الإثنتي عشرة”، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبليجيكا ولوكسبورغ والبرتغال وكندا وهولندا وإيطاليا وآيسلندا والنروج والدانمارك.

وخلال حفل التوقيع، ألقى الرئيس الأميركي هاري ترومان كلمة قال فيها، بحسب صحيفة “الجزيرة” الأردنية (6 ـ 4 ـ 1949) إن “هذا الحلف لو كان موجوداً في سنة 1914 وسنة 1939 لكان من المحتمل أن يمنع نشوب حربين عالميتين”. وفور الإعلان عن الحلف هاجمته الصحافة السوفياتية ووصفته بأنه “أداة عدوان تمليه الأموال الأميركية التي تتطلع للسيطرة على العالم”.

إلى جانب هذا الحلف، كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تعمل على تشكيل أحلاف أخرى، أحدها “الحلف الإفريقي” والآخر “حلف البحر المتوسط”، والأخير هو الذي برزت ملامح إعادة إحيائه في “ليلة الصواريخ الإيرانية”، كما بات يحلو للصحافة الإسرائيلية أن تصف التحدي الإستراتيجي الأخطر الذي تواجهه إسرائيل منذ العام 1948.

عن ذاك الحلف الأربعيني، من المفيد العودة الى ما كتبته صحف عربية صادرة في تلك الفترة، وكيف تعاملت مع “مشروع حلف” لمع نجمه ثم عرف أفولا، لتحل محله أحلاف بديلة قريبة من الغرب ولكن ظلت إسرائيل خارجها، ومن هذه الصحف:

ـ 1: “البعث” الفلسطينية في أعدادها الصادرة في العاشر والثامن والعشرين والثلاثين من آذار/مارس 1949، ورد فيها على التوالي:

ـ “تحمل الأنباء الورادة من المفوضية السورية في أنقرة على الإعتقاد بأن الحكومة التركية عازمة بعد عودة وزير خارجيتها من رحلته في أوروبا، على مفاوضة الدول العربية بشأن حلف البحر المتوسط، وأن السيد نجم الدين صادق وزير الخارجية التركية قد يزور العواصم العربية تحقيقاً لهذا الغرض”.

– صرح الدكتور زكي الأرمنازي وزير سوريا المفوض في لندن الذي غادر دمشق عائداً إلى لندن، “بأن الدول العربية ستختار إنشاء حلف عربي في ما بينها، بدلا من الإنضمام إلى حلف البحر المتوسط، لأن الأميركيين يرون من الضروري انضمام إسرائيل إلى حلف البحر الأبيض”.

ـ قالت أوساط مطلعة “إن تكوين حلف من باكستان إلى تركيا أيسر تحقيقاً من حلف يضم دول البحر الأبيض المتوسط، لأن اشتراك مصر في حلف يضم العناصر الصهيونية لا يمكن أن تتحقق منه السلامة المرجوة في ربوع الشرق الأوسط”.

خلاصة ما يراه المعلّقون والمحلّلون الإسرائيليون، أن مصالح دول الإقليم تقتضي التقارب مع إيران وليس الإنخراط بأحلاف تقاتل ضدها، خصوصاً أن تجارب الماضي أظهرت أن الإستناد إلى الحماية الأميركية أشبه بإنتظار العطاشى للأباريق الفارغة

ـ 2: “الإتحاد” الفلسطينية في عددين صادرين بتاريخ 21 آذار/مارس و5 حزيران/يونيو 1949:

ـ “سألت وكالة الأنباء التشيكية وزير خارجية إسرائيل عن موقف حكومة إسرائيل من مشروع كتلة البحر المتوسط وماذا سيكون موقفها إذا دعيت للإشتراك في هذه الكتلة؟ فأجاب أن موقف حكومة إسرائيل من هذه الكتلة يكون إيجابياً في حال وجود أساس سياسي واقتصادي مشترك وضمن نطاق هيئة الأمم المتحدة”.

ـ “في اجتماع صحافي عُقد في لندن صرّح حسين يالطشين العضو التركي في لجنة التوفيق الفلسطينية، أن كتلة الشرق الأوسط تشمل بلدان الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط على أن تشمل تركيا واليونان والدول العربية في الجنوب وإسرائيل ومصر”.

ـ 3: صحيفة “الجزيرة” الأردنية في ثلاثة أعداد صادرة في 8 و14 و25 نيسان/أبريل 1949:

ـ “جاء من لندن ان ناطقا بلسان وزارة الخارجية البريطانية، أنكر ان المحادثات قد بدأت لعقد حلف إقليمي للبحر الأبيض المتوسط”.

ـ “تقول برقية من واشنطن إن وزير خارجية تركيا قابل وزير خارجية أميركا مدة ثلاث ساعات، وجاء في الأنباء أن القصد من هذه المقابلة هو التحقق من إمكانية عقد حلف متوسطي، وكتب وزير خارجية اليونان مقالة في مجلة أسبوعية في أثينا حبّذ فيها عقد حلف المتوسط في أقرب وقت”.

ـ “وردت معلومات تفيد أن الأبحاث التمهيدية لحلف البحر الأبيض المتوسط قد تمت، وأن الموقعين على هذا الحلف سيكونون على الأرجح الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليونان وتركيا وإيطاليا وربما إسبانيا”.

وفي السياق ذاته، نشرت “الجزيرة” الأردنية تقريراً مطولاً في الخامس من آب/أغسطس 1949 وأدرجته في صفحتها الثالثة تحت عنوان “تقرير خطير عن سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط” ومما جاء فيه:

“عُرفت تفاصيل تقرير بعثت به السفارة المصرية في لندن إلى المسؤولين في الحكومة المصرية، وفيه تلخيص لبيان قُدم إلى مؤتمر سفراء بريطانيا في الشرق الأوسط، وبدأ البيان بعرض موجز لمصالح بريطانيا في الشرق الأوسط، فوصف هذه المنطقة بأنها حلقة اتصال بين آسيا وإفريقيا وأنها الطريق الموصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي (…) وزيادة على ذلك فإن استقرار الأمور في هذه المنطقة يمكن بريطانيا والدول الغربية من الحصول على ما فيها من الموارد الأولية (…) ثم انتقل البيان بعد ذلك إلى القول بضرورة اتفاق السياستين البريطانية والأميركية فيما يختص بهذه المنطقة فقال:

إقرأ على موقع 180  إنحدار المكانة الأمريكية.. العالم يدفع الثمن!

“لا يسع بريطانيا إلا الإقرار بضعف الدول العربية، مما يقضي بوجوب تنظيم أمر الدفاع عن هذه المنطقة وإسناده إلى إسرائيل وتركيا ومصر وسوريا والعراق، وهكذا يبدو واضحاً في وجوب ضم إسرائيل إلى صف الدول العربية، وبالإجمال يبدو تعاون بريطانيا وأميركا وفرنسا أمراً ضرورياً لحل مشكلة الشرق الأوسط”.

لم يُكتب لهذا المشروع النجاح في تلك المرحلة، لأسباب ذاتية وموضوعية، العديد منها يرتبط بالمتغيرات التي عصفت بطبيعة الأنظمة الإقليمية القائمة وكذلك انخفاض قابلية الإندماج مع دولة الإحتلال في أجسام سياسية ودفاعية واقتصادية، الأمر الذي أفضى إلى طي هذا المشروع، ليخرج من الأدراج بعد سبعة عقود ونيف، وكانت من مظاهره العملانية منظومة “التصدي الجماعي” للطائرات المسيرة والصواريخ البالستية ونظيرتها “كروز” الإيرانية في ليلة الثالث عشر ـ الرابع عشر من هذا الشهر، وبقيادة مشتركة أميركية ـ بريطانية ـ فرنسية، تماما كما أوردت صحيفة “الجزيرة” الأردنية قبل 75 سنة.

ما الذي تغير بين الأمس واليوم؟

ثمة متغيرات عدة، ولكن مشروع “الحلف الإقليمي” تبدّلت أهدافه، وفقاً للتبدلات التي طرأت على مواقع الصراع، وفي مضمونها التالي:

ـ حلف “البحر الأبيض المتوسط” أو “الكتلة المتوسطية” أريد لها أن تكون امتداداً لحلف “شمالي الأطلسي” لمواجهة الإتحاد السوفياتي، فيما المنظومة الإقليمية ـ الدولية التي خاضت امتحانها الأول في الليلة الإيرانية الشهيرة، موجهة ضد ايران.

ـ كان من بين أعضاء “الكتلة المتوسطية” تركيا واليونان اللتان كانتا عرضة لتهديدات سوفياتية دفعتهما إلى البحث عن درع إقليمي للحماية ويعلوه درع دولي هو “الناتو”، وهذا ما لا ينطبق على علاقات هاتين الدولتين مع إيران حالياً.

ـ مصر ومنذ أواخر العهد الملكي، راحت تصوغ قواعد للسياسة الخارجية أقرب إلى ما بات يعرف في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بـ”عدم الإنحياز”.

من يبقى؟ يبقى المشرق العربي، والسؤال هنا:

هل من مصلحة بعض دوله الإنخراط في حلف أو كتلة عسكرية لمواجهة إيران؟

برغم بعض التصريحات الإسرائيلية ومن ضمنها ما أطلقه وزير الدفاع في دولة الإحتلال يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هاليفي، حيث قال الأول “إن هناك فرصة لإقامة تحالف استراتيجي ضد التهديد الإيراني بمشاركة الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين” والثاني صرّح “أن الهجوم الإيراني أوجد فرصاً للتعاون بين دول الشرق الأوسط” إلا أن ثمة من في الداخل الإسرائيلي يقيم على الشك باحتمال أن تتطور وقائع ليلة 13 ـ نيسان/أبريل الشهيرة إلى “حلف مقاتل” ضد الجار الإيراني، وهذه نماذج عاجلة:

ـ بثت “القناة 12” الإسرائيلية تقريراً (15 ـ 4 ـ 2024) ورد فيه “تتخوف دول الخليج من اتساع المواجهة بين إسرائيل وإيران مما يحمل الولايات المتحدة إلى استخدام قواعدها العسكرية في هذه الدول، وذلك يهدد المصالحة السعودية ـ الإيرانية والعلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإيران المستعادة في عام 2023، وقد تنهارالإتصالات بين السعودية والحوثيين”.

ـ في مقالة منشورة (16 ـ 4 ـ 2024) في صحيفة “يديعوت”، قال ميخائيل ميليشتاين “يجري الحديث عن نشوء إئتلاف إقليمي بعد الهجوم الإيراني، إسرائيل وحدها تستخدم مصطلح الإئتلاف، هناك في إسرائيل من ذهب بعيداً في الكلام عن مقدمات تحول استراتيجي، وبرغم أن غالبية دول المنطقة ترى في إيران عدواً، فلا يوجد حاكم عربي يتحدث علناً عن ذلك، فالأمر يُعرّضه لتهديد مباشر ويؤلب الجماهير عليه، العكس هو الصحيح، أكثرية الحكام العرب يواصلون المصالحة مع إيران، انطلاقاً من قناعة تقول إن الحوار مع إيران أفضل من الإعتماد على الولايات المتحدة”.

ـ رأى تسفي برئيل (16 ـ 4 ـ 2024) في صحيفة “هآرتس” أن وقوف الرئيس جو بايدن وراء بناء “سور دفاعي ضد الهجوم الإيراني، ربما يجعل الرياض وأبو ظبي تعطيان أهمية أكبر للعلاقة مع ايران كمسار دفاع مفضّل، بدلاً من الإنضمام إلى حلف مقاتل، خصوصا حين تكون إسرائيل عضواً فيه “.

ـ كتب عوديد غرانوت (21 ـ 4 ـ 2024) في صحيفة “يسرائيل هيوم” قائلاً “الخليجيون ليسوا واثقين من أن الولايات المتحدة ستدافع عنهم كما دافعت عن إسرائيل”.

خلاصة ما يراه المعلّقون والمحلّلون الإسرائيليون، أن مصالح دول الإقليم تقتضي التقارب مع إيران وليس الإنخراط بأحلاف تقاتل ضدها، خصوصاً أن تجارب الماضي أظهرت أن الإستناد إلى الحماية الأميركية أشبه بإنتظار العطاشى للأباريق الفارغة.

حكمة.. حتى لو كانت من “أبناء يهوه”.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  إلى البعض من أحبتي اللبنانيين.. لسنا في موناكو!