لقد نبّه المفكر إدوارد سعيد من أن المركزية الأوروبية لا تعمل فقط في السياسة والاقتصاد، بل أيضاً في الطريقة التي يُنتج بها الغرب معاييره الأخلاقية ويقدمها بوصفها قيماً كونية. ومن داخل هذا الإطار الفكري، تميل النقاشات السياسية في كثير من الأحيان إلى التحول إلى نوع من الموازنة الأخلاقية المجردة بين الأطراف المتصارعة، بحيث يُفترض أن الشرعية الأخلاقية لأي موقف سياسي لا تتحقق إلا عبر إعلان إدانة متوازنة لجميع الأطراف!
وتسرب هذا المنطق أيضاً إلى بعض الأوساط اليسارية الغربية، حيث باتت السياسة تُختزل أحياناً في ما يشبه الامتحان الدائم للطهارة الأخلاقية؛ فلا يكفي أن تُحلّل حدثاً أو أن تضعه في سياقه التاريخي أو الجيوسياسي. المطلوب أولاً أن تعلن، في الجملة نفسها تقريباً، إدانة شاملة ومتوازنة لكل الأطراف. وإذا امتنعت عن تلاوة هذه اللائحة الكاملة، سرعان ما تُثار الشبهات: تُتهم بالانتقائية، أو بالتحيز، أو حتى بالتواطؤ.
***
تتحول السياسة في ظل هكذا ثقافة إلى نوع من القائمة الأخلاقية التي ينبغي استيفاؤها بالكامل حتى يُسمح لصاحبها بالكلام. وكأن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى على فهم الواقع، بل على القدرة على الحفاظ على توازن لفظي دقيق بين جميع الإدانات الممكنة.
غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية: العالم لا يتحرك وفق معادلات أخلاقية متوازنة، بل وفق علاقات غير متكافئة تشكل بنية النظام الدولي نفسه. وقد نبّه مفكرون مثل فرانز فانون وسمير أمين إلى أن فهم السياسة العالمية يتطلب تحليل هذه البنى من منظار الهيمنة والتبعية التي نشأت مع الاستعمار واستمرت بأشكال جديدة في مرحلة ما بعده.
وغالباً ما تنتشر هذه المقاربة الأخلاقوية في بيئات اجتماعية وجيوسياسية تتمتع بدرجة من الحماية داخل النظام العالمي القائم. من هذا الموقع المريح نسبياً، يصبح من الممكن النظر إلى صراعات العالم باعتبارها مسائل أخلاقية مجردة يمكن التعامل معها عبر موازنة خطابية بين “كل الأطراف”، من دون الاضطرار إلى مواجهة التعقيد الفعلي للتناقضات التي تنتج هذه الصراعات.
وفي السنوات الأخيرة، أمكن ملاحظة حضور هذه المقاربة في جزء من النقاشات السياسية والإعلامية في العالم العربي، ولا سيما داخل بعض البيئات التي تصف نفسها باليسارية، لكنها تتبنى في الوقت نفسه خطاباً سياسياً شديد القرب من المقاربات الليبرالية الغربية. في هذا السياق، برزت فئات من ما يمكن وصفه بـ”اليسار المتلبرل”، الذي يحرص على استخدام لغة التناظر الأخلاقي نفسها في مقاربة الصراعات الإقليمية، وخصوصاً تلك المرتبطة بالصراع مع القوى الإمبريالية أو بقضايا المقاومة في المنطقة. وغالباً ما يُقدَّم هذا الخطاب بوصفه تعبيراً عن حياد أخلاقي أو عن رفض “الانحياز”، بينما يؤدي عملياً إلى تسوية الفوارق العميقة بين القوى المهيمنة وتلك التي تقاومها.
وليس من قبيل المصادفة أن ينتشر هذا المنطق في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية العربية المرتبطة بشبكات تمويل أو مؤسسات مدعومة من دول الخليج. ففي هذه البيئات، يصبح خطاب “الحياد الأخلاقي” أداة سياسية فعالة لإعادة صياغة النقاش العام حول قضايا الصراع في المنطقة، بحيث يجري وضع القوى الإمبريالية أو الاحتلالات العسكرية في الميزان الأخلاقي نفسه مع القوى التي تواجهها.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، يمكن ملاحظة هذا الخطاب بوضوح في جزء غير قليل من الحقل الإعلامي والسياسي الذي يقدّم نفسه بوصفه حداثياً أو يسارياً. إذ يجري الإصرار على صياغة مقاربة للصراع الإقليمي تقوم على التناظر الأخلاقي الكامل بين الاحتلال والمقاومة، وبين التدخلات الإمبريالية والقوى التي تواجهها (ضد المقاومة لأن أيديولوجيتها دينية، او ضد التدخل الإيراني في البلدان العربية، وإذا لزم الأمر، يمكن التلميح الى إسرائيل والولايات المتحدة. وبهذه الطريقة، يتحول خطاب “الحياد” إلى آلية سياسية لتحميل القوى المقاومة المسؤولية عن نجاح خطة الهيمنة الامبريالية، ولإفراغ النقاش من بعده التاريخي والجيوسياسي، وإلى وسيلة لتجريد علاقات الهيمنة من موقعها الفعلي في تفسير الصراعات.
في مثل هذه الفضاءات، تتحول السياسة إلى عملية تصديق أخلاقي: إثبات أنك تقف في “المكان الصحيح أخلاقياً”، عبر إعلان حياد متوازن بعناية. وهذه الوضعية توفر شكلاً من الإجماع السهل، لأنها تتجنب الدخول في التناقضات الأكثر صعوبة التي تشكل بنية النظام الدولي نفسه.
لكن هذه التناقضات ليست استثناءات عابرة في النظام العالمي؛ إنها مادته الأساسية. فالعالم يقوم على مصالح متعارضة، وعلى هيمنات تاريخية، وعلى تبعيات اقتصادية، وعلى صراعات متشابكة لا يمكن اختزالها في معادلات أخلاقية بسيطة. الدول والحركات والمجتمعات كلها تتحرك داخل شبكة من التوترات الدائمة.
وهنا تبدأ السياسة فعلياً.
***
وماذا عن منطق “القائمة الأخلاقية”؟
يحاول هذا المنطق، في المقابل، تحييد هذا التعقيد. يُحوّل النقاش السياسي إلى فضاء من الاتساق المجرد، حيث يصبح الهدف ليس فهم التناقضات وتمييزها الى رئيسية وثانوية، بل الحفاظ على صورة أخلاقية خالية من التناقضات. وكل تحليل يذكّر بوجود لا تماثل في القوة، أو يصر على قراءة الصراعات ضمن بنيتها الإمبريالية أو الاقتصادية، يصبح سريعاً موضع ريبة.
وهكذا، بدلاً من مواجهة التفاوتات الحقيقية التي تشكل العالم (الإمبريالية، التبعية الاقتصادية، التدخلات العسكرية، الصراعات الجيوسياسية) يجري تجاوزها عبر نوع من تناظر أخلاقي مصطنع: الجميع يُدان بالطريقة نفسها، في الجملة نفسها، وكأن هذا التوازن اللفظي كفيل بحل تعقيد الواقع.
لكن هذا التناظر الظاهري لا يحل شيئاً في الحقيقة. بل يسمح غالباً بتجنب السؤال الأصعب في كل سياسة جدية: أين تقع علاقات القوة الفعلية؟ ومن يملك القدرة الأكبر على فرض العنف أو تشكيل النظام العالمي؟
لهذا السبب يظهر سريعاً اتهام جاهز كلما رفض أحدهم الدخول في هذا الإطار الخطابي: اتهام “الانحياز”. فبمجرد أن يحاول التحليل أخذ علاقات القوة الجيوسياسية على محمل الجد، أو أن يشير إلى البنية الإمبريالية التي تنظّم النظام الدولي، يصبح عرضة للتشكيك. فإذا لم تُدِن الجميع بالطريقة نفسها، أو إذا شددت على عدم تكافؤ العنف في النظام العالمي، يُقال إنك “اخترت معسكراً”.
لكن المفارقة واضحة: في عالم تحكمه علاقات هيمنة عميقة، ينتهي الادعاء بالوقوف “فوق المعسكرات” إلى تبني موقع المعسكر الأقوى، ولو من دون إعلان ذلك صراحة.
وهنا تبرز أهمية الربط بين الفكر والممارسة. هذا المفهوم، الذي صاغه تقليد طويل في الفكر الماركسي منذ ماركس وتطوّر لاحقاً في أعمال غرامشي، يذكّر بأن المواقف السياسية ليست مجرد أحكام أخلاقية معلّقة في الفراغ، بل تدخل دائماً في ميزان القوى القائم.
كل موقف سياسي يعزز علاقة قوة معينة أو يضعفها، يفتح إمكانات للصراع أو يغلقها. لكل موقف ثمن. فهو يخدم دائماً شيئاً ما في اللحظة الراهنة: قد يساهم في زعزعة بنية من دعائم الهيمنة، أو قد يساهم، من حيث لا يدري صاحبه، في تثبيتها.
***
ليس هذا النقاش مجرد سجال فكري داخل الأوساط الأكاديمية. فقد ظهر أيضاً في الخطاب الذي رافق عدداً من التدخلات العسكرية الغربية خلال العقود الأخيرة، والتي قُدِّمت في كثير من الأحيان بلغة أخلاقية وإنسانية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، برز نمط متكرر في تبرير التدخلات العسكرية: بدءاً من الحرب على يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، مروراً بغزو العراق عام 2003، والتدخل العسكري في ليبيا عام 2011، وصولاً الى سوريا. في كل مرة كانت اللغة الأخلاقية حاضرة بقوة: الدفاع عن القيم، أو تخليص الشعب من “الديكتاتور” و”نشر الديموقراطية” و”حقوق الإنسان” إلخ..
إن طرح هذه الأفكار والأسئلة لا يعني إنكار تعقيد الصراعات أو تبرئة أي طرف من أطرافها. لكنه يذكّر بحقيقة غالباً ما يغفلها الخطاب الأخلاقي المجرد: أن العنف في النظام العالمي ليس موزعاً بالتساوي، وأن القدرة على شن الحروب أو فرض العقوبات أو إعادة تشكيل الدول ليست متاحة للجميع بالدرجة نفسها.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم خطاب “الحياد الأخلاقي” خارج البنية الأيديولوجية التي يعمل داخلها. فالسياسة، في الفضاء الأيديولوجي، لا تعرف حياداً حقيقياً. وقد أشار التقليد الماركسي منذ وقت مبكر إلى أن الادعاء بالحياد في مجتمع منقسم طبقياً ليس سوى شكلاً من أشكال الانحياز غير المعلن. فكما كتب ماركس وإنجلز في تحليلهما للأيديولوجيا، فإن الأفكار السائدة في كل عصر هي، في الغالب، أفكار الطبقة السائدة نفسها.
بهذا المعنى، لا يكون الحياد موقفاً خارج الصراع، بل موقعاً داخله. وعندما يُقدَّم الحياد بوصفه فضيلة سياسية عليا، فإنه ينتهي غالباً إلى تثبيت علاقات الهيمنة القائمة، لأن الامتناع عن تسمية الهيمنة أو عن تحديد مواقعها الفعلية يتركها تعمل من دون مساءلة. ولهذا فإن كل حياد في فضاء أيديولوجي تحكمه علاقات غير متكافئة بين أطراف الصراع يتحول، في نهاية المطاف، إلى انحياز موضوعي لصالح القوى المسيطرة.
ولهذا فإن اختزال السياسة في قائمة متوازنة من الإدانات لا يساهم في فهم العالم، بل قد يساهم في إخفاء البنية الفعلية للقوة المسيطرة التي تشكله.
في عالم ما يزال مطبوعاً بعمق بتاريخ الاستعمار وبالاختلالات البنيوية في القوة العسكرية والاقتصادية، لا يمكن للسياسة أن تكتفي بلغة الطهارة الأخلاقية. فالمواقف السياسية ليست مجرد إعلان نوايا، إنها تدخل دائماً في صراع القوى القائم.
ولهذا السبب لا يمكن للسياسة أن تُختزل في قائمة إدانات.
فالسياسة، في جوهرها، ليست بحثاً عن نقاء أخلاقي مجرد، بل جهداً لفهم العالم كما هو، بكل تناقضاته واختلالات القوة التي تشكله، تمهيداً للعمل على تغييره.
فالفهم وحده لا يكفي؛ إذ إن السياسة تبدأ حقاً حين يتحول فهم العالم إلى إرادة لتغييره.
