“فورين بوليسي”: يأس الطبقة الوسطة وبؤسها.. القصة التي لا تُروى عن إيران

18018009/02/2026
تحت عنوان "يأس إيران هو سياسة أميركية"، كتب نائب الرئيس التنفيذي في معهد كوينسي" تريتا بارسي مقالة في "فورين بوليسي" قال فيها إنه عندما انسحب دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 وأعاد فرض العقوبات على إيران، "أزال الشرط الأكثر أهمية لترسّخ الإصلاح: نموًا اقتصاديًا مستدامًا وطبقة وسطى قوية قادرة على ممارسة ضغط فعّال على الدولة".

“كيف، وبفعل من، دُفع الإيرانيون إلى نقطة بدأوا عندها ينظرون بحسد إلى مصائر أفغانستان والعراق وليبيا، وهي النماذج الأبرز للسجل الكارثي للتدخلات العسكرية الأميركية؟

لقد انتهجت جماعات معارضة في المنفى وحكومات غربية استراتيجيات هدفت صراحة إلى إغلاق أي مسارات بديلة للتغيير، ودفع الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية في إيران نحو الانهيار. وأسهمت حملات الضغط هذه في إفقار المحرّك التقليدي للتغيير السلمي في البلاد: الطبقة الوسطى، ولا سيما النساء فيها. وبهذا، جرى تحويل الضغط إلى شلل، وتقويض إمكانات التغيير السلمي، مع الرهان بدلًا من ذلك على القطيعة والانفجار.

على مدى أكثر من عقدين، سعى الإيرانيون إلى تغيير النظام من الداخل. شاركوا بأعداد كبيرة في صناديق الاقتراع، ونظموا أنفسهم سلميًا، ورفعوا مرشحين إصلاحيين، وخرجوا إلى الشوارع عندما أُحبطت هذه الجهود. غير أن هذا المشروع الإصلاحي فشل في تحقيق مكاسب ملموسة لغالبية الإيرانيين، ولا سيما الجيل الشاب. فقد بات الاقتصاد أضعف، وتقلّص الحيز السياسي، وأصبح المناخ العام أكثر تقييدًا مما كان عليه في عهد رئاسة محمد خاتمي. ووفق معظم المؤشرات المرتبطة بالحياة اليومية، فإن إيران تراجعت بدل أن تتقدم.

لذلك، عندما اندلعت احتجاجات مهسا أميني عام 2022، لم تحمل لغة إصلاح، بل كان المطلب تغيير النظام، والمسار المتخيَّل لتحقيق ذلك هو الثورة. صحيح أن حركة «المرأة، الحياة، الحرية» حققت تحوّلًا ثقافيًا عميقًا، وأجبرت الدولة عمليًا على تخفيف فرض الحجاب الإلزامي، لكنها أخفقت في تحقيق تغيير النظام، ما ترك كثيرًا من أنصارها في حالة إحباط وخيبة أمل.

وبحلول عام 2026، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات بدأت على خلفية مطالب اقتصادية، فإن شريحة من السكان طالبت فورًا بتغيير النظام، لا عبر الثورة، بل من خلال تدخل عسكري أجنبي. ووفق هذا المنطق، فإن الجمهورية الإسلامية متجذّرة إلى حدّ لا يمكن إزاحتها على يد الإيرانيين وحدهم، سواء عبر الإصلاح أو الثورة، ولا يمكن إسقاطها إلا بتدخل من الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وهكذا، بات خيار كان غير قابل للتصوّر قبل أشهر قليلة فقط يُقدَّم اليوم، من قبل مناصريه، بوصفه المسار الوحيد المتبقي للتغيير. فقد كتب أحد مستشاري رضا بهلوي نجل الشاه السابق – المنفي الطامح إلى العرش، الذي بات يدعو علنًا إلى تدخل عسكري أميركي- بثقة وبنبرة استحسان، أن العمل العسكري في عهد دونالد ترامب أصبح «حتميًا».

لم تصل الأمور إلى هذه النقطة مصادفة. فقد كان السؤال الأساسي هو ما إذا كان المجتمع سينمو ويقوى إلى حدّ يجبر المتشددين على الرضوخ له، كما رضخوا سابقًا للاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). وهنا لعبت العقوبات الأميركية دورًا محوريًا في ترجيح كفة المتشددين (…)؛ فقد صُمّمت العقوبات عمدًا لسحق الاقتصاد ودفع السكان إلى حالة من اليأس المطلق. وعندما فرض ترامب عقوبات شاملة في إطار حملة «الضغط الأقصى»، قال وزير خارجيته آنذاك، مايك بومبيو، لهيئة الإذاعة البريطانية إن الإيرانيين «إذا أرادوا لشعبهم أن يأكل، فعليهم الامتثال للمطالب الأميركية». كما نسب سكوت بيسنت علنًا حركات الاحتجاج في إيران إلى آثار العقوبات، مستشهدًا بالانهيار الاقتصادي، وفشل البنوك، ونقص العملات، وتعطّل الاستيراد، بوصفها أدلة على أن الضغط «يؤتي ثماره»، وواصفًا الاضطرابات الناتجة بأنها تطور «إيجابي للغاية».

لسنوات، استمر جدل زائف حول ما إذا كانت العقوبات أو سوء الإدارة الداخلية تتحمل المسؤولية الأساسية عن الأزمة الاقتصادية في إيران. غير أن أحدث الأبحاث تضع عبء هذه المسؤولية بوضوح على العقوبات، مبيّنة أنه لولا تأثيرها لكانت الطبقة الوسطى الإيرانية قد توسعت بنحو 17 في المئة. لكن هذا الجدل يغفل النقطة الأعمق: فقد كان الهدف من العقوبات دفع الاقتصاد إلى الانهيار، وتدمير الطبقة الوسطى الإيرانية – إذ دُفع نحو تسعة ملايين إيراني من أبناء هذه الطبقة إلى الفقر بين عامي 2011 و2019 – وخلق مستوى من اليأس الجماعي يجعل القطيعة، لا الإصلاح أو الانتخابات أو التغيير التدريجي، الخيار الوحيد المتبقي.

لطالما أدرك الإصلاحيون الإيرانيون أن الإصلاح الحقيقي مستحيل من دون رفع العقوبات، وأن إنقاذ الاقتصاد غير ممكن في ظلها. كما أن رفع العقوبات كان مستحيلًا من دون اتفاق مع واشنطن حول الملف النووي. وقد دفع هذا الإدراك حسن روحاني إلى استثمار سياسي كبير في خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). وبرغم الصعوبات، جرى التوصل إلى الاتفاق، وخلال العامين اللذين ظل فيهما ساري المفعول، نما الاقتصاد الإيراني بمعدل تراوح بين 6 و7 في المئة سنويًا.

لكن هذا الانفتاح كان قصير الأمد. فعندما انسحب ترامب من الاتفاق عام 2018 وأعاد فرض العقوبات، أزال الشرط الأكثر أهمية لترسّخ الإصلاح: نموًا اقتصاديًا مستدامًا وطبقة وسطى قوية قادرة على ممارسة ضغط فعّال على الدولة. وفي نظر كثير من الإيرانيين، جرى نزع الشرعية عن المشروع الإصلاحي برمّته، سواء بسبب الاستثمار الفاشل في اتفاق مع الولايات المتحدة أو بسبب ضعف رد حكومة روحاني عندما أطلقت الدولة موجات جديدة من القمع ضد السكان.

إقرأ على موقع 180  حكومة ماكرون اللبنانية.. برئاسة الحريري أو من يختاره

ولو بقيت الولايات المتحدة في الاتفاق النووي، لكان من المرجح أن يواصل الاقتصاد الإيراني نموه، موسّعًا الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًا محرّك التغيير السياسي. وكانت طبقة وسطى أكبر وأكثر ثقة ستعزز المجتمع المدني، وتمكّن من ممارسة ضغط مستدام على الدولة من موقع قوة، بدل المطالبة بالثورة أو التدخل العسكري بدافع اليأس.

وجد الإيرانيون أنفسهم عالقين بين ثيوقراطية قمعية، وفاعلين خارجيين صُمّمت سياساتهم عمدًا لإنتاج الإحباط واليأس. والمفارقة صارخة: فالأصوات نفسها التي ساهمت في إغلاق مسارات التفكيك السلمي للنظام الثيوقراطي، تقدّم نفسها اليوم بوصفها منقذة، عارضة التدخل العسكري الأجنبي باعتباره الطريق الوحيد للخلاص – وهو عرض لم يكن ليجد قبولًا، لولا أن السكان دُفعوا أصلًا إلى حافة اليأس”.

(*) المصدر “فورين بوليسي“؛ تمت الترجمة (بتصرف) من الإنكليزية إلى العربية بواسطة “شات جي بي تي”

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بيرنز: التعامل مع إيران مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة