عند استقراء التاريخ كله، ندر أن تجد مجتمعًا إلا ويبحث عن كيفية تعزيز أسباب قوته، فيفتّش وينقّب عنها تنقيبًا، وأحيانًا يصطنعها إذا لم تكن هناك سيرورة ممكنة لبلوغها. فيصطنع حكايات المجد والقوة، ويخلق سرديات وأوهامًا وخيالات عن بطولات وصمود وثبات وتجذّر. هذا حال المكوّنات اللبنانية إلى ما قبل ولادة «دولة لبنان الكبير» عام 1920. بعد ولادته، اختلفت المقاربة. انتقلنا من بناء القوة للجماعات إلى بناء الضعف للمولود الجديد، أي الدولة. فصارت السلطة وأركانها تبحث في سبل الضعف وتُنظّر له: كيف يمكن أن تكون ضعيفًا لتجعل الآخرين يحنّون عليك ويشفقون، فيتركونك وشأنك طفلًا جميلًا يعيش في حماية الأمهات وحنانهن؟
هكذا صوّروا لبنان وهويته. فبنوا سردية أن فرنسا الأم الحنونة والغرب يحبّاننا، ونحن مدلّلون عند الغرب وأيضًا عند العرب. وكما مُنحنا لبنان لـ«لطافة بلدنا»، فسنُمنح استمراره. وليس المطلوب إلا أن نبتعد وننأى بأنفسنا عن أي أمر يزعج إسرائيل والغرب ومصالحه، وسنضمن أمومة الغرب وعطفه وحمايته (حتى الأمس القريب، أي إلى ما قبل انهيار المؤسسات الدولية والطلاق بين جناحي الغرب وما يُسمّى المجتمع الدولي). يُفهم من هذه المقاربة أن لبنان ليس وجودًا حقيقيًا، بل عارضًا أو بدعًا من المجتمعات والدول، وإلا لكان أنشد القوة أسوةً ببقية الكائنات والوجودات الطبيعية.
فالسلطة رأته منذ النشأة طفلًا مدللًا، لا شابًا راشدًا قادرًا على حماية ذاته والتقوّي بشعبه. ففرنسا الأم الحنونة، وأميركا الحرية، تحبّان لبنان وتفخران به لأنه يأخذ بالحداثة منهجًا في الاقتصاد والثقافة دون السياسة والأمن. والعرب يغبطون لبنان ويحبّونه؛ فهو مرتعهم وسميرهم في الليالي، وكازينوهاته محلّ اصطيافهم وسياحتهم. وعلى هذه السردية أتحفنا الأوائل، ومنهم ميشال شيحا، في فهمه للبنان واقتصاده الرأسمالي ونظامه المصرفي والسياسي «الحر» وموقعه الضروري للعرب.
لو وُضعت المقاومة بين خيارين لا ثالث لهما، بمعنى أن تكون دولة طفولية وتبعية للغرب وأميركا، أو المواجهة لصالح الهوية الأخلاقية الإنسانية المشرقية، فحتماً ستختار الثاني. إذ في الثاني احتمالان: يمكن أن تواجه وتنجح، ويمكن أن نُقتل، لكن نُقتل بشرف وكرامة دون التفريط بأوطاننا وقيمنا. أما أن نقبل بلبنان «دولة طفل»، فلا أظن أن غالبية اللبنانيين الساحقة تقبل أن تسلّم مستقبلها لترامب، فنكون أحد ضحايا جزيرة إبستين وحضارة التوحش الغربي، لا سيما بحق الأطفال
وبرغم الاختزالية والانتقائية القاتلة التي اعتمدتها رؤى شيحا وأمثاله، فإن وقائع العقد الأخير تفيد بأن أيًّا من هذه العناصر لم يعد له مكانة أو واقع. فالغرب انهارت أعمدته، وتداعَت حضارته وقيمه، فصار وحشًا يقتل بعضه بعضًا ويقتل غيره. وصرنا نخشى على لبنان الطفل أن يكون في حضن فرنسا أو أميركا، في زمن ترامب وبايدن وأوباما وإبستين. والعرب تخطّوه في كل ميادين صناعات القوة والمال والحِرَف واللغات، ولم يعد معبرًا لهم إلى الغرب. فأصبحت علاقاتهم بالغرب في أفضل مستوياتها، وشراكاتهم معه استراتيجية، ولديهم ما يقدمونه. أما كازينوهاتهم، فتفوق ما كان يوفره الكازينو اللبناني لجذبهم. أما الاقتصاد اللبناني وصناعات النقد والمال، فتراجعت بعد غياب أموال الثورة الفلسطينية التي كانت تدرّ عليه أموال العرب. ولم تعد الأموال تُنفق بسخاء من الخارج لدعم صراعات الأطراف الداخلية. ناهيك عن أن نظرية الاقتصاد الرأسمالي التي نظّر لها شيحا وأمثاله تراها تحتضر في مهدها الغربي والأميركي.
سيفهم القارئ مما أسلفنا أننا نريد لبنان دولة صراعات، وهم سئموا الصراعات والحروب مع إسرائيل ويريدون أن يعيشوا (علمًا أنهم لم يخوضوا إلا حروبًا داخلية).
هذا افتراء ومجافٍ للواقع ولخطاب المقاومة بالذات؛ إذ لم تقل إنها تريد لبنان دولة حرب، ولا تريده أن يحمل عبء الحروب على ظهره عوضًا عن العرب. بل تطالب وتسعى لأن يكون لبنان دولة فعلية، أي دولة سيدة قادرة عادلة، تحدد مصالحها الحقيقية وتضع استراتيجية شاملة للدفاع عنها كما بقية الدول الفعلية، لا “الدولة الطفل» أو «الدولة المعجزة».
فلا نريد أن نحمل عن الجميع، كما لا نريد أن ننأى بأنفسنا ونحيدها عن مختلف التحولات التي تنعكس علينا وعلى مستقبلنا مباشرة. وما قدّمه حزب الله في خطابه مؤخرًا هو نقلة نوعية وكيفية كبيرة لو وجد من يستمع ويعيها. فبعد وقف إطلاق النار في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قدّم في خطابه رؤية ونقلة مهمة حين اعتبر المقاومة قوة دفاعية عن لبنان، وسنناقش الاستراتيجية على هذا الأساس. أي إن المقاومة جزء من نظرية حماية لبنان والدفاع عنه. إن هذه المفردة نقلة كبيرة تُضاف إلى رؤاه التي قدّمها حول الدولة القادرة والعادلة ونهائية لبنان.
قالت المقاومة للسلطة: تفضّلي وأثبتي جدارتك، وسأكون إيجابية إلى أقصى حد معك وإلى جنبك. لكن، برغم تكرار ذلك لأكثر من سنة، لم يُلحظ أن الدولة تدير بناء القوة، بل تستمر في إدارة مسار التراجع والاستسلام. فتركت أهلها وشعبها وأرضها نهبًا للعدو الصهيوني، واستمر بعضُها ينظّر للعجز والخضوع ليحصل على «سيادة وبسط يد الدولة على الأراضي دون التي تحتلها إسرائيل»! بل فشلت الدولة حتى الآن في معالجة أكبر سرقة موصوفة في تاريخ لبنان لأموال المودعين، وتفشل في مواجهة الفساد، ولا تتقدم خطوة إلى الأمام، بل تظهر هشاشة غير مسبوقة حين يتحول منبر الحكومة إلى منابر حزبية (كمنبر وزارة الخارجية). والسلطة لا تزال تقبع في مربع أن الخارج قادر على فرض رؤاه على الداخل.
إذًا، لا تريد المقاومة لبنان دولة حرب، ولا تقبل أن يكون دولة حياد عن الحق ومصالحه الكبرى ورسالته. وهذا ما يجب بحثه كي نحفظ خصوصية لبنان. لا تريد المقاومة لبنان دولة القوة والعضلات، بل دولة القدرة، والفارق كبير بينهما.
لكن فيما لو وُضعت المقاومة بين خيارين لا ثالث لهما (ولو من باب الفرض)، بمعنى أن تكون دولة طفولية وتبعية للغرب وأميركا، أو المواجهة لصالح الهوية الأخلاقية الإنسانية المشرقية، فحتماً ستختار الثاني. إذ في الثاني احتمالان: يمكن أن تواجه وتنجح، ويمكن أن نُقتل، لكن نُقتل بشرف وكرامة دون التفريط بأوطاننا وقيمنا. أما أن نقبل بلبنان «دولة طفل»، فلا أظن أن غالبية اللبنانيين الساحقة تقبل أن تسلّم مستقبلها لترامب، فنكون أحد ضحايا جزيرة إبستين وحضارة التوحش الغربي، لا سيما بحق الأطفال.
