“الظلام الأبدي”.. بيروت في مرمى العقيدة الإسرائيلية!

لم تكن الغارات التي حوّلت بيروت، في يوم "الأربعاء الأسود"، إلى ما يشبه الجحيم حدثاً عسكرياً عادياً يمكن إدراجه في سياق التصعيد الإسرائيلي التقليدي، بل جاءت كاختبار فجّ لمعادلة إقليمية جديدة وُلدت فجراً مع الإعلان عن الاتفاق الأميركي–الإيراني، الذي شمل لبنان بشكل صريح، حسب الورقة التي أعلنها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. في تلك الساعات القليلة، انتقل اللبنانيون من نشوة حذرة بوقف نار محتمل، إلى صدمة وجودية وهم يشاهدون عاصمتهم تُستباح تحت مسمى: "الظلام الأبدي".

لم يكن اختيار الاسم تفصيلاً لغوياً. فإسرائيل، كما أثبتت تجاربها السابقة، لا تتعامل مع تسميات عملياتها بوصفها عناوين إعلامية، بل كجزء من هندسة الحرب النفسية والعقائدية. من “السور الواقي” إلى “عمود السحاب”، وصولاً إلى تسمية “الظلام الأبدي”، ثمة محاولة دائمة لربط الفعل العسكري بسردية تتجاوز الميدان إلى الرمزية الدينية والتأثير النفسي العميق.

في هذا السياق، يحمل “الظلام” في المخيال التوراتي دلالات تتجاوز كونه حالة طبيعية، ليصبح رمزاً للعقاب الإلهي والفوضى والانقطاع عن النور، أي عن “الحق”. أما اقترانه بصفة “الأبدي”، فينقل المعنى من حدث عابر إلى مشروع تدمير طويل الأمد، يستهدف ليس فقط البنية التحتية، بل القدرة على التعافي وإعادة إنتاج القوة.

غير أن التسمية، على أهميتها، لا تفسّر وحدها ما جرى. فالمفارقة الأساسية تكمن في التوقيت: كيف يمكن تفسير هذا التصعيد غير المسبوق بعد ساعات فقط من اتفاق دولي رعته قوى كبرى، يفترض أنه وضع حداً للانفجار الإقليمي؟
الجواب يكمن في التناقض البنيوي بين منطق التهدئة الدولي ومنطق الأمن الإسرائيلي المباشر، معطوفاً على تواطؤ عبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما قال إنه اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأبلغه أن جبهة لبنان مستثناة من الاتفاق مع إيران.

فبينما سعت واشنطن إلى تثبيت وقف النار كمدخل لإطلاق مسار تفاوضي أوسع مع طهران، يهدف أساساً إلى ضبط إيقاع الصراع وحماية ممرات الطاقة، تعاملت تل أبيب مع الاتفاق بوصفه قيداً استراتيجياً يجب الالتفاف عليه. من هنا، يمكن قراءة ما جرى في بيروت كجزء من محاولة إسرائيلية لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أن تتحول الهدنة إلى التزام دولي مُلزِم.

عسكرياً، لا توحي طبيعة الأهداف المائة بأن العملية تستهدف بنية قتالية تقليدية. فالقصف الذي طال مناطق مدنية مكتظة، بعيداً عن أي تبرير عسكري واضح، يعزّز فرضية أن الهدف الأساسي لم يكن تحقيق إنجاز ميداني مباشر، بل إحداث صدمة نفسية جماعية عبر الإيحاء بأن الحرب قد تدخل مرحلة غير قابلة للاحتواء وأنه فيما كان البعض ينتظر التزاماً إسرائيليا بوقف النار، أقدمت تل أبيب على ما لم تقدم عليه في كل حربها مع لبنان منذ ثلاث سنوات حتى الآن، في مشهدية عسكرية أعادة التذكير باستهداف بيروت إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982.

انطلاقاً من ذلك، يمكن تصور مسارين محتملين:

الأول؛ أن يكون التصعيد الإسرائيلي بمثابة “الضربة الأخيرة” قبل تثبيت وقف النار في الساعات أو الأيام المقبلة، في محاولة لتعويض الإخفاقات الميدانية، ورفع سقف التفاوض عبر إظهار القدرة على الإيذاء، خصوصاً أن الاتفاق الأميركي–الإيراني وضع، بشكل غير مباشر، حدوداً لحركة تل أبيب ولا سيما لجهة تقييد حركة طيرانها في أجواء العاصمة ما بعد “الأربعاء الأسود”.

الثاني؛ أن تكون عملية “الظلام الأبدي” مؤشراً على انهيار فعلي لمسار التهدئة، ما يفتح الباب أمام حرب أوسع وأكثر عنفاً، تتجاوز قواعد الاشتباك السابقة، وتقترب من نموذج التدمير الشامل الذي شهدته غزة، في ظل عجز دولي واضح عن كبح التصعيد، وعدم استعداد القوى الكبرى للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل من أجل دولة بحجم لبنان.

بين هذين المسارين، يبقى الثابت الوحيد أن لبنان، مرة جديدة، يجد نفسه في قلب صراع يتجاوز حدوده بكثير، وأن تسميات مثل “الظلام الأبدي” قد لا تكون مجرد وصف لعملية عسكرية، بل تعبيراً عن مرحلة كاملة يُراد فرضها على المنطقة.

في الختام، حتماً لن يكون مسار الميدان اللبناني منفصلاً عن مسار إسلام آباد، فإذا نجح الأميركيون والإيرانيون في التوصل إلى اتفاق خلال مهلة الخمسة عشر يوماً أو أقل، سينعكس ذلك على كل المسارات في المنطقة، وبالتالي ستجد إسرائيل نفسها للمرة الأولى منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر مقيدة نسبياً بحجم اتفاق سياسي إقليمي كبير، وإذا أخفقت المفاوضات ستكون المنطقة كلها ميداناً واحداً.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  هل إنتهى شهر العسل بين بينت وبايدن؟
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180    الصين وروسيا مستفيدتان من مغامرة ترامب وإنحسار نفوذ واشنطن