فلسطين في المعادلة اللبنانية.. الالتزام وحدود القدرة (1)

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تدرّجت علاقة لبنان بفلسطين، في تصوّرات لبنانية متباينة، من إطار يُقدَّم على أنه التزام قومي، إلى ملف ذي أبعاد داخلية متزايدة، ومن شعار تحرّري إلى أداة حاضرة في ترتيبات وضبط إقليمي، ومن ملف صراع مع إسرائيل إلى ملف يُطرح في سياق الصراع على لبنان نفسه. وتُقدَّم قراءة هذا المسار التاريخي عادةً كمدخل لفهم الوضع اللبناني الراهن، قبل الانتقال إلى سؤال الرؤية الوطنية في الحاضر.

من “نكبة 1948” إلى “ثورة 1958”

أتى قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ليؤثّر في توازنات المنطقة الناشئة حديثًا بعد الاستقلال. لبنان، بكيانه الفتيّ وتوازناته الطائفية الدقيقة، دخل الحرب العربية–الإسرائيلية الأولى عام 1948 من باب الالتزام القومي كما عُبِّر عنه آنذاك، لكن من دون قدرة عسكرية فعلية مقارنة بالدول الأكبر. وبرغم محدودية دوره الميداني، وجد نفسه مع نهاية الحرب أمام تدفّق واسع للاجئين الفلسطينيين إلى مدنه وقراه، ما شكّل أحد أبرز التحوّلات الديموغرافية والسياسية في تاريخه الحديث.

بات لبنان فجأة بلدًا يستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين، ويتعامل مع قضية لا يمتلك تأثيرًا مباشرًا في مسارها، في ظل دولة فتية واجهت صعوبة في صياغة رؤية موحّدة تجاه فلسطين، بين نزعة عربية واسعة لدى شرائح من اللبنانيين، ومخاوف عميقة لدى شرائح أخرى من اختلالات داخلية تمسّ التوازن الطائفي.

مع الحرب الباردة، شكّل مشروع «حلف بغداد» في منتصف الخمسينيات لحظةً حاسمة في اختبار تموضع لبنان الإقليمي. انقسمت المنطقة بين محور محافظ متحالف مع الغرب، ومحور قومي تقوده مصر الناصرية. في هذه اللحظة بدا لبنان، وفق الكثير من المراقبين، ساحةً لصراع هويّات؛ إذ رأى جزء من النخب المسيحية في الارتباط بالمعسكر الغربي ضمانةً للاستقرار والاقتصاد، فيما وقفت قوى مسلمة ويسارية إلى جانب الخط العربي المناهض للأحلاف. انهارت محاولة الرئيس كميل شمعون الانخراط الضمني في هذا المعسكر، وانفجر البلد عام 1958 في مواجهة داخلية كبرى عكست تداخل الصراع الداخلي مع الصراع الإقليمي، ومع موقع لبنان من قضية فلسطين، وإن بشكل غير مباشر.

تُقارَب انتفاضة 1958 في عدد من القراءات التاريخية باعتبارها إشارةً مبكرة إلى أن موقع لبنان بين محورين متصارعين إقليميًا سيظل معضلةً مفتوحة، وأن أي اختيار حادّ في اتجاه معيّن ستكون له ارتدادات داخلية كبيرة.

من “هزيمة 1967” إلى «اتفاق القاهرة»

أعادت هزيمة حزيران 1967 صياغة جزء كبير من المشهد السياسي العربي. تراجعت صورة الجيوش العربية في الوعي العام، وصعدت موجة الكفاح المسلّح الفلسطيني كأحد البدائل المطروحة عن الأنظمة القائمة. لبنان، الذي بقي خارج خط المواجهة المباشرة، كان من الدول الأكثر تأثّرًا بهذا التحوّل بحكم موقعه وحدوده وتركيبته الداخلية.

أصبحت الحدود الجنوبية، ولا سيما منطقة العرقوب، قاعدةً خلفية للفدائيين الفلسطينيين، وبدأ ميزان السلم الأهلي يهتزّ. فرأت شرائح واسعة من اللبنانيين أن دعم المقاومة الفلسطينية واجب قومي وأخلاقي، فيما رأى آخرون أن السلاح الفلسطيني تجاوز مؤسّسات الدولة وأثّر في مستوى سيادتها، وأن لبنان غير قادر على تحمّل تبعات حرب مفتوحة مع إسرائيل.

بفعل الضغوط الداخلية والخارجية، جرى توقيع «اتفاق القاهرة» عام 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. منح الاتفاق شرعيةً للعمل الفدائي انطلاقًا من الجنوب وبعض المخيمات، وخلق واقعًا أمنيًا مزدوجًا: دولة رسمية من جهة، ووجودًا مسلّحًا منظمًا يتجاوزها في جزء من أراضيها من جهة أخرى.

يُدرَج الاتفاق في معظم الدراسات ضمن إطار محاولات احتواء التوتّر وتأجيل انفجاره، إذ وجد لبنان نفسه بين الاستجابة لمطلب «دعم المقاومة» كما رُفع في الشارع العربي آنذاك، وبين السعي إلى حماية سيادته الهشّة. وفي هذا السياق، اعتبر كثيرون أن الدولة قبلت عمليًا بما يشبه تقاسمًا غير معلَن للسلطة على جزء من أرضها. ومنذ تلك المرحلة، بدأت ملامح ما يُطلق عليه في الأدبيات السياسية «الدولة داخل الدولة» تظهر بوضوح أكبر.

من «فتح لاند» إلى اجتياح 1982

بعد خروج منظمة التحرير من الأردن عام 1970، انتقل ثقلها العسكري والسياسي إلى لبنان. تكرّست ظاهرة «فتح لاند» في الجنوب، حيث تحوّلت مناطق واسعة إلى قواعد خلفية للفصائل الفلسطينية خارج سلطة الدولة اللبنانية المباشرة. اشتدّت الاشتباكات مع الجيش اللبناني في محطات عدّة، ثم امتدّت إلى داخل الساحة اللبنانية نفسها.

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، أصبح الفلسطينيون طرفًا رئيسيًا في الصراع، سواء عبر تحالفاتهم مع قوى لبنانية معيّنة، أو عبر موقعهم على الحدود مع إسرائيل. لبنان، الذي دخل الحرب منقسمًا حول معنى فلسطين ودور المقاومة، خرج منها أكثر انقسامًا، وقد تحوّلت «القضية» في وعي أطراف مختلفة إلى عامل يرتبط بالمواجهة الداخلية بقدر ارتباطه بالصراع مع إسرائيل.

في هذه المرحلة، تصاعدت العمليات الإسرائيلية ضد لبنان، من قصف وعمليات توغّل إلى اجتياح 1978، وصولًا إلى الاجتياح الأكبر عام 1982. جاء هذا الاجتياح في سياق مسار من التصعيد الإقليمي والداخلي. دخلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، وأدّت العمليات العسكرية والاتفاقات التي تلتها إلى خروج البنية العسكرية الأساسية لمنظمة التحرير من لبنان وخروج الجيش السوري وهزيمة مشروع الحركة الوطنية اللبنانية.

إقرأ على موقع 180  سعد الحريري سيّد اللعبة.. الانتحارية

غير أن «تحرير الجنوب من الوجود الفلسطيني المسلّح»، بحسب التعبير الذي استخدمه آنذاك خصوم هذا الوجود، لم يؤدِّ، وفق كثير من الباحثين، إلى استقرار شامل في لبنان، بل فتح الباب لمرحلة جديدة من الحضور الإقليمي المباشر وصعود قوى مقاومة بديلة. خرجت منظمة التحرير، لكن النقاش حول الجهة التي ستملأ الفراغ الأمني والسياسي في لبنان كان قد بدأ بالفعل، واستمر لسنوات لاحقة.

«الطريق إلى القدس» أم طريق النفوذ؟

منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 تحت شعار «قوات الردع العربية»، وتعزّز وجود الجيش السوري لاحقًا بعد “حرب الجبل” و”انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984″ وأحداث بيروت 1987، أصبح لبنان ساحةً لنفوذ سوري مباشر، سياسيًا وأمنيًا، بحسب توصيف شائع في الأدبيات السياسية. حملت سوريا لواء «قضية فلسطين» في خطابها الرسمي، وجمعت في الوقت نفسه بين تبنّي هذه القضية وتوظيفها ضمن سياستها الإقليمية في لبنان، وفي التفاوض غير المباشر مع الغرب وإسرائيل.

خرج لبنان من الحرب الأهلية باتفاق الطائف عام 1989، لكن الاتفاق نفسه أُنجز تحت مظلّة الدور السوري وبمشاركة مباشرة منه، وأنتج صيغةً جديدة من الشراكة الداخلية المقرونة بمستوى مرتفع من التأثير الخارجي في القرارين السياسي والأمني. هكذا دخل البلد مرحلة عنوانها المعلن «إنهاء الحرب»، فيما يرى باحثون وسياسيون أن عنوانها المضمر كان «استمرار الصراع ولكن بأدوات أخرى».

في الخلاصة، ما بين 1948 ونهاية الحرب الأهلية، انتقل لبنان، في توصيفات لبنانية وعربية عديدة، من موقع الدولة الصغيرة المتضامنة مع فلسطين إلى ساحة صراع مركّبة: ساحة للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل، وساحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع فلسطينية وأراضي لبنانية، وساحة للسوريين لتوسيع نفوذهم الإقليمي باسم شعار «الطريق إلى القدس».

لم تكن «القضية الفلسطينية» في هذه العقود، وفق هذه القراءات، مجرّد عنوان تضامن، بل تحوّلت إلى عنصر محوري في معظم المشاريع الإقليمية، وإلى مرآة برزت خلالها هشاشة البنية السياسية اللبنانية وصعوبة إنتاج سياسة خارجية موحّدة. خرجت منظمة التحرير من بيروت عام 1982، لكن السلاح غير الرسمي لم يخرج، وحضرت سوريا كطرف راعٍ لإنهاء الحرب الأهلية، في ظل ما يُسمّى «الوصاية السورية».

بهذا المعنى التحليلي، يمكن القول إن لبنان أنهى حربه الأهلية من دون أن ينهي دوره كساحة صراع في الإقليم. ومع بداية التسعينيات، ومع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، سيجد نفسه، بحسب عدد من الدراسات السياسية، أمام معادلة جديدة: سلام يُصنَع من حوله أكثر مما يُصنَع معه، وتفاوض على مستقبله الإقليمي يجري إلى حدّ كبير خارج مؤسّساته.

(يُتبع في جزءٍ ثانٍ)

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  "يسرائيل هَيوم": بايدن ولابيد معاً "في لحظة لبنان"!