الورقة الإيرانية لإسلام آباد: الحرب أقل تكلفة من التنازل

تتكرر التساؤلات هذه الأيام حول مصير الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية: هل نحن أمام اتفاق تاريخي يُنهي الحرب، أم أن جولةً جديدة من الحرب باتت حتمية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نفهم أولاً لماذا لا تستطيع إيران أن تقبل بأقل مما تطلب في مفاوضات إسلام آباد؟

الحرب، بالنسبة لطهران، ليست نزاعاً على نفوذ أو حدود، بل هي في جوهرها معركة بقاء. فالقبول بوقف إطلاق النار دون مكاسب حقيقية يعني أن العقوبات ستبقى، وأن الإعتداء سيستمر، وأن المنطقة ستعود إلى المربع الأول، بل إلى ما هو أسوأ. ولهذا تتمسك إيران بثلاثة شروط جوهرية هي روح وحقيقة البنود العشرة التي تطالب فيها إيران والتي تضمنتها الورقة التي سلمتها في الساعات الأخيرة إلى الوسيط الباكستاني.

أولاً: ضمانة عدم تكرار الحرب

أعلنت إيران على لسان مسؤولين بارزين، في مقدمتهم وزير خارجيتها عباس عراقجي، أن أي تسوية يجب أن تتوفر فيها ضمانات فعلية بعدم تكرار العدوان عليها. وعبارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني في بداية الحرب كانت لافتة للانتباه: “هل يكون أمن أمة بأكملها رهينةً لرغبات فرد”؟

لكن الضمانة هنا لا تعني توقيع معاهدة أو انتزاع تعهد دبلوماسي شفهي. فإيران جرّبت الاتفاق النووي من قبل، وشهدت كيف انسحبت واشنطن من طرف واحد. ما تريده طهران هو ترتيبات أمنية ملموسة تُقيد الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، أي حدوث تغيير فعلي في الجغرافيا الأمنية للمنطقة، لا مجرد كلام على الورق.

وهذا بالطبع ما يجعل الشرط الأول وحده كافياً لتعقيد أي مسار تفاوضي، لأن واشنطن لم تقبل حتى الآن بأي صياغة تحدّ من حرية حركتها العسكرية في منطقة تعدّها ضمن دائرة نفوذها تاريخياً.

لذلك تعتمد إيران على عاملين أساسيين؛ أولهما، الإستفادة من ظرف الحرب لأجل تدمير القواعد الأميركية بصورة تجعل أي سعي مستقبلي لإعادة تشغيلها بحاجة إلى مساهمة الدولة المضيفة، فتصبح بذلك معادية علناً. وثانيهما، إرساء سيادة إيران على مضيق هرمز، ما يمنحها أداة لمعاقبة كل دولة تشارك في عمليات عسكرية معادية لها أو تستضيف قواعدها على أراضيها.

ثانياً: إنهاء الحروب ولا سيما حرب لبنان

الشرط الثاني يتعلق بإنهاء الحروب على جبهات ما تسميه إيران “محور المقاومة”، ولبنان في مقدمة هذه الجبهات.

وبعيداً عن العلاقة الدينية والتاريخية التي تجمع إيران وحزب الله.. لكن من منظور استراتيجي بحت، فإن التخلي عن حزب الله في لبنان وتركه عرضةً للضغط الإسرائيلي والداخلي يعني فقدان أبرز نقاط القوة المتقدمة عند الحدود الإسرائيلية. وحين تنتفي هذه الورقة، يتمركز كل الثقل العسكري والسياسي على إيران مباشرةً، من دون أي رادع مباشر على الحدود البرية للجبهة المقابلة.

ويزيد الأمر تعقيداً في أي مفاوضات أن إسرائيل لا تريد أصلاً لهذا المسار السياسي الدبلوماسي أن ينجح. فأهداف تل أبيب تتجاوز ما تطلبه واشنطن؛ فبينما قد تُبدي أميركا مرونةً في ملف البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة حلفاء طهران الإقليميين، تعتبر تل أبيب هذين الملفين خطاً أحمر إسرائيلياً بامتياز. لذلك ستظل تعمل على إفشال أي تسوية قبل إخضاع إيران، عبر ضغط اللوبيات الإسرائيلية في واشنطن أو عبر خطوات ميدانية استفزازية.

ثالثاً: التعويضات والانفراج الاقتصادي

الشرط الثالث ربما يكون الأكثر إلحاحاً: رفع العقوبات، أو على الأقل تحقيق انفراجة اقتصادية حقيقية. وللوقوف على حجم هذا الملف، يكفي أن نعرف أن إيران دخلت هذه الحرب وهي أصلاً تعاني من أزمة اقتصادية خانقة جراء عقود من العقوبات، ثم جاءت الحرب الأخيرة بفصليها (حزيران/يونيو 2025 وشباط/آذار 2026) لتُدمّر جزءاً من بنيتها الصناعية الأساسية، فيما تتحدث التقديرات الإيرانية الأولية عن خسائر تبلغ نحو 270 مليار دولار.

هذا الحجم من الدمار الاقتصادي ليس مجرد أرقام، بل هو وقود جاهز للاشتعال الداخلي. وقد أشار المرشد الأعلى للثورة في إيران السيد مجتبى خامنئي في بيانه الأخير إلى أن “تأمين سبل عيش الناس والارتقاء بالبنى التحتية يُعدّ نوعاً من الدفاع في مواجهة الحرب الاقتصادية”. وهو توصيف يكشف أن القيادة الإيرانية تدرك جيداً أن الجبهة الداخلية ليست أقل خطراً من الجبهة الخارجية.

لذلك، إن لم تحصل إيران على رفع العقوبات، ستجد نفسها في مواجهة أزمة داخلية قد تكون أشد وطأةً من الحرب ذاتها. وهذا بالضبط ما يجعل الشرط الاقتصادي غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ.

وهنا يعود ملف مضيق هرمز مرة أخرى إلى الواجهة؛ إذ ترى إيران أن الحصول على إيرادات من المضيق يمنحها مدخولاً اقتصادياً ثابتاً، والأهم أنه يُلغي مفعول العقوبات. فبدلاً من أن تكون أميركا هي من تمنع الدول والشركات من التعامل مع إيران، تصبح إيران هي من تمنع كل دولة تنصاع للعقوبات الأميركية من الاستفادة من المضيق وثروات المنطقة.

تفاوض أم جولة عسكرية جديدية؟

إيران لا تتمسك بشروطها عناداً أو مزايدةً، بل لأن التنازل عنها يعني لها أنها قاومت لعقود وخاضت حربين وفقدت مرشدها وقيادات كثيرة وصمدت لأكثر من 40 يوماً ومن ثم يطلب منها لا أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب بل إلى وضع أسوأ، وهذا يعني تماماً القبول بالهزيمة، في حين أن الأمر مختلف وإيران ترى نفسها تتحكم بزمام الأمور ويجب أن تحصد ثمار حرب لم تُهزم فيها لتبني مستقبلاً أفضل لشعبها ولشعوب المنطقة بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

إقرأ على موقع 180  "فيلق السيادة".. والنوم في "التخت الأميركي"!

في المقابل، لم تتألم الولايات المتحدة حتى الآن بما يكفي لإرغامها على قبول الشروط الإيرانية. وفي ظل هذا التوازن الصعب؛ باتت إيران في موقع لا تستطيع فيه التراجع، وأميركا في موقع لا تشعر فيه بعد بضرورة التنازل؛ يفضي ذلك إلى الاعتراف بوجود هوة كبيرة بين الطرفين، تتجدد معها المخاوف من عودة الحرب خصوصاً في ضوء استمرار الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية.

الكرة اليوم في الملعب الأميركي: هل الضغط الداخلي المتزايد في الولايات المتحدة لإنهاء الحرب سيُجبر إدارة دونالد ترامب على القبول بصيغة تُحقّق فيها إيران حداً أدنى من المكاسب الثلاثة؟ إن كان الجواب لا، فليس أمامنا اتفاق في الأفق؛ بل جولة ثانية من الحرب، وستكون على الأرجح أشد وطأةً على الجميع.

Print Friendly, PDF & Email
مرتضى سماوي

كاتب متخصص في الشؤون الإيرانية والعلاقات الدولية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180   بيروت.. لن تموت