“خطٌ أحمرٌ” بين بايدن ونتنياهو.. مَن يسقُط أولاً؟ 

طفا الخلاف بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سطح العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. من رفح إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، إلى "اليوم التالي" للحرب، عناوين خلافية بين واشنطن وتل أبيب، وكأن رياح التعاطف المطلق، التي هبّت على البيت الأبيض بعد صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر، بدأت تتلاشى لمصلحة سياسة أميركية أكثر واقعية.    

برغم دخول الحرب على غزة شهرها السادس، ما يزال هوس الحرب هو المسيطر على نتنياهو الرافض أي حديث في السياسة قبل “النصر التام”. وبرغم أن ادارة بايدن تؤيد أهداف الحرب الإسرائيلية، فإنها تختلف مع نتنياهو على طريقة ادارتها، وعلى ضرورة توظيفها في تشكيل شرق أوسط جديد لا يخلو من بعض العناصر السياسية بما تنطبق عليه مقولة كارل فون كلاوزفيتز الشهيرة إن الحرب هي استمرار للديبلوماسية بوسائل أخرى.

غير أن استمرار الحرب بالوتيرة الإسرائيلية نفسها بدأ يُثقل كاهل بايدن في سنة انتخابية حرجة، وضيّق عليه الخيارات ودفعه إلى أرض وعرة، عندما وجد نفسه مضطراً إلى مخاطبة نتنياهو بلهجة أكثر حزماً تتناغم وحجم المساعدات العسكرية والديبلوماسية التي قدمتها واشنطن للدولة العبرية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر بلا مقابل.

وما أن رسم بايدن “خطاً أحمر” أمام الهجوم الإسرائيلي الذي يعد له نتنياهو على رفح، حتى قابله نتنياهو بـ”خط أحمر” خاص به هو الاستعداد لفعل كل ما يلزم “للحؤول دون 7 أكتوبر آخر”. ذهب مفعول العناق بين بايدن ونتنياهو في 18 تشرين الأول/أكتوبر في مطار بن غوريون وإسرائيل وقتذاك لم تستفق بعد من الصدمة. وفي خطابه الافتراضي أمام مؤتمر اللجنة الأميركية-الإسرائيلية للشؤون العامة “آيباك” أكد نتنياهو أنه يتمتع بتأييد “الغالبية الساحقة” من الرأي العام الأميركي ومن الكونغرس، في تذكير حاد للبيت الأبيض بمخاطر المضي في المواجهة معه؛ مع العلم أن نسبة قبول الأميركيين بسياسات إسرائيل تدنّت عقب حرب غزة من 68 في المئة إلى 58 في المئة، وهي النسبة الأدنى منذ عشرين عاماً.

آخر ما كان يتمناه بايدن أن يدخل في مواجهة مع نتنياهو على مسافة 8 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وهو يدرك تمام الإدراك أن منافسه دونالد ترامب سيستغل ذلك لينقضّ عليه ويُصوّره بأنه تخلى عن إسرائيل في أكثر لحظاتها حراجة منذ عقود، مما يُعزّز قاعدته في صفوف الإنجيليين الأميركيين

ومما لا شك فيه أن بايدن الذي طالما تباهى بأنه “صهيوني من غير أن يكون يهودياً” ودائم التذكير بلقاء “لا ينساه” مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير عام 1973، يتبنى الآن نبرة جديدة منذ أن قال ما قاله في خطاب “حال الاتحاد”، الأسبوع الماضي، وأعقبه بمقابلة على شبكة “إم إس إن بي سي”، قال فيها إنه “يجب ألا يموت 30 ألف فلسطيني آخر”، متبنياً بشكل علني أرقام وزارة الصحة في حكومة “حماس” بغزة. لا يعني ذلك أن بايدن اقترب من استخدام الرافعة التي تخشاها إسرائيل، وهي تقييد مبيعات الأسلحة الهجومية على الأقل، وهذا ما أوضحه مستشار الأمن القومي جيك سوليفان بعدما سادت بلبلة لأيام عدة حول ماهية الإجراءات التي سيتبناها الرئيس الأميركي في حال مضت الحكومة الإسرائيلية في مهاجمة رفح.

ومن قبيل المقارنة، لم تنسَ صحيفة “النيويورك تايمز”، أن تُذكّر بايدن بأن رؤساء أميركيين سابقين “ندموا” على رسم خطوط حمر لم يستطيعوا اتخاذ إجراءات لوضعها موضع التنفيذ. وأوردت مثلاً على ذلك الرئيس جورج دبيلو بوش بالنسبة إلى كوريا الشمالية، وباراك أوباما بالنسبة إلى سوريا.

بعد كلام بايدن، أتى التقرير السنوي لمجمع الاستخبارات الوطنية الأميركية، الذي شكّك في قدرة ائتلاف نتنياهو على قيادة اسرائيل في المرحلة المقبلة، متوقعاً اندلاع تظاهرات على نطاق واسع للمطالبة باستقالة نتنياهو.

الكلام الأكثر صدى، كان ذاك الصادر عن تشاك شومر زعيم الغالبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ وأرفع يهودي منتخب في الولايات المتحدة، إذ اعتبر في تصريح علني، أن نتنياهو “عقبة في طريق السلام” وأنه يجب اجراء انتخابات مبكرة في اسرائيل. وأضاف: “لقد ضلّ نتنياهو طريقه، حيث جعل استمراريته السياسية قبل مصلحة إسرائيل العليا”، وأن إسرائيل تخاطر بالتحول إلى دولة “منبوذة” عالمياً إذا بقي في السلطة. والأبلغ من كل هذا أن كلام شومر لقي استحسان بايدن.

الديبلوماسي الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة آلون بينكاس وصف كلام شومر في مقابلة مع مجلة “بوليتيكو”، بأنه “لحظة عميقة تعكس الإحباط الأميركي الواسع في صفوف حلفائها في الكونغرس وفي أوساط الجالية اليهودية الأميركية”. وأضاف :”إذا خسرت جاك شومر، يعني أنك خسرت أميركا”.

المحلل في منتدى السياسات الإسرائيلية مايكل كوبلو، اعتبر أن “ما قاله شومر، يعكس ما يشعر به الرأي العام الإسرائيلي حيال نتنياهو.. إنه لا يحظى بشعبية إلى حد غير معقول هنا. إن غالبية ساحقة من الإسرائيليين تريد انتخابات مبكرة”.

وبدا شومر، الذي قاوم تعاطف الحزب الديموقراطي مع الفلسطينيين في الأعوام الأخيرة، أقرب إلى السناتور الديموقراطي بيرني ساندرز الذي طالما انتقد سياسة نتنياهو.

وترافقت الحملة العلنية على نتنياهو مع فرض عقوبات أميركية جديدة على ثلاثة مستوطنين وبؤرتين استيطانيتين في الضفة الغربية، مع ميل لدى فريق بايدن لالغاء قرار اعتمده الرئيس السابق دونالد ترامب ويعترف فيه بشرعية المستوطنات في الضفة الغربية.

إقرأ على موقع 180  عندما يُعلن الفلسطيني عداءه لشرعة الوقت

تلك اشارات أميركية سلبية لا تُخطئها عين في ما يتعلق بسياسة نتنياهو، الذي ضرب عرض الحائط بكل المناشدات الأميركية له، لخفض مستوى العنف في غزة والسماح بدخول مساعدات انسانية إلى القطاع تفادياً لانتشار المجاعة. ولا تعارض واشنطن الهدف الإسرائيلي المعلن بالقضاء على حركة “حماس”، لكنها لا تريد انتشار الجوع في غزة وأن تكون مضطرة لإنشاء رصيف عائم لإيصال المساعدات المكدسة بآلاف الشاحنات على المعابر. كما أنها تريد البناء على الحرب للخروج إلى خطة سياسية شاملة تُعيد تشكيل الشرق الأوسط. ووفق جنرال المارينز المتقاعد فرانك ماكنزي الذي تولى القيادة المركزية الأميركية فإن “الحروب تخلق فرصاً.. وهناك فرصة هنا إذا عرفنا كيف نستغلها”.

آخر ما كان يتمناه بايدن أن يدخل في مواجهة مع نتنياهو على مسافة 8 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وهو يدرك تمام الإدراك أن منافسه دونالد ترامب سيستغل ذلك لينقضّ عليه ويُصوّره بأنه تخلى عن إسرائيل في أكثر لحظاتها حراجة منذ عقود، مما يُعزّز قاعدته في صفوف الإنجيليين الأميركيين.

إنما في الوقت الذي قد يجازف بايدن بخسارة أصوات المؤيدين لإسرائيل، فإنه يخسر من قاعدته الديموقراطية بسبب تأييده المطلق لإسرائيل في حربها على غزة، ويواجه صعوبات في استعادة ولاء الشريحة التقدمية في حزبه، فضلاً عن العرب الأميركيين، الذين كما بات معلوماً اضطلعوا بدور أساسي في إيصاله إلى البيت الأبيض عام 2020. وكلما طالت الحرب، كلما كان بايدن معرضاً لخسارة المزيد من التأييد في هذه الأوساط، وخصوصاً في الولايات المتأرحجة، على غرار ميشيغن وجورجيا وويسكونس وبنسلفانيا وأريزونا. هكذا دلّت الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي في الأسابيع الأخيرة.

ويصف السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل مارتن أنديك لصحيفة “الوول ستريت جورنال” العلاقة بين بايدن ونتنياهو بأنها كانت “في اتجاه واحد.. لقد أبدى نتنياهو تصلباً وصدامية بحيث تعين على الرئيس (بايدن) اتخاذ موقف”.

وتشير الصحيفة إلى أن نتنياهو مقتنع أنه في سنة انتخابية أميركية قادر على لي ذراع بايدن، في استعادة لتجربته مع أوباما، عندما رفض القبول بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل وعارض الاتفاق النووي مع إيران، وما هي إلا سنة حتى أتى ترامب إلى البيت الأبيض ليمنح إسرائيل أكثر مما كانت تتصوره.

في الوقت الذي قد يجازف بايدن بخسارة أصوات المؤيدين لإسرائيل، فإنه يخسر من قاعدته الديموقراطية بسبب تأييده المطلق لإسرائيل في حربها على غزة، ويواجه صعوبات في استعادة ولاء الشريحة التقدمية في حزبه، فضلاً عن العرب الأميركيين، الذين كما بات معلوماً اضطلعوا بدور أساسي في إيصاله إلى البيت الأبيض عام 2020

ووسط هذه “الأزمة الخطيرة جداً” في العلاقة الأميركية – الإسرائيلية بحسب وصف السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن إيتامار رابينوفيتش، سيعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي من الآن فصاعداً على تصوير الرئيس الأميركي على أنه عائق أمام تحقيق إسرائيل الانتصار في غزة، وعلى أن المواقف الأميركية الأخيرة تُشجّع “حماس” على التردد في الموافقة على وقف للنار، وتُقوّي “حزب الله” في لبنان.

التغيُر في الخطاب الأميركي لا يجد من يلاقيه في إسرائيل. والتشدد الذي يتبدى اليوم، تلا زيارة الوزير في مجلس الحرب الإسرائيلي بيني غانتس إلى واشنطن. فهل اكتشف المسؤولون الأميركيون أن الرجل غير قادر على مواجهة نتنياهو، فبادروا هم إلى رفع نبرة صوتهم؟

وغانتس لا يقل حماسة عن نتنياهو في تأييد الهجوم على رفح، وأبلغ صراحة إلى نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس عندما التقاها في واشنطن، أن عدم مهاجمة رفح تعني كمن يخمد حريقاً في منزل بنسبة 80 في المئة ويترك 20 في المئة مشتعلاً. واعتبر أن شومر “قد أخطأ” بالكلام عن نتنياهو بهذه الطريقة.

ومن الآن، حتى الانتخابات الأميركية في 5 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، هل ينجح بايدن في حمل نتنياهو على التزام “خطه الأحمر” أم يتمكن نتنياهو من تجاوز هذا الخط.. واسقاط بايدن؟

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  طرابلس مُغتصَبة.. هل تسكُت مُغتصَبة؟