غسان الرفاعي من بغداد إلى دمشق وبيروت.. الشيوعي الذي عاش في الظل (2)

غسان الرفاعي ليس إسماً عابراً في سيرة الحزب الشيوعي واليسار اللبناني والعربي. برحيله، يفتقد الشيوعيون آخر رموز مؤتمرهم الثاني (1968) الإستثنائي. هو واحدٌ من ثلة تاريخية أخذت على عاتقها قيادة تحول أعرق تجربة حزبية شيوعية عربية، صالحتهم مع "القضية القومية" إلى حد طغيانها على"القضية الوطنية"، وفي الوقت نفسه، كان "الرفيق غسان" شاهداً على تشظي الحزب الواحد ومعه كل البيت اليساري اللبناني.

في الجزء الأول من هذا النص الإستعادي من وحي كتاب “التحوّلات السياسية: سبعون عاماً من أجل التغيير”، عرضنا لبدايات غسّان الرفاعي من كويسنجق في العراق إلى قلب التجربة الشيوعية المشرقية بكل تعقيداتها وتحولاتها. هي شهادة حيّة على زمن عربي كامل عاش صعود الأفكار الكبرى، من الشيوعية إلى القومية والوحدة العربية، ثم اختبر الانقسامات والهزائم والأسئلة القاسية التي واجهت اليسار في المشرق. ومن خلال تجربته بين بغداد وبيروت ودمشق، يقدّم الرفاعي صورة جيل آمن بالتغيير الجذري، قبل أن يصطدم بتناقضات السلطة والحزب والتاريخ، وبالتحولات التي أعادت رسم المنطقة سياسياً وفكرياً.

وإذا كانت بغداد قد حوّلت العراقي عصمت جاويد أدهم (اللبناني غسّان الرفاعي) إلى مناضل “هاوٍ”، فإن بيروت حوّلته من مناضل “هاوٍ” إلى مناضل “محترف”.. ولتكن البداية من عند ترك بلاد ما بين النهرين.

***

غادر غسان الرفاعي العراق في الرابع من تموز/يوليو 1948 إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الهندسة المعمارية. ومن دون أن يعرف مضمونها، أُعطي حزاماً جلدياً لإيصاله إلى عنوان محدد في بيروت، فنفّذ المهمة. وبعد شهر، اكتشف سرّ الحزام عندما طلب منه الدكتور منصور أرملي، طالب الطب في سنته الأخيرة، إعادة الحزام نفسه إلى بغداد. هكذا كانت الرسائل تُتبادل بين الحزب الشيوعي اللبناني ــ السوري والحزب الشيوعي العراقي وجبهة التحرير الوطني الأردنية، لتنسيق المواقف من القضية الفلسطينية والحرب الدائرة عقب إعلان دولة إسرائيل. وقد عبّر بيان مشترك باسم الأحزاب الأربعة عن رفض الحرب وقبول قرار التقسيم (ج1 ص68).

ذلك القرار ألقى بظلاله على مسار الأحزاب الشيوعية المشرقية لعقود طويلة، سواء في علاقتها بالتيارات القومية، أو في النقاشات والانشقاقات التي شهدتها لاحقاً حول القضية القومية. ويعلّق الرفاعي على تلك المرحلة قائلاً: “مهما تكن التقييمات الحالية لصحة مواقف الأحزاب الشيوعية آنذاك أو عدم صحتها، استراتيجياً وتكتيكياً، فإن ثمة حقائق لا يمكن إخفاؤها”. وأبرز هذه الحقائق أن حرب العام 1948 انتهت بهزيمة الجيوش العربية، فيما جرى تحميل الأحزاب الشيوعية مسؤولية “ضياع فلسطين” للتغطية على عجز الأنظمة.

لم يشعر الطالب الجديد في الجامعة الأميركية بأنه داخل عالم غريب فكرياً أو ثقافياً. فالوجود الشيوعي بين الطلاب كان واسعاً، إذ بلغ عدد المنتسبين إلى المنظمة الحزبية نحو مئتي رفيق، شكّل العراقيون نسبتهم الأكبر، يليهم الفلسطينيون واللبنانيون. وفي المقابل، كان التيار القومي العربي لا يزال محدود الحضور بين الطلاب العراقيين، وهو ما ظهر خلال انتخابات مجلس الطلبة حين ترشّح غسّان بدعم من زملائه العراقيين في مواجهة سعدون حمادي، الذي أصبح لاحقاً من أبرز قادة حزب البعث، قبل أن ينسحب بعدما أدرك ضعف حظوظه.

في المقابل، كان التيار القومي العربي أكثر حضوراً بين الطلاب العرب، وخصوصاً الفلسطينيين. وكانت “العروة الوثقى”، بقيادة قسطنطين زريق، من أبرز المنابر الفكرية والتنظيمية في الجامعة، وبرز في صفوفها جورج حبش ووديع حداد وعشرات الأسماء التي لعبت أدواراً أساسية لاحقاً في الحركة القومية العربية. كذلك كان الحزب السوري القومي الاجتماعي ناشطاً داخل الجامعة، ومن أعضائه هشام شرابي، جورج عطية، كريم عزقول، فايز صايغ، وغسان تويني.

لم يقتصر نشاط غسّان على الحياة الجامعية، إذ شارك في تظاهرة تضامنية مع معتقلين شيوعيين، انتهت باعتقاله، ثم بحرمانه من المنحة العراقية التي كانت تؤمّن له الدراسة والمعيشة، فيما لم تُبدِ الجامعة الأميركية استعداداً لاستمراره فيها. وهكذا انتقل نهائياً من عالم الدراسة إلى عالم النضال.

***

على يد المناضل الأرمني بارور يرتسيان، دخل غسّان الرفاعي عالم الطباعة الحزبية، فكانت “نضال الجماهير” أول نشرة تصدر باسم “منطقية بيروت” في الحزب الشيوعي اللبناني، تتصدرها افتتاحية سياسية تعكس موقف القيادة المركزية، وغالباً ما كان يكتبها نسيب نمر. وشارك في الكتابة أيضاً النقابي الياس البواري، حنا الزرقا، حسيب مخايل، جان نمر، أوهانس أغباشيان، وكارنيك عطاريان.

لم يقتصر دور الرفاعي على الطباعة، بل دخل أيضاً مجال التحرير، وكان أول مقال ساهم فيه عن “حقوق المرأة وتحريرها من قيود التقاليد والقوانين السائدة”.

في المطابع السرية التي تحولت أيضاً إلى مكان إقامته، طُبعت نشرات الحزب ووثائقه الداخلية ومحاضر اجتماعاته. وهناك شهد الرفاعي طباعة وثائق مفصلية، بينها “رسالة سالم” التي تضمنت النقد الذاتي الذي فُرض على فرج الله الحلو بسبب اعتراضه على موقف الحزب الشيوعي من قرار تقسيم فلسطين. وقد أعيدت صياغة الرسالة مرات عدة لإرضاء الأمين العام للحزب الشيوعي السوري خالد بكداش، في مشهد يكشف، بحسب الرفاعي، طبيعة “النزعة البكداشية” التي هيمنت على الحزب حتى منتصف ستينيات القرن الماضي.

وبرغم العلاقة الرفاقية التي جمعت غسّان الرفاعي بكل من نسيب نمر وأوهانس أغباشيان، سواء في السجن أو في العمل السري في بيروت، فإن مذكّراته تكاد تخلو من أي إشارة إلى الخلافات الداخلية التي شهدها الحزب في الستينيات، وأدت إلى طرد عدد كبير من الكوادر، بينهم نسيب نمر، أوهانس أغباشيان، أدمون عون، نخلة مطران، جورج حداد، كامل المر، وسهيل يموت وغيرهم.

في العام 1953، كلّف حسن قريطم، عضو السكرتاريا والمكتب السياسي، غسّان الرفاعي بالتوجّه إلى دمشق. وصل بهوية جديدة باسم “زكي أوانسيان”، إلى منزل أُعدّ مسبقاً ليكون مقراً له وللمطبعة الحزبية الجديدة، وذلك في عهد أديب الشيشكلي.

هناك باشر بطباعة البيانات السياسية وأعداد من جريدة الحزب السرية “نضال الشعب”. لكن سقوط الشيشكلي أدخل سوريا مرحلة جديدة، فرضت إصدار مطبوعات جديدة، خصوصاً خلال الانتخابات النيابية التي ترشح فيها خالد بكداش في دمشق، وجورج عويشق وأحمد محفل في حلب. ونجح بكداش في أن يصبح أول شيوعي يدخل برلماناً عربياً.

ترافقت تلك المرحلة مع صعود المد القومي العربي والتأييد الشعبي الواسع لمصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وهو ما مهّد لاحقاً للوحدة السورية ــ المصرية.

***

في أحد فصول كتابه، يتناول غسان الرفاعي موقف الحزب الشيوعي من الوحدة والناصرية بنبرة نقدية، سواء تجاه الحزب الشيوعي السوري ــ اللبناني أو تجاه موقف الحزب الشيوعي اللبناني من جمال عبد الناصر. ويستعيد تصريحاً لخالد بكداش دعا فيه إلى “إعادة النظر في الوحدة من الأساس”، معتبراً أن الصياغة شكّلت “خطأً جوهرياً”، لأنها بدت امتداداً للأخطاء السابقة في مقاربة القضية القومية.

إقرأ على موقع 180  سوريا.. دولة الرعاية هي الحامية

ويرى الرفاعي أنه لو جرى الحفاظ على صيغة “البنود الثلاثة عشر” التي طرحها الحزب، مع تطويرها، لكان ممكناً للحزب أن يظهر كقوة تسعى إلى بناء وحدة على أسس سياسية متينة، لا كقوة معادية للوحدة.

غير أن المتابعة الدقيقة لمواقف الحزب تُظهر أنه لم يكن ضد الوحدة من حيث المبدأ. فقد دعا إلى التصويت بـ”نعم” في الاستفتاء، واحتفت جريدة “النور” بقيام الجمهورية العربية المتحدة وبزيارة جمال عبد الناصر إلى دمشق. ويروي يوسف فيصل في مذكّراته أن عبد الناصر استدعى في كانون الأول/ديسمبر 1958 القياديين الشيوعيين جورج عويشق وأحمد محفل، وطلب منهما إعلان حل الحزب الشيوعي السوري، بعدما وافقت أحزاب أخرى على حل نفسها. إلا أن القياديين أكدا أن لا جهة مخولة بحل الحزب، حتى اللجنة المركزية نفسها. وانتهى اللقاء مع عبد الناصر من دون اتفاق.

بعد أيام، شنّ عبد الناصر هجوماً حاداً على الحزب الشيوعي، أعقبه بدء حملات الاعتقال والمداهمات التي أدت إلى استشهاد عدد من الكوادر تحت التعذيب، بينهم سعيد الدروبي، بيير شدروفيان، وفرج الله الحلو.

ويعتبر الرفاعي أن تصاعد نقد الحزب للوحدة بعد انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق عام 1958، وظهور المحاور الإقليمية الجديدة، ساهم في تغيير تموضع الحزب بقيادة خالد بكداش.

***

فرج الله الحلو وخالد بكداش

على المستوى اللبناني، يرى الرفاعي أن الحزب الشيوعي اللبناني كان يفترض أن يتمايز عن الحزب السوري القومي الاجتماعي في مقاربته للناصرية، لأن الوحدة وعبد الناصر كانا يحظيان بشعبية جارفة. ويقول: “من الخطأ الفادح في السياسة إخضاع موقف الجماهير لمحاكمة نظرية، فموقف الجماهير يجب أن يؤخذ دائماً كواقع موضوعي”.

ويعزو الرفاعي تلك الأخطاء إلى “داء البراغماتية” الذي عانى منه الحزب، بحيث أصبحت مواقفه، وأحياناً نهجه كله، مجرد ردّ فعل على أحداث آنية، على حساب الرؤية الاستراتيجية البعيدة. لكنه يطرح، بصورة ضمنية، سؤالاً أعمق يتعلق بجوهر العمل السياسي نفسه: كيف يمكن التوفيق بين ضرورات اللحظة ومتطلبات المشروع الفكري البعيد؟ وهل يمكن لأي حزب سياسي أن يفصل بالكامل بين البراغماتية والمبدأ؟

ويتميّز نصّ الرفاعي بخصيصة نادرة إذا ما قورنت بما طبع الأحزاب الشيوعية من نزعات ستالينية حادّة في زمن الخلافات الداخلية؛ إذ حافظ على دفء لغته الإنسانية تجاه رفاق اختلف معهم سياسياً في مراحل مختلفة. فعلى الرغم من الخلاف الكبير الذي نشب بينه وبين حسن قريطم في منتصف الستينيات، كتب عنه بكثير من التقدير، بعكس اللغة القاسية التي استخدمها الحزب لاحقاً بعد طرده.

يقول الرفاعي عن قريطم:
“كان الرفيق حسن دائماً من القادة الذين يبدون كثيراً من الودّ والتشجيع لي شخصياً. وكنت أقدّره كقائد مثابر، شجاع، مبدئي، شعبي الطابع والتصرف من دون تكلّف. كان بنظري القائد “القبضاي”، وحتى حين برز خلاف سياسي حاد معه بعد سنوات، لم تتغيّر في ذهني الصورة العامة له. فما زلت أعدّه شيوعياً كبيراً عن حق” (ج1 ص201).

في المقابل، لم يتحدث كثيراً عن خالد بكداش، وجاء الانطباع الوحيد الذي أورده عنه بارداً وعابراً، تاركاً إيحاءً سلبياً عن شخصيته وخصاله. أما لقاءاته مع فرج الله الحلو ونقولا الشاوي فكانت مختلفة تماماً.

ويكتب غسان الرفاعي عن فرج الله الحلو الآتي:
“كانت شخصية فرج الله ذات هيبة طاغية، لكنها متميزة ببساطة وعفوية خاليتين من أي تصنع في حركات اليد أو لهجة الكلام. وكانت ثقافته العميقة والمتعددة، وإلمامه بالثقافة الغربية، الفرنسية خصوصاً، ومعرفته الواسعة بالتاريخ العربي والأدب العربي القديم والحديث، في أساس تلك الشخصية. وهذا ما أعطاه بصورة طبيعية دور “المعلّم” الذي يقبل به الإنسان طوعاً”.

ويتابع الرفاعي وصفه الدقيق لحياة فرج الله اليومية، فيشير إلى ترتيب غرفته ومكتبته وأدويته الموضوعة بعناية قرب سريره، في صورة تعكس شخصية صارمة ومنظمة، لكنها إنسانية وعميقة في الوقت نفسه.

أما فرج الله الحلو ونقولا الشاوي، فكانا بالنسبة إليه “مدرسة حقيقية”، لما اتصفا به من “صفات إنسانية رفاقية سامية”، وثقافة واسعة، و”حكمة أبوية”. ويعترف الرفاعي بأن فرج الله لعب دوراً أساسياً في تطوير قدراته الكتابية والتحريرية، لا فقط على مستوى اللغة والصياغة، بل أيضاً في ترسيخ “المسؤولية تجاه الكلمة” واحترام القارئ.

وكان غسّان ينتظر فرج الله الحلو ذات يوم ليزوّده بصور شخصية من أجل إعداد جواز سفر لمهمة حزبية جديدة. لكن فرج الله لم يصل. وبعد ساعات، سمع عبر الراديو خبر اعتقاله من قبل مخابرات دولة الوحدة في دمشق، وهو الخبر الذي “هز كيانه بعنف”، بحسب تعبيره.

سارع غسان الرفاعي إلى إتلاف الوثائق السرية الموجودة بحوزته، برغم ثقته بأن فرج الله لن تأخذ المخابرات منه “إلا الخيبة”. وبقي معزولاً عن العالم الخارجي فترة من الزمن، لأن فرج الله كان صلته الوحيدة بالحزب. وبعد أسابيع، وصلت فيكتوريا الحلو، زوجة فرج الله وابنة أخته، إلى المقر السري حاملة طلباً من قيادة الحزب إلى غسان بالتوجه فوراً إلى بيروت، فغادر بهوية جديدة.

والملاحظ أن الرفاعي لا يُقدّم قراءة سياسية موسعة لاعتقال فرج الله الحلو، خلافاً لما فعله عدد من قادة الحزب لاحقاً، بل يكتفي بسرد التجربة من زاويتها الإنسانية والشخصية، بوصفه الشخص الذي كان ينتظر وصول فرج الله في يوم اعتقاله. وربما تكمن أهمية هذا الصمت، بقدر ما تكمن في الكلام نفسه، لأنه يعكس طبيعة مرحلة ربما ما تزال جراحها السياسية والتنظيمية مفتوحة داخل الحزب الشيوعي.

(يُتبع)

Print Friendly, PDF & Email
إسكندر منصور

كاتب لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  الهزيمة الإسرائيلية فى حرب الصور والرموز