خطاب 14 شباط: الحريري يُطمئن جمهوره.. بلا التزامات حاسمة

لم يكن الخطاب الذي ألقاه سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 مجرد استعادة رمزية لذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بل بدا أقرب إلى لحظة قياس سياسي دقيقة، اختبر فيها موقعه في مشهد لبناني وإقليمي متحوّل، وحدود حضوره، وطبيعة ما يمكن قوله وما يجب الإبقاء عليه في منطقة الصمت. فاللغة التي اعتمدها، بقدر ما حملت شحنة وجدانية، جاءت محسوبة بعناية، خالية من الإعلانات الصريحة، ومفتوحة على أكثر من تأويل، في انسجام مع مرحلة تتّسم بالسيولة وعدم الاستقرار في موازين القوى.

اللافت للانتباه في خطاب سعد الحريري في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده لم يكن فقط مضمون ما قيل، بل طبيعة الجمهور الذي خوطب. فالحشد الذي ملأ ساحة الشهداء كان بمعظمه من جيل لم يعش مرحلة رفيق الحريري، ولا يحمل ذاكرة سياسية مباشرة عن اغتياله أو عن الصراع اللبناني–السوري في سنواته الأولى. هذا الواقع يفرض قراءة مختلفة للخطاب، إذ لم يكن موجهاً إلى جمهور نوستالجي، بل إلى فئة تبحث عن معنى سياسي راهن، وعن دور في لحظة يشعر فيها كثيرون بفراغ تمثيلي وانسداد أفق.

في هذا السياق، بدا الحريري حريصاً على تقديم نفسه بوصفه فاعلاً لا زعيماً متعالياً، مستخدماً لغة بسيطة ومباشرة، تبتعد عن الشعارات الكبرى، وتقترب من خطاب الاعتدال بوصفه خياراً عملياً لا قيمة أخلاقية مجردة. هذه المقاربة تعكس إدراكاً لتحول المزاج العام، خصوصاً لدى الشباب، حيث تراجعت جاذبية الخطابات الأيديولوجية الحادة، مقابل بحث عن الاستقرار، والقدرة على العيش، وإمكانية التأثير داخل الدولة لا خارجها.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن الخطاب لم يكن بريئاً من الحسابات السياسية. فالإحجام عن إعلان مواقف حاسمة بشأن الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما الانتخابات النيابية، لا يعكس تردداً بقدر ما يعكس استراتيجية إبقاء الخيارات مفتوحة. حين ربط الحريري مشاركته السياسية بموعد الانتخابات وإطارها، كان يبعث برسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد الحضور وعدم الانسحاب النهائي؛ ومن جهة أخرى، الامتناع عن التورط في التزامات مبكرة قد تُستخدم لاحقاً كأدوات ضغط.

ما قاله سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 قد لا يكون الأكثر وضوحاً، لكنه كان على الأرجح الأكثر انسجاماً مع موقعه وظرفه. خطاب لا يغلق الأبواب، ولا يفتحها على مصراعيها؛ خطابٌ يعترف بالتحولات من دون أن يسلّم لها، ويخاطب جمهوراً شاباً بلغة أقرب إلى الطمأنة منها إلى التعبئة. هو خطاب رجل يعرف أن السياسة، في هذه المرحلة، تُدار بما لا يُقال بقدر ما تُدار بما يُقال، وأن ما بين السطور قد يكون، أحياناً، أهم من السطور نفسها

ضمن هذا المنطق، يمكن فهم الإشارة التي وردت في الخطاب إلى أحمد الشرع. لم تأتِ هذه الإشارة في سياق تمجيدي أو تصادمي، بل كجزء من توصيف واقع إقليمي جديد فرض نفسه بعد تحولات كبرى في سوريا. الإشارة كانت مقتضبة، خالية من الانفعال، وكأنها تهدف إلى الفصل بين “سوريا كدولة” و“سوريا كذاكرة صراع”. بهذا المعنى، لم يكن الحريري بصدد إعلان صفحة جديدة بقدر ما كان يعترف بوجود صفحة مختلفة، لم تُكتب بعد، لكنها لم تعد قابلة للتجاهل.

هذا الاعتراف يحمل دلالتين متوازيتين. الأولى داخلية، إذ يوحي بأن إدارة المرحلة المقبلة لن تقوم على استعادة صراعات الماضي، بل على مقاربة براغماتية تضع مصلحة الاستقرار اللبناني في المقدمة. والثانية خارجية، إذ يقدّم الحريري نفسه فاعلاً قادراً على التكيّف مع الوقائع السورية المستجدة، لا أسير سرديات انتهى زمنها. في الحالتين، بقي الخطاب ضمن حدود الإشارة، من دون تفصيل أو تعهد، بما يحفظ هامش المناورة ويجنّب الدخول في التزامات غير مضمونة النتائج.

لا يمنع ذلك من التقاط إشارة حريرية ذكية عندما أوحى أن تيار المستقبل يمثل في سياقه التاريخي حالة اعتدالية، بينما يُجسّد أحمد الشرع، في ذاكرة اللبنانيين وغير اللبنانيين، حالة براغماتية إنتقلت من ضفة الإسلام الجهادي (قاعدة وداعش والنصرة وهيئة تحرير الشام إلخ..) إلى ضفة مختلفة كلياً تضعه على تماس مع الحساسيات التركية والخليجية والإسرائيلية واللبنانية والعراقية على حد سواء، ولكل من هذه الحساسيات حساباتها مع سوريا أحمد الشرع، وكأنه بذلك يُردّد هل تريدون من المسلمين السنة في لبنان أن يكونوا جمهور  اعتدال، بزعامة الحريرية أم تريدون لهم أن يتماهوا مع رموز  التطرف؟

الاقتصاد في الكلام لم يقتصر على الملف السوري. فقد خلا الخطاب من أي إشارة مباشرة مع قوى إقليمية أو محلية، برغم وضوح وجود ضغوط سياسية تحيط بالحريري وتسعى لتقييد حركته أو تقييد المتحركين باتجاهه. غياب عدد من الشخصيات السياسية عن مشهد اللقاءات التقليدية، وتباين الإشارات الدبلوماسية، عكسا واقعاً يعرفه الحريري جيداً، عودته الكاملة إلى الحياة السياسية ليست قراراً داخلياً صرفاً، بل تتقاطع مع حسابات إقليمية أوسع ودولية، تتعامل معه بحذر، وتنتظر أفعالاً أكثر من الأقوال.

ومع ذلك، لم يظهر الخطاب بمظهر الاستجداء أو التذمّر. على العكس، بدا الحريري وكأنه يسعى إلى إعادة تعريف موقعه بهدوء، لا بوصفه طرفاً في نزاع محاور، بل كعنصر توازن. هذا التموضع يتقاطع مع رفضه الواضح لأي انزلاق نحو توترات مذهبية أو صدامات داخلية، وهو موقف لم يُطرح كشعار أخلاقي، بل كخيار سياسي مدروس في بلد أثبتت تجاربه أن الكلفة دائماً أعلى من القدرة على التحمل.

إقرأ على موقع 180  قروض دولية إنقاذية للبنان VS رياض سلامة!

في هذا الإطار، اكتسبت إشاراته إلى الدولة والمؤسسات، ولا سيما الجيش، بعداً يتجاوز التكرار الخطابي. فالتشديد على وحدة السلاح والدستور لا يبدو موجهاً فقط إلى الخصوم، بل أيضاً إلى القاعدة الشعبية نفسها، في محاولة لإعادة ربط الفعل السياسي بمنطق الدولة، بعد سنوات من الانكفاء والإحباط. هذا الخطاب، وإن بدا مألوفاً، يكتسب وزناً إضافياً في لحظة يشعر فيها جزء من الرأي العام بأن البدائل التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة لم تنجح في بناء مسارات مستقلة أو فعالة.

الحضور الشبابي الكثيف في الذكرى شكّل بحد ذاته رسالة. فهو يشير إلى أن الحريرية السياسية، برغم تراجعها التنظيمي، لم تفقد قدرتها على استدعاء رمزية جامعة، لا سيما في بيئة تشعر بأن زعاماتها التقليدية لم تُستبدل بعد ببدائل مقنعة. غير أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة تفويضاً سياسياً كاملاً، بقدر ما يعكس حالة انتظار، واختباراً متبادلاً بين زعيم وجمهور لم يتشكّل وعيه السياسي في ظل التجربة الحريرية الكلاسيكية.

من هنا، يمكن قراءة الخطاب بوصفه إعلان نوايا أكثر منه إعلان برنامج. فهو لا يعد، ولا يتوعد، ولا يحدد مواعيد. بل يضع نفسه في منتصف الطريق بين العودة والاعتزال، بين الحضور والغياب، في لحظة يدرك فيها أن الخطأ في التقدير قد يكون مكلفاً، وأن الصبر قد يكون فضيلة سياسية.

في المحصلة، ما قاله سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 قد لا يكون الأكثر وضوحاً، لكنه كان على الأرجح الأكثر انسجاماً مع موقعه وظرفه. خطاب لا يغلق الأبواب، ولا يفتحها على مصراعيها؛ خطابٌ يعترف بالتحولات من دون أن يسلّم لها، ويخاطب جمهوراً شاباً بلغة أقرب إلى الطمأنة منها إلى التعبئة. هو خطاب رجل يعرف أن السياسة، في هذه المرحلة، تُدار بما لا يُقال بقدر ما تُدار بما يُقال، وأن ما بين السطور قد يكون، أحياناً، أهم من السطور نفسها.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  لودريان يؤسس لمرحلة ما بعد سعد الحريري