هدنةٌ للجميع وحربٌ للبنان.. مفارقةُ الجغرافيا القاتلة

بينما تنشغل العواصم الكبرى بترميم "خرائط الطاقة" وتأمين الممرات البحرية عبر هدنة إسلام آباد الهشة، يبرز التناقض الصارخ بين شمولية الاتفاق أميركياً واستثنائية الجبهة اللبنانية إسرائيلياً. يضع هذا الانقسام الجيوسياسي لبنان في منطقة "رمادية قاتلة"، حيث تتقاطع المصالح الكونية لتبريد المنطقة مع إصرار تل أبيب على تصفية حساباتها الميدانية بمعزل عن التوافقات الدولية. إنّه اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على منع تحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة الاستنزاف الوحيدة في إقليم يبحث عن استقرار مفقود.

فجر اليوم الثامن من نيسان/أبريل 2026، أعلن البيت الأبيض عن التوصل إلى “هدنة الـ 14 يوماً” بين واشنطن وطهران، في خطوة تمثل محاولة جراحية دقيقة لانتزاع فتيل انفجار إقليمي شامل كان قاب قوسين أو أدنى. هذه الهدنة، التي حاكت خيوطها باكستان برعاية صينية، لا يمكن قراءتها كمجرد وقف تقني لإطلاق النار، بل هي لحظة اشتباك كبرى بين رؤيتين متناقضين لمستقبل الإقليم؛ رؤية “الممرات الكبرى” التي تقودها القوى الدولية لتأمين تدفقات الطاقة والسلع، ورؤية “الأمن المباشر” التي تحاول إسرائيل من خلالها إعادة رسم خرائط النفوذ في جوارها اللصيق، وتحديداً فوق الأراضي اللبنانية التي وجدت نفسها، مرة أخرى، في قلب التجاذب بين شمولية الاتفاق واستثنائية الميدان.

يكمن جوهر الاتفاق الحقيقي في “جيوبوليتيك الممرات”؛ فبالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، كان ثمن التهدئة هو انتزاع التزام إيراني حاسم بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان سلامة الملاحة الدولية، وهي “الجائزة الكبرى” التي تمنح الاقتصاد العالمي استقراراً ضرورياً وتوفر لواشنطن مخرجاً دبلوماسياً من مواجهة مكلفة. وفي المقابل، نجد أن طهران، عبر قبولها بوساطة إسلام آباد، قد سعت إلى تثبيت شرعية “وحدة الساحات” عبر إصرارها على أن يشمل الاتفاق جبهات الاشتباك كافة، مما يمنح حلفاءها مظلة حماية من ضربات كانت تبدو حتمية. هذا التقاطع في المصالح بين واشنطن وطهران على “تبريد الرؤوس” خلق مساحة زمنية مدتها أسبوعان، وصفتها الدوائر الدبلوماسية بأنها “فترة اختبار للنوايا”، لكنها في الحقيقة فترة صراع محموم على تثبيت الوقائع وقواعد الإشتباك قبل أن تتحول الهدنة المؤقتة إلى إطار تفاوضي دائم يعالج المخاوف الأمنية المتبادلة بشكل جذري.

بيد أن هذا المسار التفاوضي الدولي يصطدم بجدار صلب في تل أبيب؛ فموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سارع إلى عزل الجبهة اللبنانية عن الاتفاق، يمثل استراتيجية “فك الارتباط العضوي” التي تهدف إلى منع إيران من استثمار الهدنة كدرع واقٍ لأذرعها الإقليمية. ومنذ اللحظة الأولى لإعلان باكستان عن اتفاق يشمل لبنان، قرّر الإسرائيلي معاندة التفاهمات التي تُكرّس معادلة “وحدة الساحات” التي قرّر محاربتها منذ أكثر من عقد من الزمن، ليكتشف أن واشنطن وبـ”شحطة قلم”، قرّرت تثبيت تلك المعادلة.

إن إصرار إسرائيل على أن الهدنة لا تشمل لبنان جوهرها كسر معادلة “وحدة الساحات”، وبالتالي التمسك بـ “حرية العمل” في الشمال، بما يعكس خشية إسرائيلية عميقة من أن تتحول الهدنة الدولية إلى طوق نجاة عسكري يسمح بترميم القدرات وإعادة التموضع الميداني. هنا، تتجلى المفارقة الجيوسياسية في أبهى صورها؛ فبينما يتم التفاوض في إسلام آباد على “خرائط الطاقة والبحار”، يتم التفاوض في الميدان اللبناني بالنار على “خرائط الحدود والقرى”، وهو ما يضع المنطقة في منطقة “السيولة القاتلة”، حيث قد يشهد الواقع اللبناني تصعيداً نوعياً ومكثفاً كمحاولة لفرض واقع أمني جديد قبل أن يكتمل نضوج الاتفاق الأميركي-الإيراني ويتحول إلى ضغط دولي لا يمكن لنتنياهو تجاهله.

إن هذا “الاشتباك الخرائطي” يتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية المؤقتة ليدخل في صلب عملية “هندسة جيوسياسية” شاملة للممرات الحيوية في الشرق الأوسط؛ فالاتفاق في عمقه يسعى لترسيم حدود النفوذ عبر “خرائط الصمت” التي تفرضها الضرورات الاقتصادية، حيث تلتقي مصالح بكين في حماية خطوط إمدادها مع رغبة واشنطن في تقليل كلفة الانخراط العسكري المباشر.

وفي هذا السياق، تبرز الهدنة كأداة لإعادة تموضع القوى فوق “ممرات الربط” الاستراتيجية، حيث يتم مقايضة “أمن البحار” في الخليج بـ “تجميد الصراعات” في اليابسة الممتدة من طهران إلى بيروت. غير أن هذا التجميد يظل هشاً، لأنه يصطدم بواقع أن الخرائط التي تُرسَم في الغرف المغلقة قد لا تتطابق بالضرورة مع الخرائط التي تُنزف في الميدان؛ فالتداخل بين ما هو اقتصادي-طاقوي وما هو عسكري-أيديولوجي يجعل من أي اتفاق جزئي مجرد “هدنة قلقة” تنتظر حسم هوية الممر الأقوى: هل هو ممر التجارة العالمية الآمن، أم ممر النفوذ الإقليمي المتمدد؟

وعلى المقلب اللبناني، يضع هذا “الاستثناء الإسرائيلي” الدولة اللبنانية، بكل تعقيداتها المؤسساتية والسياسية، في عين العاصفة الجيوسياسية، حيث تجد بيروت نفسها مرغمة على المناورة في مساحة ضيقة جداً بين “مطرقة” الإصرار الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية و”سندان” الالتزام الإيراني الشامل بالهدنة. إن خطورة هذا الوضع تكمن في تحول لبنان إلى “خريطة مقاصة” أو ساحة لتفريغ فائض القوة والضغط الذي لا يجد له متنفساً في الجبهات الأخرى التي شملها الاتفاق. وبناءً عليه، فإن أي تعويل على “حصانة دولية” ناتجة عن اتفاق واشنطن-طهران قد يصطدم بواقع أن “الخصوصية الأمنية” لإسرائيل في الشمال باتت تُعامل دولياً كمتغير مستقل، مما يفرض على القوى المحلية في لبنان مواجهة استحقاق مصيري: إما القبول بفك الارتباط عن المسارات الإقليمية لتجنب دفع ضريبة الاستثناء، أو البقاء كجبهة “الاستنزاف الأخيرة” في صراع لم يعد يكتفي برسم الحدود السياسية، بل يسعى لفرض واقع ديموغرافي وعسكري جديد يعيد تعريف دور لبنان في المنظومة الإقليمية لعقود قادمة.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل تطوي صفحة الموسوي.. جاءها زمن نصرالله (77)

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  القيادة الحقة.. وحرية الناس