لا تتحرك الأطراف الثلاثة الرئيسية في هذا الصراع وهي الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران، إلا من خلال منظومات فكرية تُحمِّل الفعل العسكري معانٍ تتجاوز نتائجه المباشرة. ففي التجربة الأميركية، لم يكن الدين يوماً غائباً عن الخطاب السياسي، بل شكّل أحد مكوّناته البنيوية، حيث درج الرؤساء الأميركيون على استحضار نصوص من العهد القديم في خطاباتهم، بما يعكس تداخلاً بين الهوية القومية والمرجعية الدينية. وقد بلغ هذا التداخل ذروته مع إدارة جورج دبليو بوش، الذي استخدم خطاباً ذا طابع ديني واضح لتبرير غزو العراق عام 2003، مقدماً الحرب على أنها جزء من معركة كونية ضد “الشر”، في إطار ما عُرف بالحرب على الإرهاب.
وقتذاك؛ برز موقف البابا يوحنا بولس الثاني كحالة فريدة ووحيدة من المعارضة الأخلاقية الصلبة، إذ رفض الحرب بشكل قاطع، معتبراً أنها لن تؤدي إلى نشر الديموقراطية، بل ستفتح الباب أمام دوامة من العنف والتطرف. كما أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي أُرسل لإقناع الفاتيكان بجدوى الحرب، سمع من البابا تحذيرات واضحة، وهي: أن الحرب ستشعل صراعاً مذهبياً، وأنها ستُنتج موجات متتالية من النزاعات، وأن نتائجها ستتجاوز العراق إلى مجمل الشرق الأوسط. وقد أقرّ بلير لاحقاً، في مراجعاته السياسية وتحديداً في مذكراته، بأن تلك التحذيرات كانت دقيقة إلى حد بعيد.
غير أنّ التحول الأكثر دلالة في العلاقة بين الدين والسياسة الأميركية برز مع إدارة دونالد ترامب، التي بدت، شكلياً، أقل ميلاً إلى استخدام النصوص الدينية المباشرة في خطابها، حتى في لحظة إعلان الحرب على إيران. إلا أنّ هذا الغياب لم يكن مؤشراً على تراجع البعد الديني، بل على انتقاله إلى مستوى أكثر تعقيداً وخطورة، حيث لم يعد الدين يُستدعى كنص مرجعي، بل كإطار لإعادة تعريف السلطة نفسها. فالدعوة إلى “تكريس الولايات المتحدة من جديد لله”، عبر تنظيم تجمعات صلاة وطنية في واشنطن في 17 مايو/أيار، تعكس توجهاً نحو إضفاء طابع ديني على الدولة ككيان، وعلى الرئيس كفاعل يمتلك سلطة رمزية تتجاوز حدود السياسة. هذا التحول يُقارب، في دلالاته، نماذج تاريخية كانت السلطة فيها تُبرَّر دينياً، لكنه يأتي هذه المرة في سياق دولة حديثة تدّعي الفصل بين الدين والسياسة، ما يفتح الباب أمام تناقض بنيوي بين الخطاب والممارسة.
هذا التناقض يزداد وضوحاً عند الانتقال إلى البعد الإقليمي، حيث تتقاطع الرؤية الأميركية مع الخطاب الإسرائيلي في إعادة إنتاج مفاهيم دينية لتبرير مشاريع سياسية. فقد عبّر السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي عن هذه المقاربة حين دعا إلى “إعادة إسرائيل التوراتية” على امتداد الشرق الأوسط، وهو طرح ينطوي على إشكاليات تاريخية ونصية عميقة. فالعهد القديم، برغم كونه المرجعية الأساسية لهذا الخطاب، لا يتضمن تعريفاً صريحاً ودقيقاً لما يُسمّى “إسرائيل التوراتية”، ولا يُحدّد حدودها الجغرافية بشكل دقيق.
في المقابل، تتضمن نصوص متعددة في الأسفار نفسها تحديداً واضحاً وحاسماً لحدود لبنان، تمتد من جبل حرمون (سيريون) شمالاً، إلى سهل البقاع، وصولاً إلى تخوم حماة شرقاً، والإطلالة على دمشق، وسلسلة جبال لبنان الغربية المشرفة على البحر. هذه الإشارات شكّلت لاحقاً مرجعية تاريخية استند إليها البطريرك الماروني إلياس بطرس الحويك في مطالبته بدولة لبنان الكبير في العام 1920، ما يطرح مفارقة أساسية تتمثّل في أن النص الديني نفسه الذي يُستخدم لتبرير توسع جغرافي لإسرائيل، يحتوي على ما يناقض هذا التبرير، ويؤسس لشرعية جغرافية لبنانية.
والملاحظ أن الخطاب الإسرائيلي يتخذ بعداً أكثر صراحة في تديين الصراع، كما يظهر في مواقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي لجأ إلى استحضار “سفر أستير” في سياق إعلان الحرب على إيران، رابطاً بين العدو الفارسي القديم والنظام الإيراني المعاصر. أهمية هذا الاستحضار لا تكمن فقط في البعد الرمزي، بل في اختيار نص يُعدّ الوحيد في الكتاب المقدس الذي لا يذكر اسم الله، وهو ما فسّره بعض شُرّاح العهد القديم على أنه تأكيد على دور الإنسان في صناعة مصيره، حتى في غياب التدخل الإلهي المباشر. هذا التفسير يفتح الباب أمام قراءة أكثر عمقاً للخطاب الإسرائيلي، حيث يتموضع القائد السياسي في موقع الفاعل المطلق، الذي يمتلك شرعية اتخاذ القرار الوجودي، بما يقترب من فكرة “إحلال الذات محل الإله” في إدارة الصراع.
ولا يختلف توظيف الدين في الخطاب الإيراني من حيث الجوهر، وإن اختلفت أدواته وسياقاته. فإيران، التي تقوم بنيتها السياسية على مزيج من الشرعية الدينية والسياسية، توظف النصوص الدينية في إطار مشروعها الإقليمي، حيث يتداخل البعد العقائدي مع الاستراتيجية العسكرية. ويظهر هذا التداخل بوضوح في خطاب حزب الله، الذي يستند إلى مرجعيات دينية في تسمية عملياته العسكرية، كما في استخدام تعبير “العصف المأكول” المستمد من سورة الفيل في القرآن الكريم، وهو تعبير يحمل دلالات رمزية عن الهزيمة الساحقة للعدو بفعل تدخل إلهي. هذا الاستخدام لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يهدف إلى ربط الفعل العسكري بسردية دينية تعزز من شرعيته في الوعي الجمعي.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يتضح أن ما يجري لا يمكن توصيفه كحرب دينية تقليدية، بل كصراع بين ثلاث أيديولوجيات كبرى، لكل منها مقاربتها الخاصة للدين؛ أيديولوجيا إسرائيلية ذات طابع توراتي تسعى إلى إعادة تعريف الجغرافيا انطلاقاً من نصوص دينية، وأيديولوجيا إيرانية تمزج بين الدين والسياسة في مشروع إقليمي عابر للحدود، وأيديولوجيا أميركية تحاول إعادة صياغة دورها العالمي ضمن إطار قيمي – ديني يضفي على قراراتها بعداً أخلاقياً مطلقاً. في مواجهة هذه الأيديولوجيات، يبدو لبنان في موقع التخبط، حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية الجامعة، لتحل محلها حالة من العجز السياسي والتفكك الخطابي، تتجلى في تقديم لبنان كدولة عاجزة تسعى إلى استدرار التعاطف الدولي بدل إنتاج خطاب سيادي متماسك.
غير أنّ هذا الواقع لا يعني غياب عناصر القوة. فلبنان، بحكم تركيبته التاريخية والثقافية، يمتلك قدرة على التكيف وإعادة إنتاج ذاته في مواجهة الأزمات. وفي مقابل الخطابات الدينية المتشددة التي تحكم الأطراف المتصارعة، يحتفظ لبنان بإرث من التعددية والانفتاح، ما يمنحه إمكانية لعب دور مختلف، إذا ما تمكّن من إعادة بناء خطابه السياسي على أسس صلبة. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة للانتباه تتعلق بطبيعة الكيان الإسرائيلي، الذي يُقدَّم كدولة قومية، فيما تشير بعض القراءات إلى أنه يقوم على تجمعات قبلية – دينية متعددة، تُحكم من خلال سلطة دينية – سياسية قادرة على تعبئتها عبر الخوف والتهديد الوجودي. هذا النمط من البنية قد يحمل في داخله عناصر ضعف بنيوية، تتفاقم مع تصاعد الخطاب الديني وتضخيم التهديدات.
انطلاقاً مما سبق، يتبيّن أن الدين في هذه الحرب أصبح جزءاً من بنية الصراع نفسه، حيث تُستخدم النصوص لتبرير السياسات، وتُستحضر الرموز لإعادة رسم الخرائط، ويتحول القادة إلى فاعلين يتجاوزون حدود الدولة نحو أدوار ذات طابع شبه لاهوتي. وفي قلب هذا المشهد، يقف لبنان أمام معادلة معقدة؛ إما أن يبقى ساحة لتقاطع هذه الأيديولوجيات، أو أن يعيد تعريف موقعه ككيان قادر على إنتاج توازن خاص به، مستنداً إلى تاريخه وقدرته على النهوض، حتى في أكثر اللحظات قتامة.
