لماذا هناك من يخاف من تكرار “6 شباط” اللبناني؟

يطرح المشهد اللبناني اليوم إشكاليةً تتجاوز السجال السياسي - القانوني حول السلاح إلى سؤالٍ أعمق: كيف يتحوّل القلق الاجتماعي - المعيشي إلى وقودٍ لانفجار سياسي؟

بعد ثلاثة أيام تحل الذكرى الـ42 لحدث لبناني بات متعارفاً عليه بعنوان “انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984”. ذكرى تشي بأنه حين تتسع فجوة الثقة بين مجتمعٍ يشعر بأنه مهدَّد، وبين دولةٍ تعجز عن توفير الطمأنينة والاحتواء، ثمة مخارج أخرى لا تكون مرسومة دائماً بدقة. لماذا هذه الإستعادة؟

يرسم الجدل السياسي الحالي ملامح مشابهة، على نحوٍ مقلق، لأحداث جرت قبل أكثر من أربعين عامًا. يدعو رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، الحكومة اللبنانية، وبإلحاح، إلى اتخاذ قرارٍ بـ«حلّ التنظيم العسكري والأمني» لحزب الله، ويضع المسألة في إطار «استعادة قرار الحرب والسلم». ويُصرّح يوسف رجّي، وزير الخارجية اللبناني، بأن إسرائيل «ستحتفظ للأسف بحق مواصلة هجماتها» ما دام السلاح غير محتكر للدولة، ما دفع شريحةً واسعةً من اللبنانيين إلى وضع موقفه في خانة تبرير الضربات الإسرائيلية.
في السياق نفسه، يُحذّر عادل نصّار، وزير العدل اللبناني، من أن «السلاح غير الشرعي» صار عبئًا يهدد الاستقرار ويفتح باب كوارث أمنية واقتصادية ودبلوماسية، بدل أن يكون الاحتلال واعتداءاته اليومية من خارج اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 هو العبء والمشكلة. وفي المقابل أيضًا، يردّ حزب الله وحركة أمل بالتحذيرٍ من توسيع مسار نزع السلاح خارج الجنوب، وتداعياته على السلم الأهلي، ويربطان أي نقاش أوسع بشروطٍ مثل انسحاب إسرائيل، ووقف الغارات، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، وبدء ورشة الإعمار والترميم والتعويضات.

يُغري هذا الاستقطاب بمقاربة «حسمٍ سريع»، لكن الذاكرة التاريخية تدفع أصحاب العقول إلى الحذر؛ فالحسم الذي لا يحمل ضمانةً اجتماعية يتحوّل إلى استفزازٍ وجودي، ثم إلى اشتباكٍ سياسي، وربما اشتباكٍ أهلي غير محمود.

اشتعال السياسة على أرضية اجتماعية هشّة

تجمع أغلب السرديات التاريخية على أن “انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984” كانت «جدلًا سياسيًا مسلحًا»، شاركت فيه حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي و«تنظيمات يسارية لبنانية» وشخصيات علمائية في بيروت الغربية، رفضًا لمنطق الهيمنة وتوقيع اتفاقية 17 أيار/مايو 1983. “جدلٌ” انتهى بسيطرة المعترضين على بيروت الغربية وإخراجها من تحت سلطة الرئيس أمين الجميل وجيشه «الفئوي» – بحسب تسمية المنتفضين – ما جعل تلك “الانتفاضة”، وفق المنظور السياسي في زمانها ومكانها، إطارًا اعتراضيًا خشنًا على مسار الدولة وخياراتها الداخلية والخارجية.

لكن القراءة السوسيولوجية تضيء على زاوية أخرى تسمح بتفسير الكيفية التي انتقل من خلالها الاعتراض من السياسة إلى الشارع. فبالعودة إلى الوقائع التي سبقت الانتفاضة، دأبت السلطة آنذاك على إخضاع المناطق المعترضة على اتفاقية 17 أيار بالقوة، تحت شعار تثبيت الأمن وبسط سلطة الدولة وهدم المخالفات، متناسيةً أن ذلك الواقع لم يكن سوى نتيجة للتهجير والاجتياح والحرب اللبنانية. بلغ الأمر حدّ إسكات الأصوات الشعبية المعترضة على الاتفاقية بالحديد والنار، كما حدث أمام مسجد بئر العبد عندما سقط محمد حسن نجدي شهيدًا.
غير أنّ ذلك الفعل كثّف في مشهديته ظلمًا مزدوجًا عانته تلك الشريحة اللبنانية، التي وجدت نفسها عالقة بين سندان القهر الداخلي ومطرقة الاجتياح والاحتلال. فأضحت أحياؤها البديلة، التي شكّلتها موجات النزوح والهرب من المذابح الداخلية والاجتياح ودمار القرى في الجنوب والبقاع – مثل حيّ السلّم والرمل العالي وبئر حسن – أنماطَ سكنٍ عائلية-قروية، تُحوِّل البيت من «ملكية» مؤقتة إلى «حق بقاء» وهوية يومية، وإحساسٍ أخير بالوجود في وطنٍ يعاني من شروخ كبيرة.

وتُظهر التحقيقات التي أُجريت أن آليات الجيش شرعت فعلًا بهدم بعض المنازل المخالفة في الرمل العالي المحاذية لطريق المطار، وأن تجمعًا حصل في محيط مسجد الرسول الأعظم، ثم وقع إطلاق نار وسقط قتلى وجرحى، قبل أن ينكفئ الجيش سريعًا. ما عمّق الشعور بجدوى «المجابهة»، وبأن الدولة مستعدة لترك الناس بلا بديل. هنا تكتمل «الهواجس الاجتماعية» لتتقاطع مع «الهواجس السياسية»، فتشعل فتيل التفجير والثورة.

لاحقًا، أجبرت “انتفاضة 6 شباط/فبراير” الحكومة اللبنانية على التراجع، وتم إلغاء اتفاقية السابع عشر من أيار/مايو في جلسة 5 آذار/مارس 1984. وغادرت القوة المتعددة الجنسيات بيروت في ربيع 1984، وانتُخب حسين الحسيني رئيسًا لمجلس النواب بـ41 صوتًا مقابل 28 صوتًا للرئيس كامل الأسعد. لكن الشرخ في وعي الناس بدولتهم لم يندمل، وكشف بوضوح أن هذه الانتفاضة لم تغيّر توازن شارعٍ فقط، بل غيّبت قدرة الدولة على الإمساك بالعاصمة، وشوّهت صورتها في أعين مواطنيها، وجعلت «قابلية الانفجار» قاعدةً كامنة تُستدعى عند كل انسداد سياسي-اجتماعي.

هل تملك الحكومة القدرة على الحماية والإعمار؟

مسجد الرضا في بئر العبد

هنا، يُنبّهنا علي الوردي إلى حقيقة شديدة الاتصال بقراءة المجتمع، فيقول: «لا يمكن فهم الحاضر من دون فهم الأحداث التي مرّ بها المجتمع في الماضي، لأنها تترك أثرًا في السلوك والتفكير».
ويستبدل حاضر الجنوب والبقاع والضاحية سؤال «إزالة المخالفات» الذي أرّق وجدان آبائهم في الماضي، بسؤالٍ أشد قسوة: هل تملك الدولة قدرة الإعمار والتعويض، أم يتحوّل الدمار إلى إقامة طويلة في انتظارٍ بلا أفق؟ ففي الوقت الذي يناقش فيه البرلمان اللبناني موازنة 2026، وسط جدل يتضمن ملف إعادة إعمار الجنوب ومطالب التعويض ورفع الأجور، تُظلّل تلك المناقشات مواقف دولية وعربية تشترط إعادة الإعمار بملف «نزع سلاح المقاومة». وتقف الحكومة اللبنانية عاجزةً عن إنجاز كلا الملفين، ما يكشف أن الملف الاجتماعي الذي يخصّ أكثر من مليون لبناني بات معلّقًا في الهواء، ولم يعد على هامش اللعبة السياسية، بل في صميمها.

إقرأ على موقع 180  كي لا تكون لنا "سوريا ثانية" في أرض الكنانة

تُظهر الوقائع المالية محدودية قدرة الدولة. الدليل هو مصادقة مجلس النواب على موازنة الحكومة التي قضت بصرف ما بين 90 إلى 100 مليون دولار للتدعيم الإنشائي والاعمار (الجزء الأكبر لمجلس الجنوب والجزء الأصغر للهيئة العليا للإغاثة). فيما يُقدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، مع تقدير أن 3 إلى 5 مليارات تحتاج تمويلًا عامًا، وأن الجزء الأكبر سيتطلب تمويلًا خاصًا، خصوصًا في قطاع الإسكان. هذه “الفجوة المالية” حوّلت القلق من «شعور» إلى احتمالٍ اجتماعي واقعي، في ظل تأخّر التعويض وتعثّر الإعمار، ما جعل العودة إلى القرية أو إعادة بناء البيت مشروعًا مؤجّلًا. ويستعيد هذا المشهد منطق 1984 بوجهٍ جديد: خاف الناس آنذاك من أن تهدم الدولة بيوتهم بلا بديل، ويخاف الناس اليوم من عجز الدولة عن إعادتهم إلى بيوتهم بلا تعويض.

السيادة الحقيقية في الضمانة الاجتماعية

يخطئ من يحصر المسألة في خيارين: دولة بلا مقاومة، أو مقاومة بلا دولة. ويخطئ أيضًا من يعتقد أن السيادة تُنتزع بقرارٍ خطابي بينما يُترك المجتمع أمام أنقاضه. ويقترح درس 6 شباط /فبراير مدخلًا ثالثًا يقوم على تشييد السيادة بوصفها عملية ثقة، والإعمار بوصفه شرطًا للاستقرار لا منّةً ظرفية.
وبدل العراضات الخطابية والقرارات التي قد تترك ندوبًا مزمنة في الوعي الجمعي، فلتبدأ الحكومة والقوى الحزبية الممثلة فيها، وبأسرع وقت، بتنفيذ برنامجٍ شفاف للتعويض والإعمار، يربط التمويل بآليات واضحة. ففجوة الـ11 مليارًا تجعل التطمين السياسي بلا أثرٍ اجتماعي، وتجعل التهديد الوجودي بلا أفق. ولتُسحب تلك اللغة من المنابر التي يتعمّدها البعض استدعاءً لضغطٍ خارجي، لأن عبارةً واحدة تُفهم كتسويغ للغارات كفيلة بتحويل ملف السلاح إلى «كسر عظم».

وعليه، ينهار الاستقرار الداخلي حين يُدفع مجتمع ما إلى الاعتقاد بأن الدولة قد تتركه بلا سقف، أو بلا تعويض، أو بلا كرامة وطنية. ويُشيَّد الاستقرار بقوة عندما تقنع الحكومة اللبنانية الناس بأنها جادّة، لا في حصر السلاح فحسب، بل في تبديد خوفهم المزمن – خوف التخلّي – ضمن خطة حماية وتعويض وكرامة.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "قسد" (سوريا) و"العمال الكردستاني" (تركيا).. مصيرٌ ومسار واحد!