ثمن الحرية وثمن الاحتلال: نماذج من تجارب الشعوب (1)

عبر التاريخين القديم والحديث، واجهت العديد من الشعوب محاولات قوى استعمارية احتلالها ونهب ثرواتها. في المقابل، تصدّت تلك الشعوب للمستعمرين، ودفعت ثمناً باهظاً من أرواح أبنائها ومقدّراتها للدفاع عن أرضها واستعادة حريتها وسيادتها. في هذا الجزء الأول من هذه المقالة، أعرض لنماذج من هذه المقاومات في القرنين الأخيرين، بما تحمله من تضحيات بشرية ومادية وبما تكشفه من أساليب الاحتلال في تدفيع الشعوب ثمن مقاومتها.

1- ليبيا والمقاومة ضد الاستعمار الإيطالي (1911-1943)
شكّلت ليبيا مسرحاً لملحمة بطولية بقيادة عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي. واستمرت حركة المقاومة الليبية من 1911 حتى 1943، وكبّدت المحتل الإيطالي خسائر فادحة.

  • قُتل من الليبيين ما بين 40,000 إلى 70,000 شخص.
  • تراوحت الخسائر الإجمالية (بما فيها التهجير) بين 250,000 و300,000 شخص.
  • استخدمت إيطاليا أساليب وحشية تحت قيادة الجنرال رودولفو غراتسياني، شملت تدمير القرى والمحاصيل، وتهجير السكان، واعتقال القادة وإعدامهم، وكان أبرزها إعدام الشيخ عمر المختار عام 1931.

2- الجزائر والاستعمار الفرنسي (1830-1962)
يُعدّ الاستعمار الفرنسي للجزائر (5 يوليو/تموز 1830 – 5 يوليو/تموز 1962) نموذجاً للاستعمار الاستيطاني الإبادي.

  • يقدّر المؤرخون أنه بحلول عام 1875 قُتل ما يقرب من 825,000 جزائري.
  • يصف العديد من الباحثين الغزو الفرنسي بأنه إبادة جماعية.
  • مجازر 8 أيار/مايو 1945 في سطيف وقالمة وخراطة راح ضحيتها 45 ألف جزائري بحسب الذاكرة الوطنية.

اتبع الجيش الفرنسي سياسة “الرازيا” (Razzia) التي وصفها الضباط الفرنسيون أنفسهم بوحشيتها. يقول العقيد مونتانياك: “أخبرني بعض الجنود أن ضباطهم يلحّون عليهم ألا يتركوا أحداً حياً بين العرب”. ويضيف: “لقد محا الجنرال لاموريسيير من الوجود خمس وعشرين قرية في خرجة واحدة”.
وقد تصدّى الشعب الجزائري بسلسلة من الثورات الشعبية بقيادة أحمد باي في الشرق، والأمير عبد القادر في الغرب، وفاطمة نسومر في القبائل، وصولاً إلى ثورة التحرير الكبرى عام 1954 التي تُوّجت بالاستقلال عام 1962.

3- الاتحاد السوفييتي في الحرب الوطنية العظمى (1941-1945)
تمثّل الحرب الوطنية العظمى (1941-1945) الملحمة الأعظم في تاريخ البشرية بما شهدت من تضحيات بشرية قياسية في تاريخ مقاومة الشعوب للاحتلال. فقد دفعت شعوب الاتحاد السوفييتي أثماناً باهظة: 26.6 مليون قتيل، مدن محترقة، اقتصاد مدمّر، وأسر ضائعة. لكنها خرجت من هذه المحنة إبّان الحرب العالمية الثانية بانتصار ساحق غيّر مسار التاريخ العالمي. يقول الباحث في التاريخ الروسي د. زياد منصور: “لم تمنع الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة الاتحاد السوفييتي من خوض الحرب، لأن التهديد كان وجودياً، والقيادة فعّالة، والشعب تعبوي ومعتاد على التضحيات. بل إن تلك الظروف القاسية شكّلت ‘بروفة قاسية’ جعلت المجتمع السوفييتي أكثر استعداداً لتحمّل أهوال الحرب الطويلة ضد النازية”. 

4- فيتنام والمقاومة ضد الاستعمار (1945-1975)
تُعدّ حرب فيتنام واحدة من أشرس حروب المقاومة في القرن العشرين، حيث واجه الفيتناميون أولاً الاستعمار الفرنسي ثم التدخل الأميركي.

  • إجمالي القتلى الفيتناميين: ما بين 966,000 إلى 3,091,000 شخص.
  • القتلى المدنيون: ما بين 627,000 إلى 2,000,000.
  • قتلى الجيش الفيتنامي الشمالي والفيتكونغ: 849,018.
  • الجرحى: أكثر من 600,000.
  • استخدم المحتل الأسلحة الكيماوية مثل النابالم لتدمير الغابات والمحاصيل.
  • اتُّبعت سياسة “الأرض المحروقة” وتدمير المدن والقرى.
  • انتصر الفيتناميون وأعيد توحيد فيتنام عام 1975 تحت اسم جمهورية فيتنام الاشتراكية.

5- الصين ومقاومة الاحتلال الياباني (1931-1945)
تعرّضت الصين لغزو ياباني وحشي استمر 14 عاماً، وهدّد بتمزيق البلاد وإخضاعها للهيمنة اليابانية.
• تجاوزت الكلفة البشرية 20 مليون قتيل صيني.
• في معركة شنغهاي وحدها خسرت الصين 187 ألف جندي من أصل 500 ألف مشارك.

كانت مقاومة الصين العنيدة سبباً في عدم تمكّن أكثر من نصف الجيش الياباني من الانتشار في مسرح المحيط الهادئ لمهاجمة الغرب. وشكّلت هذه الحرب تجربة محورية في بناء الصين الحديثة وتعزيز هويتها الوطنية.

6- اليمن والمقاومة ضد الاستعمار البريطاني (1963-1967)
انطلقت ثورة 14 أكتوبر 1963 في جنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني من جبال ردفان.
• إجمالي القتلى: نحو 3,000 شخص.
• مقتل 68 عسكرياً بريطانياً.

  • شنّت السلطات الاستعمارية حملات عسكرية استمرت ستة أشهر، استُخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة ضد القرى والسكان الآمنين، وتشرّد على إثرها آلاف المدنيين العزّل.
  • اتبعت القوات البريطانية سياسة “الأرض المحروقة”، ما خلّف كارثة إنسانية فظيعة دفعت أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني إلى إدانة تلك الأعمال اللاإنسانية. أدت هذه المقاومة إلى انسحاب القوات البريطانية من عدن في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، وقيام جمهورية اليمن الجنوبية.

7- العراق ومقاومة الغزو الأميركي (2003)
في 20 آذار/مارس 2003، شنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها غزواً للعراق بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل التي لم يُعثَر عليها لاحقاً.

  • تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 11,000 إلى 45,000 عراقي خلال مرحلة الغزو وحدها.
  • تراوحت إحصاءات المدنيين القتلى إبان الغزو ما بين 3,200 إلى 7,269 بحسب المصادر.
  • برغم سقوط نظام صدام حسين، استمرت المقاومة العراقية لسنوات، وانسحبت القوات الأميركية عام 2011، وبلغ عدد ضحايا تلك الحرب نحو 650 ألفاً إلى مليون شخص.

8- فلسطين نموذج متواصل للمقاومة (1948-….)

إقرأ على موقع 180  "جلوبس": ما هو سر توازن الرعب بين حزب الله وإسرائيل؟

يمكن اختصار تجربة المقاومة الفلسطينية منذ عام 1948 حتى يومنا هذا بوصفها مسارًا تاريخيًا طويلًا من الصمود والتضحيات. فمنذ النكبة، التي أسفرت عن تهجير نحو 750 ألف فلسطيني، تشكّلت ملامح القضية بوصفها صراعًا وجوديًا. وعلى امتداد العقود، قدّم الفلسطينيون تضحيات بشرية هائلة؛ إذ يُقدَّر عدد الشهداء بعشرات الآلاف منذ 1948، مع تصاعد كبير في الأعداد خلال الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000)، وصولًا إلى الحروب المتكررة على قطاع غزة وآخرها الحرب المستمرة حاليًا (أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح وأكثر من 10 آلاف مفقود).. أما ملف الأسرى، فيُعد من أبرز عناوين المعاناة المستمرة، حيث مرّ عبر السجون الإسرائيلية نحو مليون فلسطيني منذ بداية الاحتلال، في دلالة على الطابع الجماعي للاعتقال كأداة للسيطرة. وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى أكثر من 5.5 ملايين، يعيشون في مخيمات داخل فلسطين وخارجها، ما يجعل قضيتهم واحدة من أطول قضايا اللجوء في العالم.

وتمثّل فلسطين النموذج الأكثر استمرارية للمقاومة منذ النكبة عام 1948 حتى يومنا هذا. وتتبع قوات الاحتلال سياسة العقاب الجماعي والأرض المحروقة في محاولة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني. ولا تزال التضحيات الفلسطينية مستمرة، ويتجلى التفاف الشعب حول مقاومته في كل مرحلة.

9-فرنسا تقاوم الاحتلال الألماني

شكّلت المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية واحدة من أبرز تجارب النضال الشعبي ضد الاحتلال النازي في أوروبا. فبعد سقوط فرنسا عام 1940 وخضوع جزء كبير منها لسيطرة ألمانيا، نشأت حركات مقاومة متعددة ضمّت مدنيين وعسكريين وسياسيين من اتجاهات مختلفة، توحّدوا حول هدف تحرير البلاد.

تنوعت أساليب المقاومة بين العمل السري والتخريب وجمع المعلومات الاستخباراتية لصالح الحلفاء، إضافة إلى نشر الصحف السرية وتنظيم شبكات تهريب للأسرى والجنود. وقد لعبت هذه الشبكات دوراً مهماً في إضعاف الاحتلال وإرباكه، برغم القمع الشديد الذي مارسته القوات الألمانية، والذي شمل الإعدامات والاعتقالات والترحيل.

برزت شخصيات قيادية مثل شارل ديغول الذي قاد المقاومة من الخارج عبر “فرنسا الحرة”، وساهم في توحيد الفصائل المختلفة تحت مظلة واحدة، وأبرزها الحزب الشيوعي الفرنسي (حزب الـ75 ألف شهيد). ومع اقتراب نهاية الحرب، تصاعدت عمليات المقاومة الداخلية، وساهمت بشكل مباشر في دعم إنزال الحلفاء عام 1944 وتسريع تحرير باريس.

في ضوء هذه النماذج التاريخية المتعددة، يتبيّن أن الصراع بين الاحتلال والمقاومة ليس حدثاً عابراً في مسار الشعوب، بل هو قانون يتكرر كلما فُرض الظلم وسُلبت السيادة. قد تختلف الأزمنة والوجوه والأساليب، لكن الحقيقة تبقى واحدة: لا يمكن لأي قوة أن تُخضع شعباً قرر أن يقاوم، مهما بلغت كلفة التضحيات.

هذه النماذج وغيرها الكثير تؤكد على حقائق مهمة أبرزها: الاحتلال مؤقت والمقاومة مستمرة؛ تكلفة الاحتلال أعظم من تكلفة المقاومة؛ الوحدة هي مفتاح الحرية؛ التضحيات هي الطريق إلى الحرية والكرامة والسيادة.

(يُتبع في جزء ثانٍ؛ نموذج المقاومة في لبنان)

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عبد الناصر وثورة الجزائر.. الدور بالنضال لا بالادعاء