حكومة ماكرون اللبنانية.. برئاسة الحريري أو من يختاره

لولا رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، لما كان حُدّدَ موعد للإستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد للحكومة في لبنان، ولولا كارثة بيروت، لما وضع لبنان مجدداً على خارطة الإهتمام الدولي، ولكن لأجل محدد.. وليس مفتوحاً.

ما أن أعلنت دوائر الرئاسة اللبنانية عن تحديد موعد الإستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المكلّف بتشكيـل الحكومة اللبنانية الجديدة، الإثنين المقبل، حتى بات الإهتمام متمحوراً حول هوية رئيس الحكومة المقبل.

وقبل الخوض في الترجيحات، لا بد من إشارة محورية إلى أن “الفرصة الفرنسية” لبنانياً، غداة كارثة مرفأ بيروت، لم تكن مفتوحة، وشكل تحديد موعد زيارة الرئيس الفرنسي إلى لبنان في الأول من أيلول/سبتمبر، عامل ضغط على الجميع. ثمة فرصة لا يمكن تضييعها، في ظل المناخ الدولي الضاغط على لبنان في الأشهر الأخيرة، وبسبب جائحة كورونا وتداعياتها الإقتصادية دولياً.

حتى أن الموقف الأميركي الضاغط على لبنان، إستطاع الفرنسيون تحييده أو بالأحرى الحد من تأثيره السلبي، بمجرد موافقة الأميركيين على تفويض ماكرون بإدارة الملف اللبناني، بالتشاور والتنسيق معهم. وكان واضحاً أن بدء العد العكسي للإنتخابات الأميركية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، خفف عن كاهل الفرنسيين، بسبب طبيعة هذه الإنتخابات والإحتدام الحاصل بين المرشحين الجمهوري دونالد ترامب والديموقراطي جو بايدن.

وبرغم كل محاولات الفرنسيين تلطيف الموقف السعودي، إلا أنهم إصطدموا بحاجز فولاذي في الديوان الملكي السعودي لا يقبل أي أخذ ورد في ما يخص إعادة تكليف سعد الحريري. الفرنسيون تشاوروا مع الإيرانيين في كل خطواتهم وبقيت قنوات الإتصال مفتوحة بين وزير خارجيتهم جان إيف لودريان ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف.. وكانت “النتائج إيجابية” على حد تعبير مصادر فرنسية.

كان رد وزارة الخارجية السعودية على الإتصال الروسي حاسماً: أية شخصية وأية حكومة جديدة في لبنان يجب أن تضع أولوية لا تتقدم عليها أولوية أخرى.. نزع سلاح حزب الله!

كذلك، إستنجد الفرنسيون بروسيا من أجل محاولة تليين الموقف السعودي، وكان رد وزارة الخارجية السعودية على الإتصال الروسي حاسماً: أية شخصية وأية حكومة جديدة في لبنان يجب أن تضع أولوية لا تتقدم عليها أولوية أخرى.. نزع سلاح حزب الله!

وحاول المصريون لعب دور على خط أكثر من عاصمة في الإتجاه نفسه، لكن الرياض كان موقفها متصلباً من الحريري ومن أية تركيبة تعيد إنتاج التسوية الرئاسية التي حصلت بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر في العام 2016.

في ظل هذا المناخ الدولي والإقليمي المتشابك والمعقد، لم يهدأ الفرنسيون، لكنهم كانوا واضحين: الفرصة متاحة “لكن العالم الخارجي قد يتخلى عن حماسته واندفاعته لأكثر من سبب في حال استمرار حال المماطلة والمراوغة داخل الوسط السياسي اللبناني”.

إصطدمت باريس، ومن وراءها واشنطن، بـ”فيتو” من حزب الله والرئيس نبيه بري على تسمية نواف سلام. لو وافق أحد الطرفين، لكان سلام رئيساً للحكومة، غداة زيارة ماكرون الأولى. الإلحاح من “الثنائي الشيعي” على تسمية الحريري من جهة ورفضهما تسمية نواف سلام من جهة ثانية، جعل الأمور تنحى بإتجاه البحث عن إسم ثالث، مع الأخذ في الإعتبار “الفيتو” الذي وضعه الثلاثي وليد جنبلاط وجبران باسيل وسمير جعجع على الحريري، ولكل منهم أسبابه، من دون إغفال البعد السعودي وراء موقفي جنبلاط وجعجع، ولو بدرجة متفاوتة، وأيضاً البعد الشخصي في موقف باسيل.

عندما أصدر سعد الحريري بيان العزوف عن الترشيح، لم يعد هناك من مبرر رئاسي لبناني لعدم تحديد موعد الإستشارات. ضغط الفرنسيون في الإتجاه نفسه. بين التاسعة صباحا والواحدة والنصف من ظهر يوم الإثنين المقبل، ستجري الإستشارات، وما أن ينتهي الموعد الأخير مع رئيس مجلس النواب، حتى يصدر مرسوم التكليف، أي قبل ساعات قليلة من موعد وصول ماكرون إلى بيروت.

واللافت للإنتباه في برنامج الإستشارات أنه للمرة الأولى، منذ العام 1990، يحدد موعد لرئيس مجلس النواب في نهاية الإستشارات وليس في بدايتها، بينما كان لافتاً للإنتباه أن المواعيد الأولى ستكون لكل من نجيب ميقاتي وتمام سلام وسعد الحريري وكتلة المستقبل النيابية، وهي الأسماء التي يكفي أن تُعلن موقفها حتى تتضح صورة التكليف.

من هي الشخصية المرجحة حتى الآن؟

هنا، لا بد من إستدراك جوهري بأن التكليف ستكون له مظلة فرنسية حتماً، لكنه محكوم، في الوقت نفسه، بممر إلزامي لبناني متعرج ومتضارب المصالح، وذلك تبعاً لحسابات دستورية وسياسية.

أولاً، لن تتم تسمية أي رئيس للحكومة ما لم يباركه سعد الحريري بالدرجة الأولى ومعه باقي المكونات النيابية سياسياً؛

ثانياً، لو توافقت الكتل النيابية على إسم واحد وقرر ميشال عون رفضه (ضمناً جبران باسيل)، فإن رئيس الجمهورية، يستطيع أن يناور دستورياً في توقيع مرسوم التكليف، برغم أن النص الدستوري واضح (المادة 53 من الدستور تنص على الآتي: يُسمّي رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة المُكلّف، بالتشاور مع رئيس مجلس النوّاب، إستنادًا إلى إستشارات نيابية مُلزمة، يُطلعه رسميّاً على نتائجها”).

يفترض بالرئيس سعد الحريري أن يختار، خلال مهلة لا تتعدى 48 ساعة، مرشحاً لرئاسة الحكومة بـ”مواصفات غير إستفزازية”

ثالثا، لا يستطيع أحد تجاوز الإعتبار الميثاقي، فإذا رفض “الثنائي” (بري وحزب الله) إسماً معيناً (نواف سلام نموذجاً)، يمكن أن يمر التكليف دستورياً، لكن يمكن تعطيل مروره سياسياً، لا سيما من خلال ممر التأليف، أي أن يقرر كل من حزب الله وحركة أمل البقاء خارج الحكومة وعدم منحها الثقة، فضلا عن إمساك رئيس المجلس بمفتاح الدعوة إلى جلسة الثقة؛

رابعاً، يسري الإعتبار الميثاقي على باقي المكونات، سواء بـ”الفيتو” أو “التبريك”!

إنتهى الإستدراك. ماذا عن التسمية؟

وفق المشاورات التي لم تهدأ في الساعات الأخيرة، وشارك فيها بشكل رئيسي الخليلان (حسين الخليل وعلي حسن خليل)، على خطوط سياسية متعددة، يمكن إختصار الإحتمالات على الشكل الآتي:

أولاً، يفترض بالرئيس سعد الحريري أن يختار، خلال مهلة لا تتعدى 48 ساعة، مرشحاً لرئاسة الحكومة بـ”مواصفات غير إستفزازية” للخارج أولاً (غير متهم بملفات فساد) وكذلك للداخل، وهذه المواصفات تسري على عدد من المرشحين ممن لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وأبرزهم تمام سلام وسمير الجسر. ولعل القاسم المشترك بين الإثنين هو الإحترام الذي يحظيان به عند حزب الله ورئيس مجلس النواب، فالأول (سلام)، وعلى مدى تجربته في رئاسة الحكومة، لم يرتكب أي “فاول” سياسي كبير، والثاني (الجسر)، خاض تجربة الحوار السياسي مع حزب الله برعاية بري، ولطالما إتسم خطابه بالإعتدال.

ثانياً، في الإجتماع الأخير (البعيد عن الأضواء) لنادي رؤساء الحكومات السابقين، تعرض الحريري لمساءلة بسبب موقف العزوف غير المنسق مع “النادي”. وكعادته، حاول رمي الكرة في ملعب سلام، ففوجىء بموقف حاد للأخير يرفض أن يكون رئيساً لحكومة في عهد ميشال عون وبشراكة مع باسيل. وعندما حاول رمي الكرة أيضاً في ملعب نجيب ميقاتي، بادر الأخير إلى قطع الطريق عليه بقوله إنه لا مرشح للنادي سوى سعد الحريري. إذا لم يعدّل سلام موقفه وهذا هو المرجح، فإن حظوظ أي مرشح آخر ستكون أكبر بطبيعة الحال.

لا عودة إلى نموذج حكومة حسان دياب، أي لا لحكومة يضعها الغرب في خانة “حكومة اللون الواحد” أو “حكومة حزب الله”

ثالثاً، ثمة خشية لدى “الوسطاء”، بأن لا يبادر الحريري إلى التسمية، إنسجاماً مع الموقف الأولي الذي كان قد أبلغه إلى النائب علي حسن خليل، وهذا الأمر، إن حصل، من شأنه أن يخلط الأوراق ويجعل موعد الإستشارات، للمرة الأولى، غير محكوم بتوافق سياسي مسبق على الشخصية التي ستوكل إليها رئاسة الحكومة. هذا الخيار مطروح ويستبطن في طياته تلبية أمرين متلازمين هما، أولهما، تلقف زيارة ماكرون وبالتالي تحديد موعد الإستشارات وتسمية أي مرشح لرئاسة الحكومة وثانيهما، فتح الباب، غداة مغادرة ماكرون، أمام تعثر التأليف، فتعود الأمور إلى نقطة الصفر ويعود الحريري إلى دائرة الترشيح مجدداً. هنا، يتمنى الفرنسيون على الحريري أن لا يحرج نفسه وغيره من القوى، طالما أن ظروف عودته إلى رئاسة الحكومة غير ناضجة سياسياً، وهذه المرة الأولى التي تبدو فيها باريس غير متحمسة لعودته، في سياق يراعي الموقف السعودي المتشنج والموصد الأبواب بوجه رئيس تيار المستقبل.

رابعاً، إذا أفضت الإستشارات إلى تكليف شخصية تراعي كل الإعتبارات الآنفة الذكر، فإننا على موعد مع مخاض تأليف حكومي يفترض ألا يتجاوز مهلة الشهر (نهاية أيلول/سبتمبر)، ويؤدي إلى ولادة حكومة سياسية تكنوقراطية، تأخذ على عاتقها تنفيذ بنود ما تسمى “ورقة المهام الفرنسية”، والأهم فتح أبواب صندوق النقد الدولي المقفلة سياسياً حتى الآن.

خامساً، الأمر المحسوم عند الجميع أنه مهما كانت نتائج المشاورات الداخلية والخارجية، لا عودة إلى نموذج حكومة حسان دياب، أي لا لحكومة يضعها الغرب في خانة “حكومة اللون الواحد” أو “حكومة حزب الله”. لذلك، ليس موجوداً في حسابات الجميع لا الإتيان بمرشح من 8 آذار لرئاسة الحكومة ولا بمرشح من صنف نواف سلام، أي “على يمين 14 آذار”، أقله من منظور حزب الله وحركة أمل، برغم تساهل جبران باسيل مع الخيار الأخير!

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course