أزمة الكيان اللبناني: صراع المعنى والطائفية – أيُّ لبنان نريد؟

يعالج هذا النص أزمة الكيان اللبناني بوصفها أزمة بنيوية تتجاوز النظام السياسي إلى المعنى الذي يقوم عليه.. ومن خلال تحليل نظري وتاريخي مقارِن، يفكك النص البنية الطائفية بوصفها عائقًا ونقيضًا لمنطق الدولة الحديثة، ويعيد تعريف شروط قيام كيان سياسي قائم على المواطنة والإرادة العامة، ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إصلاح النظام فقط، بل بإعادة تعريف الأُسس التي يقوم عليها الكيان السياسي.

لم يعد الواقع في لبنان قابلًا للاختزال في مفردات الأزمة المعتادة؛ فما يبدو شللًا سياسيًا أو انهيارًا اقتصاديًا ليس سوى تعبير عن خللٍ أعمق يتجاوز الأداء إلى الكيان نفسه.

نحن لسنا أمام أزمة داخل الدولة، بل أمام لحظة تكشف عقم الفكرة التي قامت عليها منذ نشأتها وعجزها عن إنتاج دولة جامعة. من هنا، لا يعود السؤال: كيف نُصلح النظام؟ بل: هل تكمن الأزمة فيه، أم في أُسس الكيان ذاته؟

بهذا المعنى، يغدو الانهيار الحاصل لحظة انكشاف: اختبارًا لمعنى الدولة.

فالدولة، في الفكر السياسي الحديث من “روسّو” إلى “فيبر”، ليست جهازًا سلطويًا، بل تعبير عن “شعب سياسي” يُنتج إرادة عامة تنظّم الوجود المشترك. غير أن هذا يفترض تجاوز الانتماءات الأولية نحو مواطنة جامعة، وهو ما لم يتحقق في لبنان، حيث بقي المجتمع موزّعًا بين جماعات طائفية تُنتج توازنات لا دولة.

والمقصود بالشعب السياسي جماعة تعترف بذاتها كوحدة سيادية وتنتج شرعيتها ضمن إطار قانوني جامع.

ومن هنا تتبلور الإشكالية: إذا كانت الدولة تقوم على وحدة الإرادة السياسية، فكيف لكيان قائم على “توازن الجماعات” أن يتحول إلى دولة؟

***

من أجل محاولة فهم هذا التناقض، لا بد من العودة إلى “معنى الدولة”: فمن روسّو إلى هيغل، تشكَّل تصور لها بوصفها إطارًا يعيد تعريف الأفراد كمواطنين داخل فضاء قانوني مشترك، تحتكر فيه السلطة العنف المشروع وتستمد شرعيتها من الإرادة العامة.

وفي هذا الإطار، لا تكون المواطنة إضافة إلى الهويات، بل تحوّلًا في موقعها السياسي، حيث تُنزع عن “الانتماءات الأولية” صفتَها الحاكمة لصالح انتماءٍ مدني جامع.

في المقابل، تمثل الطائفة انتماءً سابقًا على السياسة يقوم على روابط مغلقة تُنتج توازنات بين جماعات لا تعاقدًا عامًا. ومن هنا، لا تكون الطائفية مجرد انحراف عن الدولة، بل نقيضًا لمنطقها: فالدولة توحيد للإرادة، والطائفية توزيع لها.

قد يُقال إن الطائفية ليست نقيضًا للدولة، بل صيغة لإدارة التعدّد في مجتمعات منقسمة، تتيح تمثيل الجماعات وتمنع هيمنة إحداها. غير أن هذا يخلط بين إدارة الانقسام وتأسيس الدولة: فالتوازن قد يمنع الانفجار، لكنه لا يُنتج وحدة سياسية، بل يكرّس الانقسام داخل الحكم. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في قدرة الدولة على إدارة التوازن، بل في عجزها البنيوي عن التحوّل إلى إرادة عامة تتجاوزها.

غير أن المفارقة اللبنانية لا تكمن في هذا التناقض النظري وحده، بل في مسارها التاريخي: فلم ينشأ لبنان من تطور داخلي أفضى إلى شعب سياسي، بل من إعادة تشكيل جيوسياسي أعقبت انهيار السلطنة العثمانية، عكست فيها الكيانات الجديدة توازنات القوى أكثر مما عبّرت عن مجتمعات مندمجة.

ومع إعلان “دولة لبنان الكبير” عام 1920، جُمعت فضاءات متباينة داخل كيان واحد دون إرادة سياسية مشتركة، كما بيّن المؤرخان الراحلان كمال الصليبي وجورج قرم.

لكن الجذر الأعمق يعود إلى ما قبل ذلك، إلى لحظة “المتصرفية” بعد أحداث 1860، حين تحوّلت الطوائف من جماعات اجتماعية إلى وحدات سياسية، وأصبح الانقسام إطارًا لتنظيم السلطة. وهكذا تكوّن الكيان اللبناني من تراكب مرحلتين: تحويل الطوائف إلى فاعلين سياسيين، ثم جمعهم داخل دولة لم تنتجهم. ومن هنا ولدت المفارقة التأسيسية:

دولة سبقت شعبها، وكيان بلا أمة سياسية. ولم تبقَ هذه المفارقة في حدود الواقع، بل جرى تأصيلها نظريًا.

***

لم يكن الفكر السياسي اللبناني تنوعًا في المقاربات، بل انقسامًا حول تعريف الدولة نفسها: لا بين مشاريع متجاورة، بل بين تصورات متناقضة للكيان ووظيفته. ويمكن قراءته عبر ثلاث مقاربات كبرى: ميشال شيحا، أنطون سعادة، وكمال جنبلاطلا كمفكرين منفصلين، بل كتجلّيات لصراع بنيوي لم يُحسم.

في تصور ميشال شيحا، الممتد من البطريرك الياس الحويك إلى شارل مالك، يُفهم لبنان كيانًا تعدديًا تُصان فيه الجماعات عبر تثبيت التوازن بينها. غير أن هذا التصوّر، برغم واقعيته، يؤسّس “لدولةٍ وسيطة” لا سيادية، حيث تصبح السلطة إدارةً للانقسام لا تجاوزه، فيتحول التعدّد من واقع اجتماعي إلى مبدأ سياسي دائم يمنع قيام دولة حديثة.

في المقابل، قدّم أنطون سعادة تصورًا معاكسًا يقوم على تجاوز الطوائف نحو وحدة قومية تعيد تشكيل الانتماء داخل إطار الأمة. إلا أن هذا المشروع، رغم قوته النظرية، افترض إمكانية تاريخية غير متحقّقة، إذ سعى إلى القفز فوق البنية الطائفية بدل تفكيكها تدريجيًا، ما جعله أقرب إلى مشروع أعلى من الواقع منه إلى تحول نابع منه.

أما كمال جنبلاط، فمثّل محاولة ثالثة أكثر تركيبًا، سعت إلى تفكيك الطائفية من الداخل عبر ربط الإصلاح السياسي بالعدالة الاجتماعية. لم يثبت التعدد كما فعل شيحا، ولم يقفز فوقه كما فعل سعادة، بل حاول الانتقال منه. غير أن هذه المحاولة اصطدمت ببنية طائفية أعمق من أن تُفكك سياسيًا، وبسياق إقليمي دفعها إلى الانخراط في صراع تجاوز قدرتها.

وهكذا لا يظهر الفكر اللبناني كمسار تطور، بل كصراع حيّ على تعريف الدولة: شيحا يثبّت التعدد فيمنعها، سعادة يتجاوزه فيصطدم بالواقع، وجنبلاط يحاول الانتقال فيُهزم بالبنية.

ومن هنا، لا يكمن فشل هذه المشاريع في ضعفها، بل في أنها التقطت جوانب من الحقيقة دون أن تمتلك شروط تحقيقها، لا لأنها خاطئة، بل لأنها لم تنشأ ضمن شروط تاريخية تسمح بتحقّقها.

غير أن الطائفية في التجربة اللبنانية لم تبقَ فكرة، بل تحولت إلى بُنية تعيد إنتاج الأزمة. فهي لا تقتصر على توزيع السلطة، بل تعيد تشكيل المجتمع والدولة معًا عبر إعادة صياغة التناقضات الاجتماعية وتعزيز الاقتصاد الريعي والزبائنية ضمن إطار إقليمي أوسع، كما يبيّن جورج قرم.

وهكذا، لا تستمر الطائفية برغم كونها نظامًا ناقصًا، بل لأنها تنتج شروط استمراره وتمنع ما يمكن أن يتجاوزه.

إقرأ على موقع 180  نتنياهو زعيماً... ولكن!

وعندما بلغ هذا التناقض ذروته، انفجر في “الحرب الأهلية اللبنانية”، التي لم تكن انحرافًا بل التعبير الأكثر عنفًا عن بنية عجزت عن إنتاج دولة.

ومع تداخل الداخل بالإقليم، تحوّل لبنان من إطار لإدارة التعدّد إلى ساحة لصراعاته، وغدا جزءًا من شبكة توازنات أوسع لا فاعلًا مستقلًا فيها.

إلّا أن نهاية الحرب لم تمثل تجاوزًا لهذه البنية، بل إعادة تنظيمها: فـ”اتفاق الطائف” (1989) أنهى القتال دون إعادة تعريف الدولة، وأعاد توزيع السلطة ضمن منطق “الديموقراطية التوافقية”، بصيغة تحولت فيها الآلية المؤقتة إلى بنية دائمة. وهكذا لم تنتهِ الحرب، بل تغيّر شكلها: من صراع مفتوح إلى نظام يدير الصراع داخل مؤسّساته.

ومن هنا، لا يُفسَّر الانهيار بالفساد أو سوء الإدارة، فهذه أعراض؛ أما الأزمة فبنيوية: مجتمع لم يتحول إلى شعب سياسي، نظام يدير الانقسام بدل تجاوزه، اقتصاد ريعي يعيد إنتاج الزبائنية، وموقع جيوسياسي يحوّل الكيان إلى ساحة صراع – بنية تمنع قيام الدولة من أساسها.

ويتجلّى ذلك بوضوح في عجز النظام عن إنتاج سلطة سيادية موحّدة، وفي استمرار الأزمات الحكومية بوصفها نتيجة بنيوية لا طارئة.

***

ومن أجل توسيع هذا التحليل، لا بد من الانتقال إلى سؤال طبيعة الدولة. وقد يُجادل أنصار المنظور التعددي بأن الدولة لا تقوم على وحدة الإرادة بل على إدارة الاختلافات، وأن السعي إلى توحيدها قد يحمل نزعة إقصائية. غير أن الدولة، في معناها الحديث، ليست مجرد آلية لإدارة التعدد، بل إطار لإنتاج سلطة مشتركة قابلة للاستمرار. لذلك، يظل هذا التصور عاجزًا عن تفسير كيفية تحوّل الاختلاف إلى وحدة سياسية.

فلا يكفي استدعاء نماذج كسويسرا، بل تفكيك شروط نجاحها: إذ لم تنجح الدول الحديثة لأنها خالية من الانقسامات، بل لأنها حيّدتها سياسيًا. والسؤال ليس كيف تعايشت الهويات، بل كيف نُزع طابعها السياسي؟

تم ذلك عبر ثلاث آليات مترابطة: نزع الصفة السياسية عن الهوية وفصلها عن السلطة، بناء فضاء عام موحّد قائم على قانون ومؤسسات مشتركة، وإنتاج الإرادة العامة عبر الفرد لا الجماعة.

ففي الحالة السويسرية، لم تُلغَ الانقسامات، بل فُصلت عن التمثيل السياسي، فلم تعد الكانتونات جماعات متنازعة بل وحدات ضمن إطار قانوني.

أي أن نجاح هذه النماذج كان في تحييد التعدد سياسيًا لا في إدارته.

بذلك، لم تُلغَ الهويات بل حُيّدت، وهنا يكمن الفارق مع لبنان، حيث ثُبّت التعدد داخل الحكم فأصبحت الهوية مصدر السلطة.

ومن هنا، لا يعود الفرق ناتجًا عن طبيعة المجتمعات، بل عن تنظيمها السياسي: فحيث نُزعت الصفة السياسية عن الهويات، أمكن بناء دولة؛ وحيث كُرّست، أصبح التعدد مصدرًا دائمًا للأزمة.

وهكذا نصل إلى المأزق: لبنان لا ينهار، لكنه لا يتحول إلى دولة؛ يستمر دون أن يكتمل، في بنية تعيد إنتاج أزماتها دون تجاوزها.

عند هذا الحد، لا يكون السؤال: لماذا فشل لبنان؟ بل: كيف يمكن لكيان يعمل ضمن هذه الشروط أن يصبح دولة أصلًا؟

ومع ذلك، لا يقود هذا التشخيص إلى انسداد، بل إلى إعادة طرح سؤال التأسيس: فالدولة لا تُبنى بإصلاح النظام، بل بتفكيك المعنى الذي يقوم عليه، أي نقل الطائفية من أساس للانتماء السياسي إلى تعبير اجتماعي.

***

إذا كانت الأزمة اللبنانية تكمن في تسييس الهويات، فإن أي تحول يفترض إعادة تنظيم العلاقة بين الهوية والسلطة، لا بإلغاء الطوائف بل بنقلها من المجال السياسي إلى الاجتماعي، وبناء دولة مواطنة لا تلغي التعدد. وهذا النموذج لا يظهر بوصفه حلًا عمليًا فحسب، بل كنتيجة منطقية لتحييد الهوية عن السلطة بوصفه شرطًا بنيويًا لقيام الدولة الحديثة.

في هذا الإطار، يتبلور نموذج دستوري مزدوج: مجلس نواب خارج القيد الطائفي يعبّر عن الإرادة العامة، ومجلس شيوخ يمثّل الجماعات ويحمي خصوصياتها دون أن يشارك في السلطة التنفيذية.

ولا يُفهم مجلس الشيوخ كحل دائم، بل كآلية انتقالية لتطمين الجماعات، يغدو وجوده غير ضروري مع تحوّل الانتماء السياسي إلى المواطنة.

ويشكّل مجلس النواب مركز القرار السياسي، فيما يُحصر دور مجلس الشيوخ في القضايا المصيرية المرتبطة بالهوية والكيان، ضمن صلاحيات دستورية محددة تمنع تحوّله إلى أداة تعطيل.

بهذا الفصل، تُحمى الطوائف دون أن تحكم، وتُصان الهويات دون أن تصبح مصدرًا للسلطة، ويُستكمل ذلك بقضاء مستقل وقانون أحزاب يمنع الطائفية، يرافقه قانون إنتخابي قائم على النسبية وخارج عن القيد الطائفي، بما يعيد للدولة شرطها السيادي.

وهكذا، لا يكون الحل في إلغاء التعدّد، بل في تحييده سياسيًا، بحيث تغدو الدولة إطارًا جامعًا للمواطنين.

غير أن الانتقال إلى هذا النموذج ليس إجراءً تقنيًا، بل مسارًا تاريخيًا محفوفًا بالمخاطر: فالبنية الطائفية لن تتفكك بسهولة، بل ستقاومه. وسيواجه هذا التحول مقاومة بنيوية من الطوائف والنخب المستفيدة.

في النهاية، لم يفشل لبنان لأنه أُدير بشكل سيء، بل لأنه بُني على فكرة غير قادرة، في أصلها، على إنتاج دولة. لقد استمرّ دون أن يتحوّل، وأدار أزماته دون أن يتجاوزها. وفي هذه المفارقة تكمن حقيقته: ما سمح له بالبقاء هو ذاته ما منعه من أن يصبح دولة.

لبنان ليس دولة فاشلة، بل لحظة معلّقة في تاريخ الدولة؛ ومشكلته ليست في نظامه فقط، بل في معنى لم يُحسم. فالدولة لا تفشل حين تعجز عن الحكم، بل حين تعجز عن تعريف نفسها؛ ولذلك، لا يكفي إصلاح النظام ما لم يُعاد تعريف الأساس الذي يقوم عليه.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  خطة بايدن.. أميركية أم إسرائيلية أم مجرد خداع تفاوضي؟