المسألة الأمازيغية بين التهميش والتفكيك: قراءة في إعلان “دولة القبائل”

أعلنت حركة تقرير مصير منطقة القبائل (MAK ) Mouvement pour l’autodétermination de la Kabylie في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 من باريس قيام ما سمّته "الجمهورية الفيدرالية للقبائل" واستقلال منطقة القبائل عن الجزائر، في خطوة وصفتها الحركة بأنها تاريخية في المسار الانفصالي. هذا الإعلان ليس معترفاً به دولياً ولا يجد لهُ صدى على الأرض في الجزائر، وهو يعتبر رمزياً من قبل هذه الحركة.

حركة (MAK) هي حركة سياسية انفصالية تأسّست في 2001 بعد أحداث ما سمي “الربيع الأسود” في منطقة القبائل شمال/ شرق الجزائر وتداعياته اللاحقة بعد نقل المظاهرات إلى العاصمة الجزائرية في حزيران 2001، أثناء الفترة الأولى لحكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. كانت (Mak) تطالب في البداية بالحكم الذاتي ثم تطورت للمطالبة بالانفصال. زعيمها هو فرحات مهني، سياسي ومعارض جزائري يعيش في باريس، ويقود ما يسمى بـ”الحكومة المؤقتة للقبائل في المنفى”. الجزائر تعتبر الحركة منظمة إرهابية منذ 2021، وتتّهمها بمحاولات العنف والتخطيط لأعمال تخريبية. وبحسب تقارير صحافية حظر الاعلان “نشطاء” وأفراد من الجاليات في الخارج، إضافة إلى وفود أجنبية من دول مثل كندا وبريطانيا وإسرائيل.

تجد حركة (MAK) دعماً محدوداً بين بعض نشطاء الجالية الأمازيغية في أوروبا وأميركا، لكنها ليست ممثِّلة لأغلبية سكان منطقة القبائل في الجزائر، الذين في الغالب يرفضون الانفصال ويحصرون مطالبهم بالحقوق الثقافية واللغوية، ولقد تمّ الاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغيّة كلغة وطنيّة في 2002 وأعلن الرئيس بوتفليقة ذلك في خطاب متلفز، ثم تمّ دسترتها في 2002 في المادة الثانية إلى جانب اللغة العربية، وجرى التأكيد عليها في 2016 ثم تالياً تأكّد وضعها الدستوري في دستور 2020 في فترة حكم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، وتُعتبر المواد الجوهرية التي تنص على مقوّمات الدولة الجزائرية ومن بينها اللغة الأمازيغية من المواد التي لا يطرأ عليها تعديل طبقاً للمادة 212 من الدستور الجزائري.
رفضت الأحزاب السياسية (ومنها الأمازيغيّة: التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية RCD وجبهة القوى الاشتراكية FFS) والشخصيات الوطنية في الجزائر مشروع الانفصال رفضاً قاطعاً، واعتبرته تهديداً لـ“وحدة الدولة وسيادتها على أرضها”. أما فرحات مهني نفسه فمعروف بتصريحاته الداعمة لإسرائيل، وقد زارها في 2012 والتقى هناك شخصيات مثل بعض النواب، وأبدى تضامنه مع “الدولة العبرية” واعتبر تجربتها مثالاً يقتدي به في “كفاحه”، وهو شارك أيضاً في مناسبات داعمة لإسرائيل في باريس خلال الابادة في غزة.

المسألة الأمازيغية بين الاعتراف الدستوري والتوظيف السياسي

لا يمكن فهم إعلان ما سُمّي “دولة القبائل” من باريس بوصفه حدثاً سياسياً معزولاً، ولا باعتباره تعبيراً بريئاً عن حق ثقافي أو لغوي تمّ تحصيله بالدستور، فضلاً عن اعتبار السنة الأمازيغية الجديدة المسماة ينّاير (مع التشديد على النون) الموافقة لـ 12 من يناير/كانون الثاني عيداً وطنياً وإجازة مفتوحة لكل الجزائريين من كل سنة، بالإضافة إلى أنّ القناة الرابعة الحكومية هي قناة أمازيغية تُعنى بعرض الثقافة الأمازيغية وهي محطة ناطقة بها، وقد حكم الجزائر أربعة رؤساء أمازيغ بعد الاستقلال هم على التوالي: هواري بومدين، الشاذلي بن جديد، علي كافي، اليمين زروال؛ بعبارة أخرى أغلبية رؤساء الجزائر ينتمون إلى الأمازيغ.

أية مقاربة جدية تفرض وضع إعلان ما سُميّ “دولة القبائل” داخل سياق أوسع: سياق أزمة الدولة الوطنية في الأطراف، وتحولات الهيمنة الإمبريالية، واستثمار الهويات في لحظة الانسداد الاجتماعي. هنا، لا تكون المسألة الأمازيغية هي المشكلة، بل الطريقة التي جرى نزعها من بعدها التحرري وإدخالها في منطق التفكيك، وتجدر الاشارة أنّ تمركز الأمازيغ في محافظة تيزي وزو وبجاية وجزء من البويرة وسطيف وهي مناطق ليست طرفية بلّ إنّها تعتبر على مشارف المحافظات (الولايات) الشرقية الجزائرية.

الأمازيغ في الجزائر ليست أقلية طارئة ولا هوية هامشية، بل مكوّن تاريخي عميق في تشكّل المجتمع والدولة. غير أن تحويل هذا المكوّن إلى مشروع سيادي انفصالي، يُطرح من المنفى، بلا قاعدة اجتماعية وازنة ولا سيطرة على الأرض، يكشف عن نموذج في الانتقال من منطق المطالبة بالحقوق داخل الدولة إلى منطق نقض الدولة نفسها. هذا الانتقال لا يحدث في الفراغ، بل يتغذى من تحولات عالمية جعلت من الهويات أداة سياسية بديلة عن الصراع الاجتماعي.

لا تقوم الهيمنة الحديثة على القسر وحده، بل في القدرة على إعادة تعريف ما يبدو “طبيعياً” و”مشروعاً”. والخطاب الانفصالي، في هذا السياق، لا يقدّم نفسه كقطيعة مع النظام القائم، بل كتحرير من “الدولة الظالمة”، في حين أنه في العمق لا يمسّ البنية الاجتماعية ولا علاقات الإنتاج. إنه بتعريف غرامشي “ثورة سلبية”: تغيير في الشكل السياسي، دون مساس بالأسس الطبقية التي أنتجت التهميش أصلاً. فالدولة المقترحة هنا لا تحمل مشروعاً اجتماعياً، ولا تصوراً لإعادة توزيع الثروة، ولا برنامجاً لتحرير الاقتصاد من التبعية، بل تكتفي بإعادة ترسيم الحدود باسم الهوية.

وهذا ما يجعل المشروع الانفصالي بشكل عام يندرج ضمن استراتيجية تفكيك الأطراف بدل تطويرها (سمير أمين). فالإمبريالية المتأخرة لم تعد بحاجة إلى الاحتلال المباشر، بل تعمل على إضعاف الدول الوطنية من الداخل، وتحويلها إلى كيانات أصغر، أكثر هشاشة، وأشد ارتهاناً للسوق العالمية ولمراكز القرار الخارجي. الدولة الوطنية، رغم تناقضاتها وحدودها، كانت الإطار التاريخي الوحيد الممكن لتراكم سيادي نسبي ولخوض صراع تنموي. تفكيكها لا يفتح أفق التحرر، بل يوسّع دائرة التبعية ويعيد إنتاج التخلف في صيغ أكثر تجزئة. (مثال راهن، إسقاط الدولة السورية وتفكيكها باسم التخلص من الدكتاتورية).

أما السؤال الحاسم فليس ثقافياً، بل هو سؤالٌ طبقيٌ: أي قوى اجتماعية تحمل هذا المشروع؟ لا يظهر في خطاب الانفصال أي تمثيل لحركة عمالية، ولا برنامج للفلاحين، ولا رؤية لصراع اجتماعي منظم. ما يبرز بدلاً من ذلك هو تحالف نخبوي من مثقفين يعيشون في الخارج وشرائح من البرجوازية الصغيرة المأزومة، التي عجزت عن فرض مشروعها داخل المجال الوطني، فلجأت إلى الهوية كتعويض عن غياب القاعدة الاجتماعية. هكذا تتحول الثقافة إلى رأسمال سياسي، وتُستبدل السياسة الاجتماعية بالخطاب الرمزي.

الهوية أداة إقصاء جديدة

في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الاصطفاف المعلن لبعض “قادة” هذا المشروع مع إسرائيل بوصفه مجرد “استفزاز” أو موقف شخصي معزول. ينبغي التذكير بأن إسرائيل هي من أدوات الهيمنة في المنطقة ودورها مركزي في إدارة الصراع باتجاه التفتيت المجتمعي ضمن مشروع إسقاط الدولة الوطنية، بالإضافة الى دلالة التموضع داخل معسكر عالمي يرى في تفكيك الدول المركزية العربية شرطاً لاستتباب الهيمنة، وفي الهويات الجزئية بدائل عن مشاريع التحرر الوطني. هذا التموضع يضمن نزع أي مضمون تحرري عن الخطاب الانفصالي، لأنه يضعه خارج تقاليد النضال المناهض للإمبريالية.

إن الأخطر في هذا المسار لا يكمن فقط في تهديد وحدة الدولة، بل في تشويه المسألة الأمازيغية نفسها. فالأمازيغية، التي كانت تاريخياً لغة مقاومة اجتماعية وثقافية وعسكريّة ضد المستعمر (منطقة الأوراس كانت تعتبر المنطقة الأولى ومنطقة بجاية والبويرة وتيزي وزو المنطقة الثالثة، كما أنّ ثورات عدّة شهيرة شهدتها هذه المناطق قبل التحرير منها مقاومة فاطمة نسومر 1850 وثورة المقراني 1871)، يجري اختزالها اليوم في مشروع سيادي ضيق، يفصلها عن عمقها الشعبي والمغاربي، ويضعها في مواجهة بقية مكونات المجتمع. هكذا تتحول هوية “مُهمَّشة” إلى أداة إقصاء جديدة، ويُفرَّغ مطلب “الاعتراف” من مضمونه الديمقراطي، ليُستخدم في صراع لا يخدم إلا قوى التفكيك.

التهميش الأمازيغي بين الثقافة والسياسة

غالباً ما يُختزل النقاش حول المسألة الأمازيغية في ثنائية مُضلِّلة: إمّا اعتبارها مسألة ثقافية صِرفة، أو قضية اضطهاد سياسي يبرّر القطيعة مع الدولة الوطنية. التحليل يكشف أن هذا التقابل زائف، لأن التهميش الثقافي، حين يكون مُقونناً ومُستداماً، يتحول بالضرورة إلى تهميش سياسي غير مباشر، دون أن يصل بالضرورة إلى مستوى الإقصاء السياسي “الكلاسيكي”.

فالأمازيغ في دول المغرب الكبير ليسوا جماعة محرومة من المواطنة، ولا مُستبعَدين من المشاركة السياسية. إنهم حاضرون في مؤسسات الدولة، الجيش، الأحزاب والإدارة، لكن حضورهم بوصفهم أفراداً داخل نموذج دولة أحادية الثقافة، لا بوصفهم حَمَلة لهوية لغوية–ثقافية مُعترف بها فعلياً في الفضاء العام. هنا لا يكمن التهميش في المنع، بل في نمط الإدماج نفسه، ويتجسد كإقصاء داخل الحقل السياسي: المشاركة مسموحة، لكن ضمن شروط ثقافية مسبقة تُفرغها من بعدها التمثيلي الحقيقي.

إقرأ على موقع 180  أميركا وإيران عالقتان.. والثمن النووي يكبر

فلسطين، السودان، الأكراد، الأقباط وأفق المقارنة

لا يكتمل تفكيك منطق إدارة الهويات في الدولة الوطنية العربية من دون التوقف عند المسائل الأثنية والدينية الأخرى. وليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع في الخطاب السياسي المعاصر قضايا فلسطين، والسودان، والأكراد، والمسألة الأمازيغية والأقباط في مصر، رغم اختلاف الجغرافيا والتاريخ. ما يجمع هذه القضايا ليس وحدة المطالب، بل وحدة المنطق الذي يتعامل معها نظام الهيمنة الامبريالية: منطق إدارة الصراعات عبر الهويات. هنا تحديدًا يصبح الربط ضرورة تحليلية.

تجربة السودان هي مثال عن الوجه المأساوي لتسييس الهوية حين تُفصل عن مشروع اجتماعي وطني. فالصراع الذي انتهى بانفصال الجنوب لم يُنتج تحرراً، بل فتح باب التفكك والحرب الأهلية الدائمة. لقد جرى تقديم الانفصال كحلّ لمظلومية تاريخية حقيقية، لكن دون معالجة بنية الدولة الريعية التابعة، ولا طبيعة السلطة الطبقية، ولا اختلال التنمية. النتيجة كانت دولتين هشّتين بدل دولة مأزومة واحدة. هنا يتجلى ما أشار اليه سمير أمين: تفكيك الدولة لا يُنهي التبعية، بل يضاعفها.

المسألة القبطية في مصر تختلف عن المسألة الأمازيغية من حيث الأساس الهوياتي. فالقضية القبطية ليست إثنية ولا لغوية، بل دينية –طائفية، غير أن أوجه التماثل البنيوية بين الحالتين تكشف أن الإشكال لا يكمن في طبيعة الهوية بقدر ما يكمن في نموذج الدولة التي تديرها. في الحالتين، تقوم الدولة على تمثيل رمزي أحادي يقدّم هوية مهيمنة بوصفها التعبير “الطبيعي” عن الأمة، فيما تُدرج الهويات الأخرى كخصوصيات معيشة، لا كمكونات تأسيسية للكيان الوطني.

كما في الحالة الأمازيغية، لا يعاني الأقباط من إقصاء قانوني صريح، ولا من إنكار رسمي لوجودهم، لكنهم يواجهون تهميشاً غير مُعلَن يتجلّى في ضعف التمثيل السياسي، وفي الحضور الرمزي المحدود في السردية الوطنية، وفي إدارة المسألة القبطية عبر المؤسسة الدينية أكثر منها عبر مفهوم المواطنة المتساوية. هذا النمط من “الاعتراف المشروط” يقبل بالهوية ما دامت منزوعة السياسة، ويُعيد إنتاجها كملف اجتماعي أو أمني، لا كقضية حقوقية–ديمقراطية.

التماثل الأعمق بين المسألتين يتجلى في الموقف البنيوي للدولة من تسييس الهوية. ففي مصر، يُواجَه أي طرح قبطي سياسي مستقل باتهامات الطائفية وتهديد الوحدة الوطنية، تماماً كما يُواجَه أي طرح أمازيغي سياسي باتهامات الانفصالية. في الحالتين، لا يُرفض المطلب لأنه غير مشروع، بل لأنه يكسر احتكار الدولة لتعريف السياسة والشرعية. هكذا يتحول التهميش الثقافي أو الديني إلى تهميش سياسي غير مباشر، لا عبر المنع، بل عبر تضييق أفق الممكن.

غير أن إدراج المسألة القبطية في هذا السياق لا يهدف إلى المساواة بينها وبين حالات الاستعمار الاستيطاني أو التفكيك الإثني، بل إلى إبراز منطق واحد: منطق دولة أحادية الثقافة أو المرجعية، تعجز عن إدارة التعدد بوصفه ثراءً، فتسعى إلى ضبطه عبر الإنكار الجزئي أو الاحتواء الرمزي. وكما لم يكن الانفصال حلاً في السودان، ولا التفكيك أفقاً تحررياً في تجارب أخرى (الباكستان عن الهند، بنغلادش عن باكستان الشرقية، بيافرا عن نيجيريا وفشل التفكيك، اريتريا عن اثيوبيا)، فإن تحويل المسألة الأمازيغية أو القبطية إلى مشاريع سيادية بديلة لا يعالج أصل المشكلة، بل ينقلها من حقل الإصلاح الديمقراطي إلى منطق التفكيك، حيث تفقد الهويات بُعدها التحرري وتتحول إلى أدوات داخل صراعات أكبر منها.

أما المسألة الكردية، فهي أكثر تعقيداً، لأنها تتوزع على أربع دول، وتحمل في طياتها مظالم تاريخية حقيقية، من إنكار الهوية إلى القمع الدموي. غير أن المسألة الكردية نفسها تُظهر الانقسام بين مسارين: مسار تحرري ربط القضية بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومسار آخر جرى استيعابه داخل توازنات إقليمية ودولية، حيث تحوّلت بعض الكيانات الكردية إلى أدوات وظيفية ضمن صراعات القوى الكبرى. هذا الانقسام يبيّن أن الهوية وحدها لا تحدد طبيعة المشروع، بل أن هوية المشروع تتحدد بموقعه من الصراع مع الإمبريالية والهيمنة، ناهيك أن التيار الديمقراطي تلاشى دوره لمصلحة التيارات التفكيكية المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة الاميركية.

فلسطين هي النقيض

فلسطين تمثل، في هذا السياق، الحالة النقيضة. فهي ليست مسألة هوية ثقافية تبحث عن اعتراف، بل قضية استعمار استيطاني إحلالي. الفلسطيني لا يطالب بدولة لأنه مختلف ثقافياً، بل لأنه مُقتلع من أرضه، منفيّ عن حقه في الوجود. لذلك، فإن أي محاولة لقراءة فلسطين بمنطق “الأقليات” أو “النزاعات الإثنية” ليست سوى عملية نزع للسياسة من جوهرها التحرري، وتحويلها إلى مسألة تفاوضية تقنية داخل منظومة الهيمنة. فلسطين تكشف بوضوح أن الصراع الحقيقي هو بين مشروع تحرري ومشروع إحلالي، لا بين هويات متجاورة.

ما يوحّد هذه الحالات هو أن النظام الامبريالي لا يعارض الهويات بحد ذاتها، بل يعارض تحوّلها إلى مشاريع تحرر شاملة. إنه يقبل بالهوية حين تكون قابلة للإدارة، للتجزئة، وللتوظيف، ويرفضها حين تتحول إلى قاعدة لمشروع سيادي مستقل. لذلك نرى دعماً مشروطاً أو صامتاً لبعض الكيانات الهوياتية، مقابل حصار وتجريم للقضية الفلسطينية، لأن فلسطين تفضح بنية النظام نفسه.

من هنا، فإن الخطر لا يكمن في رفع الهوية، بل في فصلها عن العدالة الاجتماعية وعن المشروع الوطني. حين تصبح الهوية بديلاً عن السياسة، تتحول إلى أداة بيد الأقوى. وحين تُدمج في صراع تحرري جامع، تصبح رافعة للتغيير. هذا هو الفارق بين فلسطين، التي لا يمكن تفكيكها دون إنكار جوهرها، وبين مشاريع انفصالية تُطرح من المنفى باسم ثقافات حقيقية لكنها بلا مضمون اجتماعي.

التفكيك الإمبريالي ودور المشروع الصهيوني

عند وضع هذه المشاريع ضمن السياق الإقليمي، يتضح أن الهيمنة الإمبريالية الحديثة لا تسعى إلى استعمار تقليدي، بل إلى تفكيك الدولة الوطنية، وتحويل الهويات الجزئية إلى أدوات إدارة وظيفية، وإضعاف أي مشروع تحرري قادر على التغيير الاجتماعي والسياسي. وفي هذا الإطار، يظهر دور المشروع الصهيوني ليس فقط في استغلال التفكك، بل في العمل لتعزيزه وضمان أن أي قوة تحررية حقيقية تبقى محاصرة بين مشاريع التفتيت والتحكم الخارجي، بحيث لا يمكنها تحقيق السيادة المستقلة أو التنمية الشاملة.

وبالتالي، فأن المعركة الأساسية ليست فقط حول الهويات الثقافية أو الدينية، بل حول المشروع التاريخي للدولة الوطنية التقدمية القادرة على دمج هذه الهويات في أفق ديمقراطي–اجتماعي، مقابل مشروع الهيمنة الذي يسعى إلى تحويل التنوع إلى تفتيت، والسيادة إلى إدارة خارجية، والعدالة إلى رمزية بلا مضمون. ولأنه لا تحرر خارج الكتلة التاريخية الوطنية، ولا عدالة ثقافية دون عدالة اجتماعية، ولا سيادة فعلية في كيانات مفككة وظيفية، فإن المهمة الأساسية للقوى التقدمية والوطنية وقوى المقاومة في المنطقة (أو لما تبقى منها)، إذن، هي إعادة وصل الهوية بالعدالة، والثقافة بالتحرر، والدولة بالوظيفة التحررية، بحيث تصبح الهويات قوى دافعة للتغيير، لا أدوات داخل استراتيجية تفتيت تتحكم بها الهيمنة الإمبريالية والمشروع الصهيوني. وحده هذا المنطق الشامل يضمن ألا تتحوّل مطالب الاعتراف أو التعدد الثقافي إلى مشروعات سيادة جزئية تُستغل لتفكيك المُجزأ.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  جمعية المصارف.. المافيا الغبيّة