المقاومة في لبنان كما هي.. لا كما نريدها

أكتب هذه السطور إنصافًا لشعب لبناني تألف مع التهجير القسري، واعتاد حصر الدموع في أتون معاركه التي خيضت طوال أزمنة خلت وأزمنة لم تأتِ بعد. أكتب هذه السطور، لا لهدف سوى النقد الجدي البنّاء، لعلنا ننقذ ما لم نخسره بعد.

واقع الحال في منطقة الجنوب الحدودية مع فلسطين المحتلة يعود بمأساته إلى النكبة الفلسطينية عام 1948، واستباحة عصابات المستوطنين المسلحة لقراه والتنكيل بأهله، مع ما رافق ذلك من تخلٍ تامٍ من قبل الدولة عن مهمة دفاع كان واجبها تنفيذها ذودًا عن أهل المنطقة بصفتهم مواطنين لبنانيين لا يقلون شأنًا عن سواهم.

أنتج هذا الفراغ حاجة ماسة إلى من يملأه ويتحمل مسؤولية الدفاع عن أرض تُركت لمصيرها تحت رحمة عصابات قاتلة، معبّأة بحقد أيديولوجي دفين، ومدعومة من منظومة عالمية استعمارية تدّعي حقوق الإنسان، فيما تسحقه جيوشها بدبابات حديدية أُريدت رسلًا للتحضر والتغريب المفروضين كسنن عصر جديد.

الأحداث التي تلت هذه المرحلة أصبحت تاريخًا الآن؛ فراغ وغياب مؤسسات ولّدا مقاومات بهويات أيديولوجية مختلفة. من أقصى اليسار الشيوعي إلى أقصى اليمين القومي والديني، كثيرة هي الأحزاب والتنظيمات التي شاركت في الدفاع عن الجنوب في وجه الغزاة على مر السنوات والحروب.

جاء عام 2000 الشهير، عام تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال على يد مقاومة كان قد أحكم اليد عليها الإسلام السياسي الشيعي الذي ترعرع في أحضان الثورة الإسلامية في إيران. أصبح هذا الحدث علامة فارقة في تاريخ لبنان وفي تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي عمومًا، فكانت المرة الأولى التي تُهزم فيها إسرائيل عسكريًا على يد قوة عربية مسلحة غير نظامية.

نجحت المقاومة الإسلامية حيث أخفقت جيوش جرّارة، وحقّقت ما عجزت عن تحقيقه دول عربية وإسلامية. تنفس الشارع العربي الصعداء بعد أن أثقلت كاهله سنوات طويلة من الانكسارات والهزائم. وشعر الجميع بأن شيئًا ما قد اختلف؛ وللحظة شعر الجميع، بمن فيهم أعداء الإسلام السياسي الأكثر شراسة، أن زمن الهزائم قد ولّى.

أصبح نصر العام 2000 متعدد الهويات والوجوه وصار ثوبًا عريضًا يلبسه كل ذي مصلحة، من حيث أراد، خدمةً لخطابه السياسي؛ فكان النصر لبنانيًا لمن أراد، وعربيًا لمن يشاء، وإسلاميًا حين تقتضي الحاجة.

والثابت الوحيد الذي لا أحد ينكره قط هو أن هذا التاريخ هو الذي بنى شرعية المقاومة الإسلامية، عربيًا ولبنانيًا، وحقّق لها شعبية تخطت حدود هويتها اللبنانية وحتى المذهبية. وقتذاك، رُفعت صور السيد حسن نصرالله في معظم العواصم العربية، بوصفه بطلاً قومياً وإسلامياً؛ غير أن هذا الانجاز الكبير سرعان ما تبدد مع أزمة لبنان السياسية التي أعقبت استشهاد الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 ومن ثم انخراط حزب الله في الأزمة السورية عام 2011، فكان أن خسرت مقاومته معظم دعم الشارع العربي السني لها.

عودة إلى موضوع مقالتنا، لا يسعنا فهم تصرف مقاومة حزب الله المتمثل في إطلاق الصواريخ انتقامًا لمقتل المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، إلا إذا وضعناه في قالبه الأيديولوجي الصحيح. فهي مقاومة إسلامية في لبنان، وفلسفتها وعلة وجودها مبنيتان على أفكار آية الله الخميني وما قدّمه من طرح إسلامي مزج بين أفكار المضطهدين في دول العالم الثالث من جهة، وبين أفكار سيد قطب، المنظّر الأساس لحركة الإخوان المسلمين، من جهة أخرى.

نشأ هذا البناء الفكري الجهادي في عصر الصراعات المحتدمة بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي. وقد أراد قائد الثورة الإسلامية في إيران رسم خط ثالث وسط هذه الثنائية، بطرح مكثف لسان حاله: “لا شرقية ولا غربية.. الإسلام هو الحل!”.

عودٌ على بدء. ثمة سؤال يفرض نفسه: لماذا فُتحت جبهة جديدة برغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الحزب طوال خمسة عشر شهراً؟

في هذا التساؤل نزاع بين منطقين متعارضين: منطق وطني لبناني ينظر إلى الحرب بوصفها وسيلة لتحرير الأرض والدفاع عنها، وهو منطقٌ تحدّه حدود الوطن اللبناني الصغير وأمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية، القائمة على الالتزام بحالة الدفاع عن النفس عند الضرورة (مقاومة دفاعية وليست هجومية). يُقابله منطق إسلامي خميني يقتضي الدفاع عن الثورة الإسلامية في إيران أولًا، بوصفها الداعم الأساسي للمقاومة وراعيها الأول، وثانيًا التزامًا بالأخوة الإسلامية والتعاضد الإسلامي في وجه الغرب المستعمر.

والواضح أن المقاومة الإسلامية اليوم يعتريها نزاع بين ركيزتين تمكنت، إلى حد الآن، من التوفيق بينهما: الهوية الجنوبية العاملية والدفاع عن مصلحة الجنوب وأهله، والهوية الإسلامية الخمينية المتصلة بالنظام الإيراني.

وكما سبق وأردفنا، لا مقاومة مجردة من هوية سياسية وفكرية ترسم ملامح الحركة وتحيط بأهدافها. وهذا ينطبق على جميع الحركات السياسية الأيديولوجية الفاعلة حاليًا أو سابقًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا تشبه “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” ذات الأساس الفكري الشيوعي التقدمي، بمنطلقاتها وبنيتها الفكرية، المقاومة ذات الهوية الخمينية.. ولا مذمة في ذلك، بل هو تحليل واستخلاص منطقي ليس إلا.

إقرأ على موقع 180  إيران تجنح نحو التفاوض.. واحاطة برنامجها النووي بالغموض

يجب إعادة وضع الأمور في نصابها، فالتحليل المنطقي القويم يؤدي حتمًا إلى خلاصة منطقية.

لا وجود لـ”مقاومة” مجردة. فالمقاومة في أصلها فعل تقوم به حركات سياسية معينة لمنع حصول أمر معين، أو لمنع استقرار وضع سياسي يُعتبر مضرًا بمصالح الطرف المقاوم، أو بفئة قومية أو طبقية تمثلها هذه الحركة.

وهذا الأمر لم يُفهم بعد في لبنان؛ البلد المحكوم بنظرة سياسية مفعمة بالهيغيلية السطحية. ففي لبنان يميل الرأي السائد إلى اعتبار أنه يجب أن تكون المقاومة، كالدولة وكالمؤسسات القانونية والدستورية، كيانًا مستقلًا لا أهواء له ولا هوية. كيانٌ “تحكيميٌ” يتولى حل النزاعات بين مكونات المجتمع اللبناني؛ وفي هذا خطأ منهجي ومنطقي. فالمقاومة الإسلامية هي إسلامية أولًا، أي إسلامية خمينية. وفعلها المقاوم المقاتل يندرج في مروحة أعمال سياسية وعسكرية تخدم مشروعًا سياسيًا أيديولوجيًا محددًا، له منطقه الخاص وديناميكيته الخاصة التي تحكم نشاطها، ولا تقتصر بطبعها على “المقاومة فقط”.

إذا لم تفهم النخب الفكرية اللبنانية ذلك جيدًا اليوم، فستبقى أسيرة نقد سطحي غير صالح لتقديم الحلول المناسبة.

فالمقاومة الإسلامية في لبنان ليست لبنانية فقط، ولا هي إسلامية فقط. هي، في الوقت عينه، الاثنان معًا. هي الحركة المتصدرة لفعل المقاومة في لبنان من قبل لبنانيين ينتمون فكريًا وعقائديًا إلى الفكر الإسلامي الخميني.

وعند تثبيت هذا المعطى، وعنده فقط، يمكننا الانطلاق أولًا في فهم ما تقوم به المقاومة، وثانيًا في تحليله وتقرير، كلٌّ من منطلقه الفكري والسياسي الخاص، ما إذا كان ما تقوم به يصب في مصلحة البلاد أم لا.

وعندئذ يمكننا وضع قطع الحساب الأخير لهذه الحركة، وذلك مسؤولية بيئتها أولًا.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

طالب لبناني مقيم في فرنسا

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حين تصبح عودة النازحين السوريين.. نزوحًا جديدًا