قائد “الحرس” أحمد وحيدي.. من العتمة إلى مقارعة ترامب!

حين اهتزّ هرم السلطة في طهران في ربيع 2026، لم يكن صعود أحمد وحيدي إلى قمة الحرس الثوري حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار طويل لرجل لم يكن يوماً في الواجهة، لكنه كان دائماً في صلب القرار. لم يصل وحيدي لأنه الأكثر حضوراً، بل لأنه الأكثر معرفة بخفايا النظام، والأكثر تمرساً في إدارة الحروب التي لا تُرى.

ولد أحمد شاه جراغي في شيراز عام 1958، مدينة الشعراء والحدائق، لكن مساره لم يكن أدبياً ولا مدنياً. منذ انتقاله إلى طهران للدراسة في جامعة أميركبير، بدا أنه ينتمي إلى جيلٍ تشكّل على حافة الانفجار السياسي الذي سبق الثورة الإسلامية عام 1979. درس الإلكترونيات، وهو اختيار ليس تقنياً فحسب، بل يعكس ميلاً مبكراً إلى التفكير المنظومي، كيف تعمل الأشياء من الداخل، وكيف يمكن التحكم بها. هذا الميل سيتحوّل لاحقاً إلى سمة مركزية في شخصيته، حيث سيجمع بين الهندسة الدقيقة والتخطيط الاستراتيجي.

غداة انتصار الثورة، لم يتردد في الانضمام إلى الحرس الثوري الوليد. هناك، لم يكن مجرد عنصر عسكري، بل سرعان ما انجذب إلى عالم الاستخبارات. في بدايات حرب الخليج الأولى، حيث كانت الدولة الإيرانية تعيد تشكيل نفسها تحت النار، وجد وحيدي مكانه الطبيعي في الظل: نائباً لرئيس الاستخبارات في الحرس الثوري، ثم أحد المساهمين في تأسيس وزارة الاستخبارات. في تلك السنوات، لم يكن يُبنى فقط جهاز أمني، بل كانت تُرسم معالم دولة كاملة، وكان وحيدي أحد مهندسيها الصامتين.

قوة القدس ووزارة الدفاع

لكن التحول الأكبر في مسيرته جاء مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية. في عام 1988، حين قررت طهران نقل معركتها إلى خارج الحدود، أُسندت إليه مهمة تأسيس “قوة القدس” في الحرس الثوري. هنا تحديداً تتبلور شخصية وحيدي كما سيعرفها العالم لاحقاً: رجل الشبكات، لا الجبهات؛ رجل النفوذ غير المباشر، لا الاحتلال. خلال تسع سنوات من قيادته للفيلق، وضع الأسس الأولى لما سيُعرف لاحقاً بمحور النفوذ الإيراني في المنطقة. لم يكن هو من سيحوّل هذا المشروع إلى ظاهرة إعلامية، كما فعل خليفته قاسم سليماني، لكنه كان من صمّم بنيته التحتية، وكان له شركاء في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وساحات أخرى كانت تتحرك “قوة القدس” ضمنها.

هذه المرحلة، التي غالباً ما تُختصر في سيرته، هي في الواقع مفتاح فهمه. فوحيدي لم يكن قائداً ميدانياً تقليدياً، بل كان أقرب إلى “مدير نظام”: ينسّق بين الاستخبارات، والعمليات، والعلاقات الإقليمية. كان يعمل على المدى الطويل، ويؤسس لسياسات تتجاوز الأشخاص. ولذلك، حين غادر “قوة القدس” عام 1997، لم يكن خروجه تراجعاً، بل انتقالاً إلى مستوى آخر من التأثير.

في وزارة الدفاع، حيث شغل مناصب التخطيط ثم تولى الوزارة لاحقاً في عهد محمود أحمدي نجاد، ظهر وجه آخر من شخصيته: البيروقراطي الاستراتيجي. هناك، لم يكن يدير وحدات قتالية، بل برامج تسليح، وخططاً صناعية، وشبكات تعاون مع قوى دولية. هذه المرحلة أضافت إلى خبرته بعداً تقنياً ومؤسساتياً، وجعلت منه واحداً من القلائل الذين يفهمون العلاقة المعقدة بين الاقتصاد العسكري والسياسة الدفاعية في إيران.

الدولة العميقة

لكن مسيرته لم تكن خالية من الظلال الثقيلة. فملف تفجير “آميا (ِAMIA)” في الأرجنتين عام 1994 ظل يلاحقه، محولاً إياه إلى أحد أكثر المسؤولين الإيرانيين إثارة للجدل على الساحة الدولية. مذكرة الإنتربول الحمراء والعقوبات الغربية لم تكن مجرد أدوات ضغط، بل ساهمت أيضاً في تكريس صورته كرجل يعمل خارج الأطر التقليدية، ويجسد الجانب الأكثر صلابة في النظام الإيراني. بالنسبة لخصومه، هو رمز “الدولة العميقة” الإيرانية؛ وبالنسبة لمؤيديه، هو رجل أدى مهامه في بيئة صراعية معقدة.

عودته إلى الواجهة المدنية كوزير للداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي عام 2021 بدت للوهلة الأولى مفارقة. رجل العمليات الخارجية يتولى الأمن الداخلي. لكن هذه الخطوة كشفت عن ثقة النظام به في إدارة اللحظات الحرجة. وقد جاءت تلك اللحظة سريعاً مع احتجاجات 2022، حيث وُضع في موقع المواجهة المباشرة مع الشارع. مرة أخرى، اختار النظام رجلاً من الظل لإدارة أزمة علنية، وهو ما يعكس طبيعة السلطة في إيران، فحين تشتد الأزمات، يُستدعى أصحاب الخبرة الأمنية العميقة.

ثم جاءت القفزة الأخيرة في مسيرته. تعيينه نائباً لقائد الحرس الثوري في أواخر 2025 لم يكن مجرد ترقية، بل إشارة إلى إعادة ترتيب داخل المؤسسة العسكرية. وبعد أسابيع قليلة، ومع الضربة التي أطاحت بقيادة الحرس والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وجد وحيدي نفسه في قلب العاصفة. لم يكن أمام النظام وقت لتجارب جديدة، فاختار رجلاً يعرف كل مفاصله ويثق به المرشد الجديد مجتبى خامنئي.

المفاوض الفعلي

منذ توليه القيادة، لم يتحول وحيدي إلى شخصية إعلامية. لم يظهر كقائد جماهيري، ولم يحاول تقليد أسلوب من سبقوه ولا سيما قاسم سليماني. بل استمر في لعب دوره المفضل، إدارة الحرب من خلف الستار. التقارير الغربية التي وصفته بـ”المفاوض الفعلي” مع واشنطن في هذه الأيام تعكس هذه الطبيعة المزدوجة: قائد عسكري يدير أيضاً خطوط التفاوض غير المعلنة. في شخصه، تتقاطع الحرب والدبلوماسية السرية، في نموذج بات مألوفاً في صراعات القرن الحادي والعشرين.

إقرأ على موقع 180  فشل مفاوضات القاهرة.. من يكسُر الاستعصاء السياسي والميداني؟

ما يُميّز وحيدي، في النهاية، ليس فقط تعدد مناصبه، بل نوعية هذه المناصب. من الاستخبارات إلى العمليات الخارجية، ومن وزارة الدفاع إلى الداخلية، ثم إلى قيادة الحرس الثوري، هو أحد القلائل الذين مروا بكل مستويات السلطة الأمنية والعسكرية في إيران. هذا المسار يمنحه رؤية شاملة، لكنه يضعه أيضاً في موقع بالغ الخطورة. فالقادة الذين يشبهونه نادراً ما تكون نهاياتهم هادئة.

في لحظة تاريخية تتسم بالاضطراب والتهديدات المتعددة، يبدو أحمد وحيدي أشبه بمنتج طبيعي للنظام الذي صنعه. رجل لا يعتمد على الخطابة، بل على المعرفة الدقيقة بالشبكات؛ لا يراهن على الحضور، بل على التأثير؛ ولا يتحرك في الضوء إلا حين يصبح الظل غير كافٍ. وربما لهذا السبب تحديداً، كان هو الخيار حين لم يعد هناك متسع للأخطاء.

في سيرة وحيدي، لا نجد قصة صعود فردي بقدر ما نجد قصة نظام يتجسد في شخص. نظام يتقن البقاء عبر رجال يعرفون كيف يعمل من الداخل. وفي عالم يزداد اضطراباً، قد يكون هذا النوع من القادة هو الأكثر قدرة على الاستمرار… أو الأكثر عرضة للاختفاء المفاجئ.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  هل يُفجّر مجلس محافظي وكالة الطاقة.. المفاوضات النووية؟