لا يُقاس وجود الدولة الفعلية بعدد البيانات ولا بالمواقف، بل بقدرتها على التنفيذ. ويكمن التحدي الأساسي للعهد الحالي، في رئاستيه الأولى والثالثة (الجمهورية والحكومة)، في الإعلان عن حصرية السلاح كبند تأسيسي، من دون ترجمته حتى الآن إلى خريطة طريق واضحة تنقل البلاد من إدارة الأزمة إلى صناعة المسار.
وحتى الآن، يمكن القول إن الدولة اللبنانية تستند إلى الخيار الأسهل لتفادي ما يُسمّى المواجهة الداخلية. صحيح أن هكذا خيار سيكون الأصعب والأكلف على صعيد البلد، غير أن ترف الوقت لم يعد متاحًا للبنان واللبنانيين. فالجبهتان الجنوبية والبقاعية تتعرضان لقصف يومي، وأي هدوء نسبي محتمل في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية لا يرتبط بمسار الدولة أو بتغيير في العقيدة الإسرائيلية، بل بتأجيل ظرفي يتعلّق أولًا وأخيرًا بالملف الإيراني.
لذلك، فإن الالتزام بحصر السلاح، كما عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يبقى في إطار الموقف السياسي العام، وهنا تكمن المشكلة. فالدولة التي لا تحوّل التزامها إلى مسار، تتحوّل تدريجيًا إلى طرفٍ مراقب في معركة سيادية وطنية يُفترض أنها تقودها.
والملاحظ أن الدولة اللبنانية تحاول التحرّك بين عائقين رئيسيين: داخلي يتمثّل في رفض حزب الله وتعنّته من جهة، وخارجي يتمثّل في استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واستغلال إسرائيل الكبير للانقسامات الداخلية وضعف الدولة من جهة ثانية.
كما تتعامل الدولة اللبنانية مع قضية حصر السلاح كملف أمني وسياسي، لا كمعركة تأسيسية. فمسألة حصر السلاح، بكل تشعّباتها الداخلية، هي صراع على فكرة الدولة، والمواطنة، والانتماء، وهي صراع على من يملك القرار، وعلى من يحدّد وظيفة الدولة نفسها: هل هي مرجعية سيادية أم ساحة مفتوحة لإدارة التوازنات؟
وعلى الرغم من كل الخطوات التي تحاول الدولة القيام بها، فإنها تتقاطع مع حزب الله في الرهان على الوقت، وعلى تبدلات إقليمية قد لا تأتي في التوقيت المتبقي أمام لبنان، أو بالشكل الذي يخدم مصلحته.
في المقابل، يواصل حزب الله إدارة هذا الملف بمنطق الأمر الواقع: لا جدول زمنياً؛ لا نقاشات جدية في المرحلة الثانية، والاستمرار في إعادة إنتاج الوقائع الميدانية والسياسية. والأخطر من ذلك ربط مسألة السلاح بـ«المعركة الوجودية»، ما يخلق شرخًا طبيعيًا بين فكرة الدولة وأنصاره، ويحوّل النقاش من قضية وطنية إلى عنصر استقطاب طائفي ومذهبي.
وحين يصرّح مسؤولون في الحزب بأنهم مستعدون لمناقشة مسألة السلاح، فإنهم يربطون أي نقاش بضرورة «التشاور» حول ما يُسمّى «استراتيجية وطنية» أو «استراتيجية أمن وطني»، والهدف من ذلك إدخال الحزب كطرف مقرِّر مع الدولة اللبنانية في مسألة السلاح. بينما، ووفقًا لقرارات الحكومة والدستور اللبناني، فإن مؤسسات الدولة الأمنية هي الجهة الوحيدة المخوّلة وضع أي استراتيجية، ولبنان لديه بالفعل استراتيجية أمن وطني تحت عنوان «قانون الدفاع الوطني» الذي وُضع عام 1983.
الواقعية السياسية تغطية للعجز
تقول الدولة اللبنانية إنها لا تريد المواجهة، لكن تجنّب المواجهة من دون بناء بدائل سياسية يشكّل استنزافًا إضافيًا وفقدانًا للمبادرة. فالواقعية السياسية لا تعني إدارة العجز، بل استخدام الأدوات المتاحة، وهي:
-
التزام رسمي موثّق بحصرية السلاح (القرار 1701 والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام).
-
دعم عربي كبير، وإن كان مشروطًا بالإنجاز في الإصلاحات أو في حصرية السلاح.
-
غطاء دولي هش لكنه قائم.
-
إجماع داخلي ضد الحرب.
غير أن هذه الأوراق تبقى معطّلة ما لم تُستخدم ضمن مسار سياسي واضح. عمليًا، يحتاج تحويل الالتزام إلى سياسة قابلة للتنفيذ إلى ثلاثة عناصر أساسية:
أولًا؛ إدارة سياسية للانقسام الداخلي، عبر نقل النقاش من الشارع والإعلام إلى إطار مؤسساتي واضح، يضع حزب الله أمام مسؤولياته كحزب مشارك في الدولة يلتزم بسياساتها، لا كقوة فوقها.
ثانيًا؛ ربط حصر السلاح بمسار عربي دولي واضح، بحيث يصبح أي تعطيل داخلي مكلفًا سياسيًا، لا مجرد خلاف داخلي قابل للاحتواء.
ثالثًا؛ تحويل الانتشار العسكري الحالي للجيش اللبناني من إجراء تقني إلى ورقة تفاوضية سيادية.
ويتطلّب ذلك إعلان جدول زمني من دون انتظار «موافقة داخلية»، وطلب ضمانات مكتوبة مقابل كل خطوة من الدول الراعية لمسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى تدويل الاعتداءات الإسرائيلية بدل إدارتها، وإخراج ملف السلاح من التوازنات الداخلية إلى إطار سيادي وطني بمسار فعلي، لا بالاكتفاء بالتصريحات.
إذا لم تتحوّل هذه اللحظة إلى مسار سياسي واضح، فلن نكون أمام فرصة أخرى ضائعة، بل أمام خطيئة جديدة يقترفها أركان الدولة، ستكون الأكثر كلفة في تاريخ لبنان، ليس فقط على مستوى أمنه، بل على مستوى فكرة وجوده بجغرافيته الحالية. وسيدفع اللبنانيون ثمن «الانتظار الاستراتيجي» الذي أعلنه المسؤولون في الدولة. فإما أن يصبح حصر السلاح سياسة دولة، أو يبقى شعارًا يُستهلك بينما يُستنزف البلد.
ختامًا؛ يصح القول إن الدولة ليست خطابًا توافقيًا، بل هي قرار، وصدام سياسي محسوب، وإعادة تشكيل للتوازنات من داخل المؤسسات، بما يضمن تطبيق الدستور من دون بدع ما يُسمّى «أرانب سياسية أو طائفية»، ومن دون قدرة أي طرف على تهديد الدولة، قبل المواطنين، بالحرب الأهلية. مشكلتنا أن معظم المسؤولين اللبنانيين، حتى الآن، ليسوا مستعدين لتحمّل كلفة الدولة.
