بيرنز: التعامل مع إيران مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة

منى فرحمنى فرح31/01/2024
"الوضع في الشرق الأوسط متشابك ومتفجر.. ومفتاح أمن إسرائيل والمنطقة هو التعامل مع إيران". هذا ما يقوله وليم بيرنز (*) في مقال نشرته "فورين أفيرز"، خصصه لإبراز دور الـ"سي آي إيه" في بناء "قوة" أميركا على الساحة الدولية. ورأى أن الصين هي "المنافس المخيف الأول" لأميركا التي ستظل تحديات الشرق الأوسط تلاحقها، وسيكون خطأها التاريخي "إدارة ظهرها" للصراع في أوكرانيا.    

في مقال من 4069 كلمة، حمل عنوان “فن التجسس وفن الحكم”، أشاد المدير العام لـ”سي آي إيه”، وليام بيرنز، بجهود الوكالة وتضحياتها التي “كانت حاسمة في تفوق القوة الأميركية” على الساحة الدولية منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية وحتى اليوم. وقال إن “التجسس سيظل جزءاً لا يتجزأ من فن الحكم”، حتى مع تطور تقنياته باستمرار (…).

ويؤكد بيرنز أن أميركا تواجه أوقاتاً صعبة ونادرة “لا تقل أهمية عن فجر الحرب الباردة، أو فترة ما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر”. ويوضح أن صعود الصين والنزعة الانتقامية الروسية تفرض تحديات جيوسياسية هائلة في عالم يتسم بالمنافسة الاستراتيجية الشديدة، حيث لم تعد أميركا تتمتع بأولوية لا تقبل المنافسة، وحيث تتصاعد التهديدات المناخية الوجودية”.

ويشرح بيرنز التحديات والتعقيدات التي أوجدتها ثورة التكنولوجيا. وكيف أن التقنيات الناشئة تعمل على تغيير العالم، وتجعل من مهمة الـ”سي آي إيه” أكثر صعوبة من أي وقت مضى “لأنها تمنح الخصوم أدوات جديدة قوية لإرباكنا، والتهرب منا، والتجسس علينا”.

ويضيف “لكن، وبقدر ما يتغير العالم، يظل التجسس عبارة عن تفاعل بين البشر والتكنولوجيا. ستظل هناك أسرار لا يمكن إلا للبشر جمعها، وعمليات سرّية لا يمكن إلا للبشر القيام بها”، داعياً إلى تحويل الوكالة إلى جهاز يحاكي عصر المنافسة في القرن الـ21 (…). هذا وقت التحديات التاريخية لوكالتنا ومهنتنا بأكملها، حيث تشكل التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية اختباراً كبيراً لم نواجهه من قبل. وسيعتمد النجاح على مزج الذكاء البشري التقليدي مع التكنولوجيات الناشئة بطرق إبداعية. بعبارة أخرى، سوف يتطلب الأمر التكيف مع عالم حيث التنبؤ الوحيد الآمن بشأن التغيير هو أنه سوف يتسارع.

روسيا.. وقعقعة النووي

ويوضح بيرنز أن حقبة ما بعد الحرب الباردة وصلت إلى نهايتها الحاسمة لحظة غزو روسيا لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. واعتبر أن الحرب في أوكرانيا كانت بمثابة “فشل” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على العديد من المستويات، وكشفت نقاط ضعف روسيا؛ التي راقبها على مدى عقدين من الزمن؛ وبسبب تلك الحرب تعرض الجيش الروسي “لأضرار جسيمة”، وأصبحت البلاد “تحت رحمة الصين اقتصادياً” (…).

ويتوقع بيرنز أن يكون العام الجاري (2024) صعباً على ساحة المعركة في أوكرانيا، وأن بوتين سيخوض اختباراً حقيقياً للبقاء في السلطة، وقد ينخرط مرة أخرى في قعقعة الأسلحة النووية، “وسيكون من الحماقة أن نتجاهل المخاطر التصعيدية التي يشكلها. لكن سيكون من الحماقة بالقدر نفسه أن يتم تخويفه دون داع” (…).

ويشدد بيرنز على أن مفتاح النجاح يكمن في الحفاظ على المساعدات الغربية لأوكرانيا “التي تمثل أقل من 5 بالمائة من ميزانية الدفاع الأميركية، أي أن المساعدات استثمار متواضع نسبياً لها عوائد كبيرة لأميركا- على الصعيدين الجيوسياسي والصناعي على وجه الخصوص- وتوفر فرصة لضمان فوز طويل الأمد لأوكرانيا وخسارة استراتيجية لروسيا.. بينما إدارة ظهرنا للصراع في هذه اللحظة الحاسمة وقطع الدعم سيكون له تداعيات سلبية تاريخية” (…)..

صعود الصين “مخيف”

ويحذر بيرنز من أن الصين هي “المنافس الوحيد” لأميركا، وستظل لها الأولوية القصوى “لأن لديها النية في إعادة تشكيل النظام الدولي، وتمتلك القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك” (…). ويوضح أن التهديد الذي تشكله الصين لا يتعلق فقط بالصعود الاقتصادي “المخيف” الذي تحققه، بل “بالتصرفات التهديدية التي تصاحب هذا الإزدهار”. فهي، مثلاً، تراقب الدعم الأميركي لأوكرانيا عن كثب أكثر من أي طرف آخر. ورئيسها شي جين بينغ يقيم شراكة “بلا حدود” مع بوتين، ويهدد السلام والاستقرار في مضيق تايوان، “ويميل إلى رؤية أميركا كقوة متلاشية” (…).

“وقف المساعدات الغربية لأوكرانيا.. وإدارة ظهرنا للصراع هناك سيكون خطأ تاريخياً، والصين أكثر من يراقب وأول من سيستفيد”

ويحذر بيرنز من أن “أفضل الطرق لتعزيز التصورات الصينية حول الضعف الأميركي وتأجيج العدوانية الصينية هو التخلي عن دعم أوكرانيا. ويؤكد أن استمرار الدعم المادي لأوكرانيا لا، ولن يأتي على حساب تايوان؛ بالعكس، إنه يبعث برسالة مهمة عن أن أميركا عازمة على مساعدة تايوان”(…).

ويضيف: “تجري المنافسة مع الصين على خلفية الترابط الاقتصادي الكثيف والعلاقات التجارية. ومثل هذه الروابط خدمت البلدين وبقية العالم بشكل ملحوظ، ولكنها خلقت أيضاً نقاط ضعف بالغة الأهمية ومخاطر جسيمة تهدد الأمن والرخاء الأميركيين. على سبيل المثال، جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا أوضحتا خطر الاعتماد على دولة واحدة للحصول على الإمدادات المنقذة للحياة (…). “وإذا كان الماضي سابقة، فيجب على واشنطن أن تكون منتبهة للمنافسات بين العدد المتزايد من القوى المتوسطة، والتي ساهمت تاريخياً في إثارة الاصطدامات بين القوى الكبرى” (…).

“طوفان الأقصى” والإنفجار الآتي

ويرى بيرنز في الأزمة التي يعيشها العالم منذ عملية “طوفان الأقصى” في قطاع غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بأنها “تذكير مؤلم بأن الشرق الأوسط لا يزال يفرض على أميركا خيارات وتحديات صعبة ومعقدة للغاية لن تستطيع التهرب منها”. وأنه يتعين عليها أن تُبحر بحذر وانضباط، وأن تتجنب الإفراط في التوسع وتستخدم نفوذها بحكمة” (…).

ويقول: “لقد أمضيت معظم العقود الأربعة الماضية أعمل في الشرق الأوسط وأتابع القضايا المتعلقة به، ونادراً ما رأيت المنطقة أكثر تشابكاً أو انفجاراً. وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وتلبية الاحتياجات الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين، وتحرير الرهائن، ومنع توسع الحرب إلى جبهات أخرى في الإقليم، وتشكيل نهج عملي لليوم التالي.. كلها مشاكل يصعب تحقيقها. وكذلك الأمر بالنسبة لإحياء الأمل في سلام دائم يضمن أمن إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية والإستفادة من الفرص التاريخية للتطبيع مع السعودية ودول عربية أخرى. وبرغم صعوبة كل هذه الطموحات وسط الأزمة الحالية، فإن الأكثر صعوبة هو الخروج من الأزمة من دون معالجتها بجدية”.

إقرأ على موقع 180  الحل الوحيد: حكومة عسكرية بقبول ضمني من حزب الله

ويضيف: “مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة هو التعامل مع إيران. فالأزمة التي تسبب بها طوفان الأقصى شجعت النظام الإيراني، الذي يبدو أنه مستعد للقتال حتى آخر وكيل إقليمي له، فيما يواصل تطوير برنامجه النووي ولا يتوانى عن دعم روسيا في حربها على أوكرانيا. كما شجعت الحرب في غزة جماعة أنصار الله على مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر.. وكل ما يجري اليوم في المنطقة يشي بأن مخاطر التصعيد على جبهات أخرى قائمة”.

ويضيف “إن قدرة وكالة المخابرات المركزية على الاستفادة من شركائها أمر بالغ الأهمية لنجاحها. وكما تعتمد الدبلوماسية على تنشيط الشراكات القديمة والجديدة، كذلك الأمر بالنسبة للاستخبارات. وليس هناك بديل عن الاتصال المباشر لتعزيز العلاقات مع أقرب حلفائنا، والتواصل مع ألد خصومنا (…). في بعض الأحيان، يكون من الأفضل لضباط المخابرات التعامل مع الأعداء التاريخيين في المواقف التي قد يعني فيها الاتصال الدبلوماسي الاعتراف الرسمي. ولهذا السبب ذهبت إلى كابول في أواخر آب/أغسطس 2021 للتواصل مع قيادة حركة “طالبان” قبل الانسحاب النهائي للقوات الأميركية. وفي بعض الأحيان قد توفر علاقات وكالة الاستخبارات المركزية في أجزاء معقدة من العالم احتمالات عملية، كما هي الحال في المفاوضات الجارية مع مصر وإسرائيل وقطر وحركة “حماس” بشأن وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن في غزة. في بعض الأحيان، يمكن أن توفر مثل هذه العلاقات ثقلاً سرياً في العلاقات المليئة بالصعود والهبوط السياسي. وفي بعض الأحيان، يمكن للدبلوماسية الاستخباراتية أن تشجع على تقارب المصالح وتدعم بهدوء جهود الدبلوماسيين وصانعي السياسات الأميركيين”.

“طوفان الأقصى تذكير مؤلم بأن الشرق الأوسط لايزال يفرض على أميركا تحديات صعبة.. ومفتاح أمن إسرائيل والمنطقة هو التعامل مع إيران”

جواسيس أكثر ذكاء

وفي إستعراض للدور الذي تلعبه الـ”سي آي إيه” في إدارة الحكم، يشير بيرنز إلى أن المنافسة الجيوسياسية وعدم اليقين والتحديات المشتركة (تغير المناخ والذكاء الاصطناعي) “تعمل على خلق مشهد دولي بالغ التعقيد”. وأن الأمر الحتمي بالنسبة لـ”سي آي إيه” هو تحويل نهجها في التعامل مع الاستخبارات لمواكبة هذا العالم سريع التغير (…).

ويضيف: “كما كانت أحداث 11 أيلول/سبتمبر إيذاناً ببدء حقبة جديدة للوكالة، كذلك كان الغزو الروسي لأوكرانيا. أنا فخور للغاية بالعمل الذي قامت به وكالتنا وشركاؤنا الاستخباراتيون لمساعدة الرئيس جو بايدن وكبار صُنَّاع السياسة الأميركيين – والأوكرانيين – لإحباط بوتين. لقد قدمنا معاً إنذاراً مبكراً ودقيقاً للغزو المقبل (…). ومنذ ذلك الحين، ساعدت استخباراتنا الجيدة الرئيس في تعبئة ودعم تحالف قوي من الدول لدعم أوكرانيا. كما ساعدت أوكرانيا في الدفاع عن نفسها بشجاعة ومثابرة غير عاديتين (…)”.

ويتابع: “تشكل روسيا التحدي الأكثر إلحاحاً، لكن الصين هي التهديد الأكبر على المدى الطويل. ووكالة استخباراتنا أعادت تنظيم نفسها لتعكس تلك الأولوية. لقد بدأنا بالاعتراف بحقيقة تنظيمية تعلمتها منذ فترة طويلة: الأولويات لا تكون حقيقية ما لم تعكسها الميزانيات. وبناء على ذلك، خصّصنا المزيد من الموارد لجمع المعلومات الاستخباراتية والعمليات والتحليلات المتعلقة بالصين في جميع أنحاء العالم – أي أكثر من ضعف النسبة المئوية لميزانيتنا الإجمالية التي تركز على الصين على مدى العامين الماضيين فقط (…).

ويضيف: “حتى في حين تستحوذ الصين وروسيا على قدر كبير من اهتمامنا، فإن وكالة استخباراتنا لا تستطيع أن تتجاهل تحديات أخرى، من مكافحة الإرهاب إلى عدم الاستقرار الإقليمي. والضربة الأميركية في أفغانستان في تموز/يوليو 2022 ضد أيمن الظواهري، المؤسس والزعيم السابق لتنظيم القاعدة، أظهرت أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية لا تزال تركز بشدة على التهديدات الإرهابية وتحتفظ بقدرات كبيرة لمكافحتها. كما تكرس وكالة المخابرات المركزية أيضاً موارد كبيرة للمساعدة في مكافحة غزو الأفيون الاصطناعي الذي يقتل عشرات الآلاف من الأميركيين كل عام. وتلوح في الأفق تحديات إقليمية مألوفة، ليس فقط في الأماكن التي اعتبرت لفترة طويلة ذات أهمية استراتيجية، مثل كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي، ولكن أيضاً في أجزاء من العالم التي لن تنمو أهميتها الجيوسياسية إلا في السنوات المقبلة، مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا.

ويختم بيرنز بالإشارة إلى أن الثورة في الذكاء الاصطناعي، وتدفق المعلومات مفتوحة المصدر تخلق فرصاً تاريخية جديدة لمحللي وكالة الإستخبارات المركزية (…). “لن يحل الذكاء الاصطناعي محل المحللين البشريين، لكنه يعمل بالفعل على تمكينهم”.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) وليام بيرنز، مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه).

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المالكي و«حلم» رئاسة الحكومة.. لا مانع من "حلّ الحشد الشعبي"!