عن حرب إيران ولبنان.. وسر صمت الحليفين الصيني والروسي!

دخل العدوان الأميركي «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثالث، وتمددت نيرانه إلى معظم دول المنطقة بنسب مختلفة بين دولة وأخرى، ولكن الحصة الأكبر كانت من نصيب لبنان، حيث تشير كل الاعتداءات «الإسرائيلية» إلى أن الهدف الأساسي حاليًا هو تهجير ما أمكن من سكان قرى الجنوب ومدنه لإفراغها، فيما أعلنت القيادة العسكرية «الإسرائيلية» إطلاق حملة برية قالت إنها ستكون محدودة. أمام هذا المشهد يتساءل الكثير من المراقبين عن الموقفين الصيني والروسي حيال هذا العدوان ضد أقرب حليف لهما، وإلى أي مدى سيتواصل هذا العدوان؟

بداية، لا بد من قراءة الواقع الميداني في جبهتي إيران ولبنان، فمن الجلي أن إيران تكبدت خسارة فادحة باغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ومعه أربعون من كبار القادة العسكريين، وذلك وفق نظرية عسكرية تعتمد «قطع الرأس» لتثبيط المعنويات ودفع الخصم إلى الاستسلام. وقد راهن الأميركيون على تبلور بديل من قلب النظام يُبادر إلى الاستسلام لواشنطن بلا قيد أو شرط (النموذج الفنزويلي)، أو أن يكون الاغتيال حافزًا لانطلاق احتجاجات شعبية عارمة تطيح بالنظام.

غير أن الواقع الميداني أثبت فشل الرهان الأميركي بشقيه؛ ففي الشق العسكري، استوعبت القيادات الإيرانية الضربة، وعاجلت القيادة العسكرية إلى إطلاق أعنف حملة قصف صاروخي على كل القواعد الأميركية في دول الخليج، بالإضافة إلى استهداف الكيان «الإسرائيلي» بكل مدنه. كما لم يتأخر مجلس الخبراء في انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا للجمهورية الإسلامية خلفًا لوالده المغدور. وأخذت إيران تتدرج بالتصعيد الميداني ليطاول قصفها الصاروخي ليس فقط القواعد العسكرية الأميركية، بل أهدافًا مدنية تقول إن الجنود والضباط الأميركيين لجأوا إليها قبل أو بعد تدمير قواعدهم. ومن ثم بادرت إلى إقفال مضيق هرمز الواقع في مياهها الإقليمية، والذي يشكل شريانًا حيويًا لتصدير النفط والغاز من دول الخليج إلى مختلف أنحاء العالم، وتُقدّر الكمية التي تمر عبره بحوالي عشرين في المئة من احتياجات النفط العالمي.

أما الرهان على الاحتجاجات الشعبية بعد الضربة القاسية لرأس النظام، فقد سقط أيضًا عندما سارع جمهور النظام إلى احتلال ساحات المدن الإيرانية تحت القصف، للتنديد بالعدوان والدعوة لمواجهته، إذ يخاطب هذا العنوان المشاعر الوطنية والقومية للشعب الإيراني.

ومع فشل الرهانين، تسربت معلومات لوسائل الإعلام أن الولايات المتحدة تعمل على تحريك أكراد إيران للقيام بحركة انفصالية مسلحة في شمال غرب إيران، بدعم من أكراد العراق. ولكن هذه الورقة فشلت أيضًا مع إعلان القيادات الكردية في العراق أنها لن تتدخل في هذه الحرب، إذ كانت قد رأت كيف أن واشنطن تخلت عن أكراد سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية، كما أن قرارها هذا أخذ في الحسبان ما يمكن أن يكون عليه رد الفعل التركي المتربص لأي دعسة كردية ناقصة، وبذلك دُفنت ورقة استخدام الأكراد في مهدها.

والجدير ذكره أنه برغم مرور أسبوعين على العدوان، يلاحظ المراقبون أن حركة «أنصار الله» اليمنية بقيادة عبد الملك الحوثي لم تحرك ساكنًا، واكتفت ببيانات الإدانة للعدوان على إيران ومسيرات التضامن معها، وفي ذلك إشارة إلى أن هذه الورقة متروكة لمرحلة مختلفة من التصعيد، لأن انخراط الحوثيين يعني إقفال مضيق باب المندب، وبذلك قد يرتفع سعر برميل النفط إلى نحو 200 دولار، كونه الآن يتأرجح بين 110 و120 دولارًا فقط بسبب إقفال مضيق هرمز.

وهكذا أربك الصمود الإيراني الحسابات الأميركية، وزاد من المأزق فقدان واشنطن أية استراتيجية للخروج من الحرب في حال فشلها في تحقيق أهدافها، فسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى محاولة استدراج دول حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو) وباقي حلفائه في العالم لمشاركته العدوان على إيران تحت عنوان فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية. لكن دعوة ترامب لم تلقَ آذانًا صاغية، لا عند دول «الناتو» ولا عند باقي الحلفاء مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، بل كانت أيضًا فرصة لهم لترك ترامب يعاني من تعامله الفوقي معهم منذ أن تولى منصبه الرئاسي للمرة الثانية في العام الماضي. ووصل الأمر بالمستشار الألماني حد القول له: «إنها ليست حربنا، وأنت من بادر لشن هذه الحرب». وهذا ما أثار غضب ترامب، وقال للأوروبيين تحديدًا، فيما يشبه الوعيد، إن الولايات المتحدة ستتذكر هذا الموقف، وبخاصة أنها لا تتضرر من إغلاق المضيق، بل هم من يتضررون، وأن بلاده على مدى أربعين عامًا أنفقت مليارات الدولارات لحمايتهم، واليوم عندما يطلب منهم المساعدة يحجبونها عنه.

لبنان على طاولة الإقليم

على جبهة لبنان، من الواضح أن العدوان «الإسرائيلي» هذه المرة يواجه عمى استخباريًا واضحًا في بنك الأهداف لديه، والدليل عجز الإسرائيليين طوال ثلاثة أسابيع تقريباً في الوصول إلى أيٍ من القيادات العسكرية للمقاومة أو مخازن الأسلحة والصواريخ. وخير دليل على صحة هذا الاستنتاج تركيز معظم الضربات الجوية “الإسرائيلية” على أهداف مدنية، وبينها على سبيل المثال لا الحصر استهداف فروع مؤسسة «القرض الحسن» في أنحاء مختلفة من البلاد، ولاحقًا ضرب محطات «الأمانة» للمحروقات مثلما تم استهداف مؤسسات (المنار) وشخصيات إعلامية (مثل الزميل الشهيد محمد شري وزوجته).

هذا الواقع هو تمامًا عكس ما حصل في حرب الـ66 يومًا عام 2024، عندما تمكنت «إسرائيل» من اغتيال معظم القيادات العسكرية للمقاومة وعلى رأسها الأمين العام للحزب الشهيد السيد حسن نصرالله، وخلفه الشهيد السيد هاشم صفي الدين، وذلك قبل إطلاقها الحرب بشقها الميداني، والتي أفضت إلى التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني). لكن سرعان ما قررت «إسرائيل» تجاهل هذا الاتفاق، وحولت اللجنة المشرفة عليه إلى لجنة مراقبة تساعدها في تحديد مواقع وأنفاق المقاومة، لتُلزم الجيش اللبناني بتدميرها، كما عملت على مواصلة عدوانها يوميًا على لبنان، ما أدى إلى استشهاد 500 لبناني وجرح 1500 آخرين خلال 15 شهرًا بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية.. وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية لدخول المقاومة الحرب إلى جانب إيران.

إقرأ على موقع 180  محمد علاوي العراقي ليس حسان دياب اللبناني!

وقد أعلنت «إسرائيل» أنها أطلقت هذا الأسبوع عملية برية بهدف إنشاء حزام بعمق أمني في الأراضي اللبنانية خالٍ من السكان لضمان أمن مستعمراتها الشمالية، بحسب ما تدعي. ولكن هذه العملية تواجه تصديًا بطوليًا من المقاومة، وتتسبب بوقوع خسائر كبيرة في صفوف جنودها، إذ تعمد المقاومون إلى ضرب حشود العدو قبل أن يتسنى لها فتح النسق القتالي، ما يؤدي إلى تشتتها، ناهيك عن تدمير عدد كبير من دبابات “الميركافا” التي تحاول التقدم في الأراضي اللبنانية. وحتى عندما يتم أي توغل، فإن القوة المعادية سرعان ما تقع في أفخاخ معدّة مسبقًا.

ومما لا شك فيه أن دخول المقاومة في لبنان الحرب قد وضعها على أية طاولة مفاوضات إقليمية ستؤدي إلى وقف الحرب، وقد أكد الجانب الإيراني هذه المعادلة بلسان وزير الخارجية كما بلسان السفير الإيراني الجديد في لبنان والذي لم يتولَّ مهامه رسميًا بعد.

الصين وروسيا رابحان بلا كلفة

مع هذه القراءة، يصبح بالإمكان فهم الموقفين الروسي والصيني، مع فارق الأسباب لدى كل منهما للإحجام عن الدخول في المعركة. فمن المعروف أن الصين هي الدولة العظمى الوحيدة التي لم تتورط في أي نزاع مسلح في العالم حتى الآن، وتعمل على تعزيز مكانتها الاقتصادية لجهة زيادة حصتها من إجمالي الاقتصاد العالمي بالطرق السلمية، وليس بالبلطجة العسكرية على الطريقة الأميركية. وهي أيضًا لا تريد أن ترى إيران دولة نووية، لما لذلك من حسابات استراتيجية حساسة لديها، لا سيما مع دخول كل من الهند وباكستان، المجاورتين لها، نادي الدول النووية خلال العقود الثلاثة المنصرمة. وأمام الوضع الميداني الذي تشهده إيران، فهي ترى أن واشنطن فشلت في تحقيق أهدافها في هذه الحرب، وأنها لا بد أن تتجه إلى إنهائها بتسوية ما. لذلك، فإن أية تسوية ستجعل من الصين الرابح الأكبر من حرب لم تشارك فيها، لأنها ترتبط مع إيران بشراكة اقتصادية، وعند جلاء غبار المعارك، ستكون إيران بحاجة ماسة إلى إعادة إعمار الكثير من بناها التحتية وموانئها المدمرة وستكون بكين أول من يلبي الدعوة الإيرانية.

أما عن الجانب الروسي، وبمعزل عن النوايا، فإن روسيا الغارقة في وحول حربها في أوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات، وسط حصار اقتصادي ومالي عليها واستنزاف مواردها الاقتصادية والبشرية، فإن المأزق الأميركي جعل ترامب يرفع الحصار الذي فرضه على نفط روسيا وغازها خلال سنوات الحرب الأوكرانية لتخفيف الضغط على سعر برميل النفط، ما أفسح المجال أمام روسيا لابتزاز الأوروبيين عبر رفع أسعار نفطها ثلاثة أضعاف. أي أن روسيا رأت في الحرب على إيران فرصة لها لتحسين وضعها الاقتصادي، وبخاصة أنها تتشارك مع الصين في عدم الرغبة بأن تكون إيران دولة نووية، وفي أن انتهاء الحرب لا بد أن يكون بتسوية ما بعد فشل الولايات المتحدة في تحقيق هدفها في إسقاط النظام. وبالتالي فإن أية تسوية ستفتح فرصة اقتصادية كبيرة لروسيا في إعادة بناء إيران.

باختصار، الصين وروسيا تراهنان على صمود إيران لقطف ثمار حرب لم تتكلفا فيها أية خسائر مادية أو بشرية، على الرغم من تحالفهما الوثيق مع إيران. وبذلك تتأكد مقولة إن الدول تعمل وفق المصالح، وليس وفق المبادئ.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الشمال السوري: تحولات تنذر بتكرار "السيناريو القبرصي"