مصر بين جبهات التنمية.. و”نار الجوار”!

تشهد جمهورية مصر العربية تطورات كبيرة، يستطيع الزائر أن يراها حتى وإن لم تكن زياراته متباعدة زمنيًا. ويمكن ملاحظة هذه التحولات منذ لحظة الوصول إلى مطار القاهرة وحتى المغادرة؛ ففي كل تفصيل هناك تغيير: الطرقات، الساحات، مستوى النظافة، وصولًا إلى صناعة القرار، الذي يبدو واضحًا أنه يسعى لاستعادة موقع مصر الريادي.

على الرغم من «زنّار النار» الذي يحيط بمصر (قطاع غزة شرقًا، ليبيا غربًا، والسودان جنوبًا)، استطاعت القيادة المصرية أن تنأى بالبلاد عن التورط المباشر في الصراعات المسلحة المحيطة، لتواصل تركيزها على العمل التنموي في المجالات السياحية والصناعية والزراعية والعلمية والتكنولوجية. وفوق كل ذلك، عملت على تطوير قدرات القوات المسلحة بمختلف قطاعاتها، إذ لا يمكن لدولة تعيش وسط هذه النيران أن تستمر في خططها التنموية من دون قدرات عسكرية تحميها. لذلك، استبدلت القيادة المصرية سياسة التدخل العسكري بسياسة التدخل السلمي والتحكيمي والوساطة، فشكّلت بذلك نقطة التقاء وتواصل بين القوى المتنازعة في دول الجوار.

يبدأ زائر القاهرة بملاحظة هذا التطور منذ اللحظة التي تطأ فيها قدماه أرض مطار القاهرة، الذي جرى توسيعه وتطوير آليات العمل فيه بما يخدم سرعة الخدمة وسرعة إنجاز معاملات الدخول، حتى لمن يحصل على التأشيرة عند الوصول. وعند مدخل المطار، تلاشت الفوضى والزحمة الخانقة، ليحلّ مكانهما تنظيم صارم مترافق مع تهذيب عناصر الشرطة الذين يبادرون إلى تقديم المساعدة عند الحاجة.

وعندما تسير بك السيارة على الطريق السريع من المطار إلى قلب العاصمة القاهرة، يلفت انتباهك – كما في كل زيارة سابقة – الانتشار الكثيف للصور الكبيرة لرئيس البلاد على جانبي الطريق، مرفقة بشعارات “تحيا مصر”. ومع أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل باستمرار رؤساء دول وحكومات من مختلف أنحاء العالم، ويزور دولًا عدة، إلا أن هناك صورة واحدة على هذا الطريق لا بد أن تترك دلالة سياسية خاصة، وهي صورة الرئيس السيسي إلى جانب الزعيم الصيني شي جين بينغ. فهل وجود هذه الصورة مقصود أم محض صدفة؟

وهنا لا بد من الاستطراد بالقول إن الصين، الدولة التي تمتلك سلاحًا نوويًا وعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، ولديها جيش جرّار يُعد ثالث أقوى جيش في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، هي الدولة العظمى الوحيدة غير المتورطة في أي نزاع مسلح، على الرغم من أنها تحتل المرتبة الأولى كأقوى اقتصاد في العالم، تليها الولايات المتحدة الأميركية. كما أن الصين تضم أكبر عدد من السكان في العالم، إذ يتجاوز عددهم المليار ونصف المليار نسمة.

ووفقًا لهذا الاستطراد، يمكن ملاحظة أوجه تشابه بين الصين ومصر؛ فالأخيرة تمتلك أكبر عدد سكان في المنطقة العربية، يتجاوز 110 ملايين نسمة، ولديها أكبر جيش في المنطقة، ويبدو أنها تعمل لتصبح قوة اقتصادية كبرى أيضًا.

الهرم الحديث

وعند التجول في شوارع القاهرة، يلاحظ الزائر الاختفاء التدريجي لما كان يُعرف بـ«العشوائيات» والأبنية المتهالكة، بعد أن أزالتها في معظمها مشاريع توسيع الطرق السريعة. وليس سرًا أن السلطات خيّرت المقيمين في هذه المناطق بين الحصول على تعويض مالي مقابل الإخلاء، أو مبلغ يتيح لهم استئجار مسكن مؤقت إلى حين انتهاء الحكومة من بناء شقق سكنية شعبية لائقة.

وتبدو القاهرة اليوم كأنها ورشة بناء مفتوحة في مختلف الميادين، من الطرق إلى القطارات الأحادية السكة، مرورًا بتوسعة محطات المترو وزيادة عددها بما يتناسب مع التوسع العمراني للعاصمة. ومع ذلك، تقلّصت الزحمة الخانقة، ولا سيما في ميدان التحرير، بنسبة كبيرة بعد انتقال معظم المؤسسات الحكومية إلى العاصمة الإدارية.

وما أن تخرج من القاهرة بضعة كيلومترات باتجاه الجيزة، حتى يلفت نظرك البناء الضخم للمتحف المصري الكبير، الذي يحاكي بتصميمه الهندسي العمارة الفرعونية في بناء الأهرامات. فعلى الرغم من ضخامته، لا يحتوي على أعمدة تقليدية، إذ يعتمد الشكل الهرمي، وتطل واجهاته على الأهرامات القريبة منه، في رسالة رمزية تقول إن هذا المتحف هو «الهرم المصري الحديث».

ويشكّل الدخل السياحي في مصر ما يقارب ربع الدخل القومي. وتعليقًا على ما بات يؤمّنه المتحف الكبير من موارد، قال لي أحد الأصدقاء: «قد يورث الأهل أبناءهم رزقًا محدودًا أو مالًا معدودًا، لكن شعبنا ورث عن أجدادنا الفراعنة رزقًا جاريًا بلا حدود».

وليس بعيدًا عن القاهرة، بُنيت مدينة كاملة هي «مدينة الشيخ زايد»، المتصلة بالعاصمة بشبكة طرق سريعة. وعلى الرغم من أنها لا تزال قيد الإنشاء، حيث يمكن رؤية مئات ورش البناء، فإن الجزء المنجز والمسكون منها ليس قليلًا. فهناك مئات الفيلات المشيّدة وفق الطراز المعماري العربي، إضافة إلى مراكز تجارية كبرى (مولات)، ومستشفى حديث، فضلًا عن المؤسسات التجارية والمطاعم والأندية الشعبية. ويلفت انتباه الزائر أيضًا وجود عيادات طبية نقالة مجهزة للتدخل عند الحاجة.

مقهى نجيب محفوظ

ولا يمكن للزائر أن يغادر القاهرة من دون محطة في شارع خان الخليلي التجاري والشعبي، حيث تختلف الزيارة اليوم كثيرًا عن أي زيارة سابقة. فقد أُقيم سور كبير يحيط بمسجد الإمام الحسين وبالباحة الواسعة أمامه، التي تحولت إلى استراحة للمصلين، تتوزع فيها أشجار النخيل فوق أرضية من الرخام الأبيض.

إقرأ على موقع 180  مؤتمر الأستانة

أما سوق خان الخليلي، فلا يزال محتفظًا بزحمة رواده وبائعيه، الذين ينادون على بضائعهم بلغات أجنبية متعددة، كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية، وأحيانًا اليونانية. وعند التوغل في عمق السوق، يستقبلك «مقهى نجيب محفوظ»، حيث تبدأ حكاية يعود عمرها إلى أكثر من 175 عامًا.

ففي بداياته، كان المقهى إسطبلًا للخيل في عهد محمد علي باشا (1805 – 1849)، قبل أن تحوّله عائلات يهودية مصرية في مطلع القرن الماضي إلى محل لبيع الذهب والفضة والمجوهرات. وبعد انتصار ثورة الضباط الأحرار عام 1952، حوّلته “مؤسسة مصر للسياحة” إلى مطعم، وفي عام 1989 أُطلق عليه اسم «مقهى نجيب محفوظ» بعد فوز الأديب المصري الكبير بجائزة نوبل للآداب. وكان محفوظ من رواده الدائمين، وله طاولة خاصة يُقال إنه كتب عليها ثلاثيته الشهيرة: «بين القصرين»، «قصر الشوق»، و«السكرية».

وقد جرى تطوير التصميم الداخلي للمقهى، فأصبح يتسع لثلاثمئة ضيف ويعمل فيه 105 عمال، ويفتح أبوابه من الثامنة صباحًا حتى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. أما الطاولات فهي من الخشب القديم المغطى بالنحاس المزخرف بالنقوش العربية، فيما الكراسي من الخشب المحفور والمطعّم بالصدف. وتزين جدران المقهى صور نجيب محفوظ إلى جانب صور مشاهير آخرين، كما نُقش توقيعه واسمه بخط يده على أحد الأعمدة الخشبية. وليس من السهل حجز طاولة في الصالة الرئيسية التي كانت تضم طاولته، إذ تشهد يوميًا عروضاً فنية.

وضع اقتصادي صعب

إنها مصر الحديثة التي يراها الزائر اليوم، ويمكنه أن يلمس ملامحها أيضًا من خلال اللوحات الإعلانية في الشوارع أو عبر شاشات التلفزة، التي تعكس تطورًا زراعيًا وصناعيًا، إلى جانب دور متنامٍ للمنظمات الخيرية، التي لم يعد نشاطها يقتصر على مساعدة المحتاجين بالغذاء، بل يشمل تطوير شبكات المياه، ودعم الزراعة، ومساندة المستشفيات، ولا سيما تلك المتخصصة بالأمراض المستعصية.

أما الوجه غير المنظور لمصر، فيتمثل في العدد الكبير من النازحين من دول الجوار التي تشهد حروبًا طاحنة، ولا سيما من السودان وليبيا، إضافة إلى سوريا وعدد غير قليل من الفلسطينيين. ويفتخر المصريون بالقول إن بلدهم هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي استضافت نازحين من دون أن تُقام على أرضها مخيمات. وعلى الرغم من غياب أرقام رسمية دقيقة، يُتداول أن عدد هؤلاء النازحين يقترب من خمسة ملايين نسمة.

وفي هذه البانوراما، لا بد من الإشارة إلى أن الحالة الشعبية تعبّر عن انتقادات حادة للقيادة السياسية، ليس فقط لأسباب اجتماعية أو اقتصادية، بل أيضًا بسبب ما تعتبره تقاعسًا عن دعم الفلسطينيين في مواجهتهم للعدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة ولبنان منذ أكثر من عامين. ويطالب أصحاب هذا الرأي بأن يكون لمصر دور أكبر في تعزيز صمود الفلسطينيين واللبنانيين، ويذهب بعضهم إلى الدعوة لطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة وإغلاق السفارة الإسرائيلية.

ولا ينفي ذلك وجود تململ شعبي واسع من الوضع الاقتصادي الصعب، إذ انهار سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار ليصل إلى نحو 54 جنيهًا للدولار الواحد، واتسعت الفجوة بين الرواتب وأسعار السلع. وتعمل الحكومة حاليًا على ترشيق الإدارة العامة عبر خفض عدد موظفي القطاع العام من سبعة ملايين إلى ثلاثة ملايين خلال السنوات القليلة المقبلة.

تعيش مصر اليوم سباقًا محمومًا بين الحاجة الملحّة لإنجاز المشاريع التنموية والعمرانية، التي من شأنها ترك بصمة كبيرة على تطور البلاد وتحسين مستوى الدخل، وبين التراجع الآني في دخل الفرد، الذي ينعكس أزمة معيشية عميقة. وفي خضم هذا السباق، لا يمكن لمصر تجاهل النيران المشتعلة في دول الجوار، ولا التهديد المائي الذي بات يشكّله سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، إضافة إلى تمدد إسرائيل في منطقة القرن الإفريقي.

هذه هي مصر اليوم: تتأرجح بين تسريع عملية البناء والتطوير، والحرص على حماية إنجازاتها بقوة عسكرية متنوعة المصادر. فلا هي محتكرة للغرب، ولا مرتهنة للشرق، بل تعمل باستمرار على تطوير صناعاتها العسكرية. وليس لمحبي مصر إلا الدعاء بأن تبقى برعاية حاميها، وأن يُعطى شعبها القوة والمنعة لمواصلة ما بناه الأجداد.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هل يملأ ماكرون فراغ ميركل أوروبياً؟