أولاً؛ شهد العالم انتقالًا من نظام ثنائي القطبية خلال الحرب الباردة إلى ما عُرف بـ«لحظة الأحادية الأمريكية»، ثم إلى مرحلة تتسم ببروز قواعد وأنماط جديدة في العلاقات الدولية ما تزال في حالة سيولة ولم تستقر بعد بوصفها أسسًا لنظام دولي جديد. ومن أبرز سمات الوضع الراهن صعود دور القوى المتوسطة التي تسعى إلى بلورة مكانتها وترسيخ دورها في النظام القادم.
ثانياً؛ كما انتقلنا من ثنائية الشرق–الغرب التي طبعت الحرب الباردة إلى ثنائية جديدة تُصاغ أحيانًا في إطار «الشمال–الجنوب». غير أن هذه الثنائية الجديدة تختلف عن سابقتها؛ إذ تتسم بدرجة أعلى من التنوع وعدم الانتظام، بخلاف الثنائية الأولى التي قامت على انقسام أيديولوجي واستراتيجي واضح، وجسّدتها تحالفات منضبطة على المستويين الجيوستراتيجي والجيواقتصادي. أما الثنائية الراهنة فتشهد تباينات ملحوظة داخل كل معسكر في الرؤى والمصالح والأولويات.
ثالثاً؛ الغرب بالأمس، والشمال اليوم، يشهدان تزايدًا في الخلافات حول قضايا أساسية. ويُعدّ الموقف من إدارة وتسوية المسألة الأوكرانية، وكذلك أزمة غرينلاند التي برزت مؤخرًا، مثالين واضحين على وجود تباينات جوهرية داخل ما يُفترض أنه «بيت واحد».
رابعاً؛ الاتحاد الأوروبي، الذي كان يُنظر إليه بوصفه نموذجًا ناجحًا يُحتذى في بناء التعاون الإقليمي وتطويره، يواجه اليوم تحديات متزايدة داخل «البيت الأوروبي» وفي علاقاته مع الخارج. ويتجلى ذلك في السياسة الخارجية المشتركة، وفي قضايا الأمن والدفاع، وكذلك في المجال الاقتصادي. ويعود ذلك إلى اختلاف الأولويات الوطنية وتباين تقدير المخاطر وسبل التعامل معها، فضلًا عن صعود تيارات يمينية متشددة تتبنى رؤى وأولويات تتصادم أحيانًا مع توجهات شركائها داخل الاتحاد نفسه.
خامساً؛ تمثل التغيرات المناخية إحدى أخطر القضايا العالمية من حيث ما تحمله من تداعيات وتحديات تمس المجتمعات والاقتصادات وأمن العديد من الدول. ويُعدّ البحر الأبيض المتوسط، الذي تلتقي على ضفافه ثلاث قارات، من أكثر المناطق عرضة لتأثيرات التحول المناخي، لا سيما فيما يتعلق بالاستقرار المجتمعي والأمني والعابر للحدود الوطنية.
سادساً؛ أدت سرعة التحولات الاقتصادية والاندماج الذي فرضته العولمة المتسارعة إلى تفاقم تهميش بعض المجتمعات، أو قطاعات واسعة منها، في الجنوب العالمي، وهي مجتمعات كانت تعاني أصلًا من ضعف النمو أو غيابه. وقد أسهم ذلك في تعميق المشكلات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالتهميش، كما ساعد على صعود أيديولوجيات هوياتية متشددة تنظر إلى «الآخر» بريبة وتدعو إلى الانغلاق أو القطيعة، سواء مع الخارج أو داخل الإطار الوطني. ورغم أن هذه التيارات تعبّر عن مخاوف حقيقية، فإنها لا تقدم حلولًا عملية لتجاوز الأزمات القائمة.
سابعاً؛ قد يكون من الأدق توصيف عالم اليوم بوصفه «مدينة كونية» بدلًا من «قرية كونية»، نظرًا إلى ما يشهده من تمايزات واختلافات عميقة تفاقمت بفعل الاندماج السريع وشبه القسري. فبينما توحي فكرة القرية بالتناغم والتقارب الاجتماعي والثقافي، يعكس نموذج المدينة واقع التعدد والتباين وربما التوتر بين مكوناتها.
ثامناً؛ شهد التعاون متعدد الأطراف عبر المنظمات الدولية والإقليمية تراجعًا ملحوظًا في دوره الفعلي، وليس الرمزي فقط. ويتضح ذلك في محدودية قدرته على التعامل المؤثر مع التحديات العابرة للحدود، والاكتفاء في كثير من الأحيان ببيانات أو مواقف شكلية لا ترقى إلى مستوى المعالجة المطلوبة.
تاسعاً؛ في المقابل، برزت نزعة إلى إحياء تحالفات جزئية أو موضوعية تتركز حول قضايا محددة، وهو ما يعكس أزمة في منظومة التعاون متعدد الأطراف. ورغم أهمية التعاون الثنائي في بعض الملفات، فإن القضايا ذات الامتداد الدولي والإقليمي تتطلب مقاربات جماعية أوسع. ومن ثم، تظل الحاجة قائمة إلى تعزيز تعاون دولي فعلي قادر على بلورة حلول مستدامة لقضايا تمس مصالح أطراف متعددة.
عاشراً؛ إن جدول الأعمال العالمي يزدحم بتحديات متزايدة في ظل تراجع ثقافة ومنطق التعاون الدولي متعدد الأطراف. ويتمثل التحدي الرئيسي اليوم في كيفية إعادة إحياء هذا التعاون بصيغ مرنة ومتدرجة، تُعرف أحيانًا بمفهوم «السرعات المختلفة»، بما يحقق مصلحة الجميع في هذه «المدينة الكونية» التي نعيش فيها.
