كيف يُمكن اختصار، واعادة تنظيم، الأسباب أو العوامل التي تدفعني إلى اتّخاذ موقفٍ صلبٍ كهذا الموقف؟
إنّ الأطروحة التي أدافع عنها تقول باختصار: إنّ هذا البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ في الدّين أو في الأديان.. هو، ببساطة وبوضوح، البُعد الذي يُركّز على “باطن” هذه الأديان ورسالاتها (أو يُمكن استخدام عبارات مثل “جوهرها” أو “قلبها” أو “أسسها” أو “معانيها/مقاصدها”.. بحسب الزّاوية المفاهيميّة و/أو الثّقافيّة التي ننطلق منها).
إنّه البُعد الذي يُشدّد، من جهة، على بواطن هذه الأديان ومضامينها إذن.. مع تجنّب الغرق المبالغ فيه أو الخطير بالتّالي -الغرق الواعي أو غير الواعي -في ظواهرها أو أشكالها من جهة أخرى (ومن دون الدّعوة بالضّرورة إلى التّخلّي عن جميع هذه الظّواهر أو المظاهر أو الأشكال.. إن جازت هذه التّعابير كلّها، ومن لا يقفُ على اشاراتِنا في هذا المجال فكيف ستُسعفه عباراتُنا؟).
وكما أردّد على الدّوام، فإنّ خلف هذا الموقف العامّ مفهوماً نقديّاً عامّاً أيضاً يعني هذه المذاهب الرّوحيّة والأديان، خصوصاً منها أدياننا ذات النّصوص، وذات الكثير من الطّقوس، وذات العديد من الأحكام والشّرائع: ألا وهو أنّها- أي هذه المذاهب والأديان- تُعاني في أعمّها الأغلب، وباستمرار ربّما، من الابتعاد الواعي أو غير الواعي عن المضمون والمقصد.. وبالتّالي فهي تُعاني، كما نرى حولنا في أغلب العصور، من الانشغال والتّلهّي و”الاحتجاب”، ولو نسبيّاً وبمستويات مختلفة، بالشّكل وبالمباني.
ولكي نحاول اقناع قارئنا العزيز إلى أقصى حدّ، فلنستعن بالهندسة المفاهيميّة المبنّية على ثلاثيّة: الشّريعة؛ والطّريقة؛ والحقيقة.. ولنبدأ بهذه الأخيرة تحديداً.
فإنّ جانب “الحقيقة”، والذي يُشددّ عليه البُعد الصّوفيّ للدّين عادةً قبل أيّ شيء آخر، أو فوق أيّ شيء آخر: يرمز طبعاً إلى “المعرفة”.. أي المعرفة المقدّسة، مع التّبسيط. الهدف هنا، بوضوح: محاولة معرفة “الله” أو “المصدر” أو “سرّ الوجود” أو “أسرار الوجود” أو “الوجود الحقيقيّ” إلخ. الهدف هنا، بلا لفّ ولا دوران: هو محاولة معرفة الأسرار الكبرى والأساسيّة والأهمّ.. أو محاولة الاقتراب من ذلك، ليس فقط من خلال الذّهن أبي الأفكار والتّصوّرات والمفاهيم، بل ربّما بطريقة “مباشرة” بحسب ادّعاء أهل التّصوّف والعرفان من أهل التّذوّق والتّجربة.. من كلّ الثّقافات تقريباً.
بشكل مباشر لا لبس فيه أيضاً، ندّعي هنا ونُقرّ ونُؤمن: بأنّ هدف أهداف الدّين أو هدف أهداف المدرسة الرّوحيّة.. هو محاولة معرفة معاني الوجود إذن.. بل والتّقرّب من هذا “الوجود الحقّ” عينه من خلال وعينا.
من هنا، فلا شكّ في أنّ المعرفة التي نتحدّث عنها في هذا الإطار هي من النّوع الذي يوصلنا، بالضّرورة، إلى الزّاوية المتعلّقة.. “بارتقاء الوعي الإنسانيّ”، الفرديّ منه والجماعيّ. لا بدّ للوعي الذي يُريد أن “يَعرف” بهذه المعاني المذكورة: لا بدّ له من أن يعمل على الارتقاء بنفسه.
وهذا ما يوصلنا إلى جانب “الطّريقة”، المرتبط عموماً بمفهوم “ارتقاء الوعي” هذا (أو مفهوم “تعالي الوعي”).. وبالتّالي بما نسميّه عادةً بمسائل السّير والسّلوك وتزكية النّفس (بما في ذلك، إلى حدّ كبير، البُعد الأخلاقيّ). المُريد هنا، أو التّلميذ، يُدرك أنّه في مضمون الأمور.. سائرٌ في طريق ارتقائيّة، وأنّ عليه أن يسلكها من خلال فلسفة عمليّة هدفها تزكية نفسه وتطهيرها من الحُجُب. محاولة إزالة الحُجب على اختلافها، عن هذا الوعي إذن، هي الهدف الأساسيّ والمركزيّ لفلسفة السّير والسّلوك والتّزكية.
إنّ المُريد هنا، أو السّالك إذن، يُواجه عملاً شاقّاً على هذه النّفس الشّهوانيّة والمضطربة والمحكومة بالـ”أنا” إلى أقصى حدّ.. والمحجوبة بالتّالي عن “المعرفة الحقّ”. جانب الطّريقة ضمن البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ يرمز إلى أنّنا أمام سَير عمليّ ملموس.. لا مجرّد سَير نظريّ وذهنيّ ومفاهيميّ.
إنّ جانب الطّريقة يقول لك، بوضوح وبلا لفّ ولا دوران: ليس هناك “دينٌ” بلا “تديّن”، كما يُعبّر الصّديق الدّكتور حبيب فيّاض عادةً. أي: ليس هناك دينٌ بلا عمل، وباطن العمل لا يَكمن في الأحكام الشّرعيّة.. إنّ باطن العمل أو مضمونه يَكمن أوّلاً في المجهود المضني والملموس لتزكية النّفس، بما يشمل مقامات روحيّة أساسيّة كبرى، يقع البُعد الأخلاقيّ ضمنها بطبيعة الحال وإلى حدّ بعيد (ومن بين ذلك مقامات مثل: التّوبة والورع والتّقوى وما إلى ذلك).
الدّين هنا هو تديّن بالضّرورة إذن، وبشكل واضح، جليّ، ملموس، واقعيّ، حقيقيّ.
الدّين هنا لا يمكن، بأيّ شكل من الأشكال، أن يُفصل عن الجوانب العمليّة الحقيقيّة، أي عن الجوانب السّلوكيّة والأخلاقيّة مع التّبسيط.
وهذا ما يوصلنا إلى جانب “الشّريعة”، الذي لا يُمكن بالتّالي فهمه إلّا على أنّ له -بالضّرورة -جانباً معرفيّاً من جهة، وجانباً سلوكيّاً-أخلاقيّاً-ارتقائيّاً من جهة أخرى. الشّريعة بلا “روح” الشّريعة.. لا يُعوّل عليها، كما يُعبّر التّفكير المسيحيّ العامّ، وكما يُعبّر البُعد الصّوفيّ للدّين عادةً. الشّريعة لا يُمكن فهمها من دون الأخذ الضّروريّ بباطنها: فالظّاهر الذي لا يؤخذ بباطنه.. لا يُعوّل عليه.
وضمن المنهاج العامّ الذي أدافع عنه عادةً: فإنّ الباطن الذي ليس له ظاهرٌ، لا يُعوّل عليه أيضاً. فالشّريعة، كما عند الجُنيد لكن أيضاً كما عند ابن عربيّ على سبيل المثال لا الحصر: الشّريعة ضروريّةٌ أيضاً، بسبب طبيعتنا البشريّة وطبيعة وعينا الانسانيّ (بما في ذلك عقلنا الاجتماعيّ، إلى اليوم أقلّه.. وإن صحّت تلك التّعابير أيضاً).
في هذا البُعد الصّوفيّ، لا يُمكن للمؤمن المُريد.. أن يأخذ بالشّريعة، مع نسيان أو تناسي بُعد الطّريقة و/أو بُعد الحقيقة.
في هذا البُعد الصّوفيّ، لا يُمكن للمؤمن المُريد أن يأخذ بالطّريقة من دون الشّريعة و/أو من دون الحقيقة.
في هذا البُعد الصّوفيّ، كما أدافع عنه، لا يُمكن كذلك للمؤمن أن يأخذ بالحقيقة، من دون مجاهدة نفسه ضمن عوالم الطّريقة.. و/أو من دون أخذٍ بالأخلاق، أو بعوالم وأصول وأحكام الشّريعة!
كما ترى عزيزي القارئ، باختصار ومع التّبسيط: فإنّ هذا البُعد للدّين من شأنه أن يأتيَ بمخارج جذريّة.. لكثيرٍ من معضلات و/أو اشكاليّات و/أو تحدّيات “العقل الدّينيّ”، بما في ذلك “العقل الإسلاميّ”.
فبالإضافة إلى كلّ ما سبق، تذكّر معي أيضاً كيف:
- إنّ البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ هذا، يُعطي للذّهن- أو العقل المفكّر، الذّهنيّ كما يُقال- حقّه.. ولكنّه لا يسمح له بأن يتخطّى حدوده. فهو يُذكّره بأنّ الذي “يَصل” إلى المستوى المقصود من المعرفة.. هو مستوى آخر من الوعي، “متعالٍ” على هذه الأفكار والمفاهيم والتّصوّرات. الصّوفيّ يعرف- بل “يرى”- ليس فقط من خلال عقله الذّهنيّ المحدود: هو “يرى” من خلال ما يُسمّيه “بالقلب” أحياناً.. وهو أبو العين البصيرة، لا مجرّد العين الباصِرة.
كما أشرت لك وكما أشير على الدّوام، إنّ من شأن الأخذ بهذا البعد الصّوفيّ: أن يُخرج العقل الدّينيّ من اشكاليّات كثيرة ومن العديد من الدّوائر المعرفيّة والمنهجيّة والمفاهيميّة.. التي تبدو شبه مغلقة أمامه في العموم.
- إنّ البُعد الصّوفيّ-العرفانيّ هذا نفسه، يدفع، بالضّرورة أيضاً: يدفعُ الفكرَ الدّينيّ عموماً.. نحو توجّهات معرفيّة وعمليّة وأخلاقيّة عالميّة الطّابع؛ ونحو النّظرة الواحديّة للوجود والموجود؛ ونحو التّشديد على أهمّيّة المحبّة، لا سيّما المحبّة المتعالية وغير المشروطة (أو “الحُبّ”).. عدا عن توجّهات مثل التّكامل بين الأفراد والجماعات، والتّعاون، والسّعي نحو تعالي وعينا الانسانيّ ككلّ.
يُذكّر البُعد الصّوفيّ هذا أيضاً بالفكرة المركزيّة التّالية، على خطورتها الظّاهرة بالنّسبة إلى البعض منّا ربّما: يُذكّر، في إطار كلّ ما سبق، بأنّه وبالرّغم من أهمّيّة الزّاوية الجماعيّة والاجتماعيّة للأمور.. فإنّ الخلاص- كما تُعبّر المسيحيّة عموماً- هو مسألة فرديّة أوّلاً وليست جماعيّة. أي أنّ الفرد يعمل على خلاصه هو، في أساس الأمور وقبل أيّ أحد أو شيء آخر.. ولو أنّ عليه أن يُحاول، مع ذلك، المساهمة بما يستطيع إليه سبيلاً: في خلاص جماعته أو أيّ جماعة من النّاس.
مع التّهيّؤ والتّجهيز والتّهليل لاستقبال “عيد القلوب”، أي لاستقبال شهر رمضان المبارك: أدعوك، عزيزي القارئ، إلى التّفكّر والتّأمّل معي مجدّداً، في هذه القضيّة الخطيرة جدّاً.. والأساسيّة جدّاً، لمستقبل الإسلام والأديان.. ولمستقبل الانسان.
فهل سنساهم سويّاً في تحقيق انفجار “ثورة” صوفيّة اسلاميّة ومسيحيّة متجدّدة، رغم كلّ ما حدث ويحدث في أراضي الشّام والعراق؛ وبالتّالي، هل سنساهم سويّاً في تحقيق انفجار ثورة صوفيّة.. تكون ذات بُعد متعالٍ وعالميٍّ مُبين؟
