بعد يومين فقط من قول المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية في إيران، السيّد مُجتبى خامنئي (في أول بيان له، الخميس) إن “ورقة إغلاق مضيق هُرمز يجب أن تبقى قيد الاستخدام”، أعلن الحرس الثوري الإيراني اليوم (السبت) أن “مضيق هُرمز يقع تحت سيطرة ذكية وكاملة لقواتنا البحرية”، وأن حركة ناقلات النفط والسفن التابعة لـ”المعتدين” لا تزال محظورة في المضيق و”سنستهدفها إن حاولت عبوره”. كذلك أكد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، أن المضيق لن يُفتح طالما هناك جنود أميركيون في دول الخليج، موضحاً “أن إنهاء الحرب بأيدينا نحن.. وسننظر إلى إنهائها عندما نضمن تعويضات كامل خسائرنا من أميركا، ونصل إلى ضمان مائة بالمائة للأمن المستقبلي”.
جاء ذلك رداً على تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بإصدار أوامر بشنّ ضربات على البُنية التحتية النفطية في مركز النفط في جزيرة “خرج” الإيرانية، “ما لم تُوقف طهران هجماتها على السفن في مضيق هرمز”. وأرفق ترامب إنذاره بمنشور على منصّة “تروث سوشال” للتواصل الاجتماعي قال فيه إن الولايات المتحدة “دمرت تماماً” أهدافاً عسكرية على الجزيرة، التي تُعد محطة تصدير لنحو 90% من شحنات النفط الإيرانية، وتقع على بعد حوالي 483 كيلومترا شمال غربي المضيق.
وفي تهديد آخر سابق، لوَّح ترمب، بعواقب غير مسبوقة إذا ثبت أن إيران زرعت ألغاماً في المضيق. وتزامن ذلك مع منشور لحساب وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، قال فيه إن البحرية الأميركية رافقت بنجاح ناقلة نفط عبر المضيق، قبل أن يُحذف المنشور لاحقاً وتنفيه المتحدثة باسم البيت الأبيض. بعد ذلك بوقت وجيز، أبلغت البحرية الأميركية قطاع الشحن بعدم إمكان مرافقة السفن في المضيق بسبب ارتفاع خطر الهجمات.
لكن الرد الإيراني لم يتأخر. فقد حذّر الحرس الثوري من أن أي حركة للأسطول الأميركي ستُواجَه بالصواريخ والمسيّرات، مؤكداً استمرار إغلاق المضيق، وهدّد باستهداف أي سفينة تحاول المرور. كذلك، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، على منصة “إكس” (الثلاثاء): “مضيق هُرمز إما أن يكون مضيق انفراج للجميع وإما أن يتحول إلى مضيق اختناق للحالمين بالحروب”.
وبحسب تقرير لشبكة “سي.إن.إن”، فوجئ مسؤولو الإدارة بهذا التطور، وأقرّوا في جلسات إحاطة سرّية أمام المشرعين بأنهم لم يستعدوا لاحتمال أن تغلق إيران المضيق رداً على العدوان عليها. وفي محاولة منه التقليل من هذه المخاوف، ادعى ترامب أن الأسطول البحري الإيراني قد دُمّر وأصبح “في قاع المحيط”.
حتى لو تعرض جزءٌ كبيرٌ من البحرية الإيرانية التقليدية للدمار، تبقى قدرة إيران على التأثير في أمن المضيق والتحكم بحركة السفن قائمة. فقد أمضى الحرس الثوري عقوداً في تطوير وسائل قادرة على تهديد الملاحة، تشمل الألغام البحرية والصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والغواصات الصغيرة. كل وسيلة من هذه الوسائل يمكن أن تردع شركات الشحن عن دخول مياه الخليج. أما استخدامها مجتمعة فقد يحوّل المضيق إلى متراسٍ من المخاطر يصعب تفكيكه.
أخطر نقطة جيوسياسية في العالم
يقع مضيق هُرمز بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان ثم بالمحيط الهندي. في الأيام العادية، يمرُّ عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أشبه بـ”شريان” رئيسي للاقتصاد العالمي. لكن منذ بدء العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، في 28 شباط/فبراير، انخفضت حركة ناقلات النفط بنسبة 97 بالمائة، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
كما حصل اضطرابٌ حادٌ في أسعار النفط العالمية وقلق اقتصادي عالمي. كما يمتد دوره إلى سوق الغاز الطبيعي المُسال، إذ مرَّ عبره قرابة خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المُسال خلال العام الماضي، معظمها من قطر، التي اضطرت إلى إعلان القوة القاهرة في أكبر حقولها بعد أيام من العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران.
وبرغم أن العرض الإجمالي لهذا الممرّ المائي يبلغ نحو 33 كيلومتراً، فإن ممر الملاحة الفعلي لا يتجاوز ثلاثة كيلومترات في كل اتجاه، أي أنه ممرٌّ ضيّق، ما يُجبر ناقلات النفط العملاقة على المرور في ممرات ضيقة يسهُل تعطيلها. ولما كان جزءٌ كبيرُ من النفط المتداول عالمياً يومياً يمر عبر هذا المضيق، إذ تعتمد عليه دول عدّة لتصدير معظم إنتاجها، وفي مقدمتها دول الخليج والعراق، فإن أي اضطراب فيه يمكن أن يحجب ملايين البراميل عن الأسواق خلال أيام قليلة ويدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بسرعة.
كما أن هذا الممر الحيوي يمثل “عنق زجاجة صادرات الخليج” من ناقلات الطاقة إلى سفن الشحن. إذ تعتمد عليه الدول المصدرة المطلّة على الخليج العربي (السعودية والكويت والإمارات والعراق وإيران) ومعظم هذه الدول تفتقر إلى مسارات بحرية بديلة فعالة لنقل صادراتها. ووفق بيانات جمعتها “بلومبرغ“، عبرت ناقلات نفط تحمل نحو 20 مليون برميل يومياً (25% تقريباً من الإجمالي العالمي) من النفط الخام والمكثفات من خلال المضيق خلال عام 2025.
حتى لو تعرض جزءٌ كبيرٌ من البحرية الإيرانية التقليدية للدمار، تبقى قدرة إيران على التأثير في أمن مضيق هُرمز والتحكم بحركة السفن والسلامك البحرية قائمة
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقع الجغرافي للمضيق يمنحُ إيران نفوذاً استراتيجياً مهماً. فالساحل الشمالي للممر يقع في معظمه تحت سيطرة طهران، ما يسمح لها بنشر صواريخ مُضادة للسفن أو استخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة وزرع الألغام البحرية. ولهذا تنظر إيران إلى المضيق بوصفه ورقة ردع استراتيجية في مواجهة خصومها.
“نقطة اختناق” عالمية
لم يكن المضيق بعيداً عن الصراعات الإقليمية. فقد شهد توترات متكررة، أبرزها خلال “حرب الناقلات” بين إيران والعراق، في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استُهدفت ناقلات النفط في الخليج.
ولهذا يوصف مضيق هُرمز بأنه “نقطة اختناق” في الاقتصاد العالمي. فتعطيل الملاحة فيه ولو لفترة قصيرة قد يسبب صدمة اقتصادية أكبر من كثير من الحروب: ارتفاع حاد في أسعار النفط، اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، مشاكل في النقل والطاقة وضغوط اقتصادية وسياسية واسعة على الحكومات.
لماذا يصعب حماية الملاحة؟
برغم القوة العسكرية الكبيرة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن حماية الملاحة في مضيق هُرمز ليست مهمة سهلة. فالعشرات من ناقلات النفط وسفن الشحن وناقلات الغاز تعبره يومياً (الإحصاءات الرسمية تشير إلى 50 إلى 80 سفينة يومياً)، ما يجعل مرافقة كل سفينة أمراً شبه مستحيل ويتطلب موارد عسكرية هائلة.
كما أن ضيق الممر الملاحي يحدّ من قدرة السفن على المناورة، ما يجعلها أهدافاً سهلة للصواريخ أو الزوارق السريعة. ويزيد الأمر تعقيداً قرب الممر من الساحل (البر) الإيراني، حيث يمكن إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة تصل إلى أهدافها خلال دقائق.
إلى جانب ذلك، تستطيع إيران استخدام الزوارق السريعة في ما يُعرف بهجمات “السرب”، حيث تهاجم عدة قوارب هدفاً واحداً بشكل مفاجئ قبل أن تنسحب وتختفي بسرعة. كما أصبحت الطائرات المسيّرة أداة فعّالة في هذا النوع من المواجهات نظراً لانخفاض تكلفتها وصعوبة رصدها.
حقل ألغام
تبقى الألغام البحرية من أخطر الأسلحة في المضيق. فزرع ألغام لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات قد يوقف ناقلة نفط قيمتها مئات الملايين ويعطل حركة الملاحة العالمية.
كما أن اكتشاف الألغام وإزالتها عملية معقدة وبطيئة، وقد تستغرق أسابيع أو حتى أشهراً، خصوصاً أثناء الحرب وتحت النيران. وإذا زرعت إيران الألغام في المضيق، فستضطر الولايات المتحدة إلى إرسال سفن ومروحيات متخصصة بالقرب من الساحل الإيراني لإزالتها، ما يجعلها عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة وهجمات الزوارق السريعة.
قبل اندلاع العدوان الأميركي-الإسرائيلي، أشارت بعض التقديرات إلى أن إيران تمتلك ترسانة تصل إلى نحو خمسة آلاف لغم بحري، بينها ألغام بدائية مشابهة لتلك التي استخدمتها خلال “حرب الناقلات”، وأخرى أكثر تطوراً يصعب اكتشافها، إذ تُوضع في قاع البحر وتنفجر استجابة لتغيرات الصوت أو المجال المغناطيسي أو ضغط المياه الناتج عن مرور السُفن. كما أنها مزودة أحياناً بأجهزة توقيت وعدّادات تسمح بالتحكم في توقيت انفجارها وعدد السفن التي تمر قبل تفعيلها.
مضيق هُرمز لم يكن ضمن خطة العدوان الأميركي-الإسرائيلي.. وخيارات التعامل مع الألغام البحرية محدودة الفعالية
وقد صرح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، في العاشر من آذار/مارس بأن الجيش الأميركي “يواصل تعقّب السفن التي تزرع الألغام ومستودعاتها واستهدافها”، ما قد يوحي بأن حرب الألغام الإيرانية لن تشكل تهديداً كبيراً. غير أن احتمالاً آخر يظلُّ قائماً، وهو أن تكون إيران قد وزّعت جزءاً من هذه القدرات وأخفتها قبل بدء العدوان في شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف على طول ساحلها الجنوبي لإخفاء الزوارق والغواصات الصغيرة حتى لحظة خروجها إلى البحر.
وحتى لو زرع كل زورق عدداً محدوداً من الألغام، فإن امتلاك إيران مئات القوارب الصغيرة قد يتيح لها نشر مئات الألغام خلال أيام. وتظهر التجارب التاريخية أن أعداداً قليلة نسبياً من الألغام يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الملاحة.
يبدو أن التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية فعلت فعلها خلال الأيام الماضية. فالألغام قد لا تُغرق الناقلات العملاقة في الغالب، لكنها تشكل خطراً حقيقياً على طواقمها، وهو ما يكفي لردع شركات الشحن عن المرور. كما أعلنت إيران مسؤوليتها عن هجوم على ناقلة في المياه العراقية باستخدام زورق مسيّر.
خيارات صعبة
في مواجهة هذا التهديد، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات إزالة الألغام. لكن البحرية الأميركية لم تعطِ هذا المجال أولوية كبيرة في السنوات الأخيرة. فقد سحبت واشنطن العام الماضي آخر سفينة متخصصة في إزالة الألغام من مياه الخليج، بينما يعتمد مفهومها الجديد على سفن القتال الساحلية والمروحيات والمركبات غير المأهولة، وهي قدرات لم تختبر بعد في القتال.
وحتى لو لم تحقق إيران إصابات مباشرة، فإن مجرد وجود هذه التهديدات قد يبطئ عمليات إزالة الألغام ويطيل أمد الأزمة، وهو ما تراهن عليه طهران لزيادة كلفة الحرب على خصومها.
وفي هذه الحالة لن تكون خيارات واشنطن سهلة. فقد تضطر إلى توسيع عملياتها العسكرية أو تكثيف غاراتها الجوية، ما يرفع خطر الانزلاق إلى صراع أطول وأكثر تعقيداً.
خُلاصة
تشير هذه المعطيات إلى أن حماية الملاحة في مضيق هُرمز ليست مهمة سهلة حتى بالنسبة لأقوى الجيوش في العالم. فبين ضيق الممر الملاحي وقربه من الساحل الإيراني وتنوع وسائل الهجوم المحتملة، قد تتمكن الولايات المتحدة من حماية بعض السفن أو فتح الممر مؤقتاً، لكنها ستجد صعوبة في ضمان أمن الملاحة بشكلٍ كامل ودائم.
ولهذا يرى كثير من الخبراء أن إغلاق المضيق بالكامل ليس ضرورياً لتحقيق تأثير استراتيجي كبير؛ فمجرد جعل المرور فيه خطيراً قد يكون كافياً لردع شركات الشحن ورفع أسعار النفط وإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية والتسبب بضغط سياسي عالمي.
صحيح أن إيران لا تستطيع على الأرجح إغلاق المضيق لفترة طويلة، لأن ذلك سيستدعي رداً دولياً واسعاً وسيضر أيضاً باقتصادها. لكنها تمتلك في المقابل أدوات قادرة على تعطيل الملاحة مؤقتاً وإطالة أمد الأزمة، وهو ما قد يفرض كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة على خصومها حتى لو كانت أضعف منهم عسكرياً، الأمر الذي يجعل العديد من المحللين الغربيين يستعجلون الدعوة إلى البحث عن مخرج سياسي واقعي قبل أن يمتد الصراع ويطول وتصبح كلفته أكبر للجميع في المنطقة والعالم.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: فالحرب مع إيران قد تبدو سهلة في بدايتها بفضل التفوق العسكري الأميركي التقليدي، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى مواجهة أكثر تعقيداً وكلفة، لأن طهران تعتمد إلى حدٍ كبير على أساليب الحرب غير المتكافئة (استخدام وسائل أبسط وأقل كلفة لإرباك قوة عسكرية أكبر).
